موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

في فهم معادلة الاختلاف والتعددية في التنظيم


في فهم معادلة الاختلاف

والتعددية في التنظيم

 

 

           إن للشخصية أكثر من سبعين تعريفا ما بين علم الاجتماع والفلسفة والدين، وفي التنظيم والعلوم الأخرى ، وكل يعرّفها بما يزيدنا شغفا بالبحث أكثر والتعمق في دراستها، وحيث أن الانسان يولد فردا ثم ينمو شخصا، إذ يكتسب مكونات ما يصبح عليه، فان حيرة الإنسان بذاته وهو (شخص) يعقِل لا تدانيها حيرته في منشأه الأول (فردا).

        من الممكن أن نعرّف الشخصية بأنها (البناء الخاص) بصفات الفرد وأنماط سلوكه الذي من شأنه أن يحدّد لنا طريقته المتفردة في تكيّفه مع بيئته، والذي يتنبأ باستجاباته، أوباعتبارها أي الشخصية (مجموعة) أو (نسق) متناغم من الصفات والسلوكيات المختصة بفرد بعينه، وقد يكون تعريفها بمجموعة السمات النفسية والجسدية التي تميّز إنسانا عن سواه، الى غير ذلك من عشرات التعريفات، ما آثرنا أن نختار منها ما سبق.

في تعاطينا مع الشخصية من المنظور التنظيمي في التنظيمات السياسية والثورية سعيٌ لتفهم الاختلاف والتباين ، وسعيٌ لمعرفة أوسع بآليات التأثير والإقناع والجذب للشخصيات المختلفة، وفي ذلك محاولات لبناء أساليب أو آليات للاتصال والحوار تكون ذات جدوى وتحقق نتيجة.

        إن المنظمة أو الجماعة تسعى لتحقيق هدف أو حاجة أو مصلحة، وكذلك الشخص في حياته الخاصة، وإمكانية تحقيق تقاطع ولو جزئي مع بعض أهداف هذا بذاك هو تحقيق لمعنى الاستمالة والجذب في التنظيم (المنظمة) ، ومتى قدّم الشخص أهداف المجموعة / الجماعة /المنظمة على أهدافه الخاصة نال شرف الإنتماء الفاعل للجماعة، أما حال تحكم مصالحة الذاتية في مسيرته فإن (الاستغلال) يصبح قرين أعماله.

 

        تسعى المنظمة للتعامل مع كافة نماذج الشخصيات، إذ تضع ضمن شرط الإنتماء لها عددا من المحدِّدات التي منها:

 1-ضرورة الإيمان بالأهداف والأفكار والمباديء

 2-والقيام بالواجبات ