موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

حبيب الشعب


حبيب الشعب 

في أحد الدروس في مدينة غزة الشامخة، وقفت المعلّمة التي كانت تدير ظهرها للطالبات في الفصل، وهي تخط بيدها كلمات على السبورة، لتستمع لبرهة لحوار هامس بين طالبتين علا صوتيهما في حصة اللغة العربية.
بدلاً من أن تعنّف المدرّسة الطالبتين طلبت منهما أن تتحاورا بصوت مسموع للجميع لأنها اشتمت رائحة حوار منطقي، ابتغت أن يكون نموذجاً للطالبات الأخريات، لا سيما والحديث اليوم في الحصة عن حكماء العرب أمثال أكثم بن صيفي وعلي بن أبي طالب والحسن البصري وعباس محمود العقاد وخالد الحسن.
كانت كل من مي ورشا تتهامسان بصوت علا عن ذكري استشهاد ياسر عرفات التي توافق 11/11/2004 ونحن في ذكراه التاسعة.
في داخل الفصل كان الحوار بين الطالبتين يدور حول أيهما أصدق في وصف أبو عمار؟ هل هو قائد جماهيري أم قائد فصيل بعينه ؟ هل هو قائد شعب أم قائد حزب ؟ هل هو قائد حركة أم قائد أمة ؟ وما الحكمة في أيهما؟
بعد ان ذكرت رشا عنوان ما تهامستا به، نظرت وهي واقفة تجاه المدرّسة، فأشارت لها مدرستها أن تعرض وجهة نظرها هي، ثم تترك زمام الحوار لزميلتها 
رشا : أنا أعتقد أن ياسر عرفات كان قائداً جماهيرياً ولي في ذلك دلائل .
مي : وانا قلت أن صفته كقائد لفصيل أو لمنظمة التحرير الفلسطينية يعني أنه لايمثل بالضرورة كل الشعب الفلسطيني 
أومأت المدرسة برأسها أن أكملا الحوار .
رشا : إن كان لي أن أعرض وجهة نظري فدعوني أذهب الى اللوح لأكتب بعض العبارات .
سمحت لها المدرسة، وابتعدت قليلاً عن السبورة وناولتها الطبشورة.
كتبت رشا على اللوح 5 عبارات نسبتها لياسر عرفات ووضعت الطبشورة جانبا، ثم التفتت الى زميلتها الواقفة ازاءها، والى زميلاتها جميعاً في الفصل لتسأل: من قائل هذه العبارات ؟
أجابت معظم الطالبات تقريباً أنه أبو عمار .
مي : اعترف لك بهذا القدر الكبير من الذكاء ، والأسلوب اللطيف بالعرض، وعليه ورغم قناعتي التي قلتها لكِ أن أبوعمار كان يعبر عن انتماء للمنظمة بصفته على رأسها إلا أنه وصل لمعظم الناس مالم يستطعه قائد آخر فعلا.
المدرسة تخاطب رشا :  تفضلي واشرحي لنا ما تعنيه العبارات الخمسة لك.
 أشارت رشا الى اللوح ووضعت السبابة على العبارة الأولى التي تقول :
( يريدونني قتيلاً أو أسيراً أو طريداً وأنا أقول لهم: شهيداً ، شهيداً ،شهيداً)
 ثم توجهت بالسؤال لصويحباتها بعد استئذان المعلمة التي سمحت لها بالاستطراد.
 فقالت: ماذا نفهم من هذه العبارة؟
 ردّت معظم الطالبات مؤكدات على ثورية ونضالية وصمود وثبات أبي عمار، ماهو صحيح ، وأقرتهم عليه .
 أضافت رشا: أنه أيضا يخاطب الجماهير في وعيها النضالي التاريخي والديني والوطني حيث الشهادة مفتاح الجنة، والشهادة سياق فلسطيني، وهي تماهي مع الجماهير لا تخطئه العين.
قالت المعلمة: وفي ذلك حكمة، صحيح.
 وضعت رشا أصبعها على العبارة الثانية التي تقول ( شبل أو زهرة من هذه الثورة سيرفع علم فلسطين فوق مآذن وكنائس وأسوار القدس ).
مي : وفي هذه العبارة دلالة على معنيين مترابطين هما: عمق الارتباط الجماهيري   مع إيمانه بالنصر القادم من خلال الصغار أو الشباب وهم وقود الثورة والنضال والتحرير.
رشا : نعم ، صدقت ، وهل لي أن أكمل .
المدرّسة : نعم، تفضلي أكملي .
كانت العبارة الثالثة المكتوبة على اللوحة
( الذي يتعب يتنحى جانباً وليعطني أولاده ) وقالت رشا موضحة حكمتها أن فيها الدلالة على الديمومة النضالية ، وتواصل الأجيال ورفضه التنحي أو تقاعد أو استقالة أو تخلي المناضل عن دوره او موقعه، وإن حصل، فهو يرغب برؤيته متأصلاً عبر أولاده لتتحقق الديمومة، لا سيما وأن من شعارات فتح ما يقول (فتح ديمومة الثورة الفلسطينية والعاصفة شعلة الكفاح المسلح)  
قالت المدرّسة : أراكِ لم تنتظري، فلم تسألي، ولم تنتظري أن تجبيك أي طالبة على ما افترضت أنه سيكون سؤال منك لهن؟  
رشا : أعذريني لحماستي فهذا الرجل القائم في وعينا كلما ذكرته شعرت بالحماسة وطفرت فيّ الدموع .
المدرّسة : لماذا؟ أخبرينا.  
رشا  : لقد كان للقائي معه وأنا طفلة بصحبة والدي أن هزني بشدة.
المدرسة : حدّيثنا عن ذلك، لو سمحتِ .
تركت رشا اللوح وابتعدت قليلا واقتربت من زميلاتها ، وأغمضت عينيها العسليتين وغابت في مجاهل الذاكرة ، تستدعي مما كمن فيها، وتغرف من منهل المحبة .
وقالت: كنا في أحد شوارع غزة نترقب سيارات أبو عمار وهو يخرج من "المنتدى" لنلقي عليه التحية أنا وأبي ونفر قليل من صديقاتي، فإذ به يخرج ومن السيارة بعد أن لمحنا نشير له، حيث أوقف الموكب في منتصف الطريق، ونزل ليسلّم علينا، وحملني وقبّلني، وقال بمثل هؤلاء الزهرات والأشبال نهزم عدونا، وبأمثالهم نحرر فلسطين، وسأل والدي ومَن تجمّع حولنا إن كانوا بحاجة لشئ أن يقدموا طلباتهم لأحد المرافقين معه ، ثم خطا خطوات سريعة لافتة رغم كبر سنه، وركب سيارته بعد أن أشار لي بالتحية باسما ، لقد اكتشفت حينها مدى الحب الذي يشتعل في قلب هذا القائد ولمست مدى عفويته وجماهيريته.  
قالت إحدى الطالبات : نحن نحبه ولم نلتقيه أبداً، فسيرته العطرة ونضاليته وعظمته أصبحت شاحذا للهمّة فينا ، ومنبع فخر لنا كفلسطينيين .
قالت المدرسة -بعد أن شكرت الطالبة موضحة أن الكلام بإذن لتحقيق حسن الحديث والاستماع - : تفضلي يارشا وأكملي.
رشا : أشارت بسبّابتها للعبارة الرابعة المسطّرة على اللوح ومكتوب فيها ( كل البنادق نحو العدو ، والبندقية غير المسيسة قاطعة طريق ، واللقاء فوق أرض المعركة).
ودون أن تقوم رشا بالسؤال أو التعليق على العبارة وقفت إحدى الطالبات، وبعد أن استأذنت معلمتها، وقالت: إن هذه الشعارات رفعتها الثورة الفلسطينية منذ البدايات وليست جديدة ولا تنسب للأخ أبوعمار .
رشا بعد الاستئذان : نعم ، صحيح، ولكنها ظلت تمثل عنواناً أو حجراً في مبناه الفكري والثقافي والسياسي، وفي علاقاته مع الفصائل من جهة، ومع الناس، فمن هو معنا هو ذاك المقاتل أو الثائر صفاً واحداً باتجاه هدفنا الواضح، لذلك كرس أبوعمار كل أنواع النضال العسكري والسياسي والجماهيري في مواجهة العدو.
قالت مي: هل لي أن أذكّرك بعبارة جماهيرية هامة هنا، ألا وهي ترداده الدائم بالقول (أن الشعب الفلسطيني أكبر أو أعظم من كل قياداته)
رشا: شكرا لكِ على هذه الاضافة الجميلة.
بعد أن ربتت على كتف رشا بمودة، قالت المدرّسة : دعوني أقول لكن، أن الشهيد الوالد ياسر عرفات حكم فلسطين والشعب الفلسطيني، وأثّر بأحرار العالم بجاذبيته الشخصية (الكاريزما) من جهة، وبقدراته النضالية والجماهيرية من جهة أخرى، وبمجموعة من الشعارات التي أخفت وراءها حكم عميقة وفكر ثاقب وتعبير واسع رغم بساطتها، وهو أيضا كان متقدماً على أقرانه دوماً في صنع الحدث أولا وفي اتخاذ المواقف ثانيا وفي جرأته ثالثاً وفي تصميمه على بلوغ ما يقتنع به رابعاً، وفي خوضه المعارك حين الضرورة خامساً. 
مي : وأنا رغم ما قلته من انتمائه للمؤسسات التي صنعها، فإنني أبصم على ما قليته يا معلمتي.

المدرّسة: والآن تفضلي يا رشا لعرض العبارة الخامسة والتي أظن إنها ليست الأخيرة في سيرته الحافلة.

عادت رشا الى مقعدها ورددت العبارة الخامسة والأخيرة المكتوبة على اللوح بعيدا (على القدس رايحين شهداء بالملايين ) وجلست.
قالت المدرسة : هل اكتفيتِ .
رشا : العبارة لا تحتاج شرحاً .
طلبت المدرسة من الطالبات أن يفسرنها بما هو وراءها أو  بما يمكن ان تدلّل عليه من أفكار وايحاءات أو دلالات .
الطالبة الأولى : هذه وصية شهيد للجماهير .
الثانية : تواصل النضال والثورة .
الثالثة : قائد مسكون بالقدس .
الرابعة : نداء استغاثة للأمة العربية والإسلامية كافة .
الخامسة : رجل مؤمن .
السادسة:  فقدان الأمل في الأمة 
السابعة: بل تحريض لها على القتال والجهاد
ثم قرع الجرس.
ضحكت رشا وبادلتها مي الضحك ثم تبعتهما المدرسة بالضحك، وانتهت الحصة .
خرجت الطالبات، وهمّت المدرّسة بالخروج وراءهن، الا أنها التفتت بسرعة الى طاولتها فوجدت ورقة مكتوبة، أمسكت بها فإذ بها موجهة الى رشا واليها من إحدى طالبات الفصل، فقرأت فيها التالي:
معلمتي الجليلة 
صديقتي رشا 
أعذروني فلقد كنت قد امتلأت غيظاً في البداية من ذكر ياسر عرفات لأن في عائلتي من يصفونه بالسوء، ما أثر علىّ لأتخذ منه موقفا مناهضا ، لكن استماعي لما قلتيه قلب المفاهيم عندي .... فشكراً لكِ .
ملاحظة : فهمت معنى الضحكات النهائية لرشا ومي ثم مدرّستنا .... لقد كانت البساطة ووضوح المعنى، والقِصر لعبارات أبوعمار ما يمكن حفظه ويدخل القلوب، والحب المشبع فيها، والشعبية بالاختلاط الدائم مع الناس، والكلام المباشر دون تورية أو لف ودوران، هي ما مثل ينبوع الحكمة في خطابات وتصرفات أبو عمار مع الناس، وأستطيع أن أقول أنه لذلك حبيب الشعب... رحمه الله واسكنه فسيح جناته. 

سعدت المدرسة بما قرأت، ثم أسرعت الخطى خارج الفصل لتلحق برشا، وسلمتها اعتراف الطالبة مجهولة الهوية، ومضت.


إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر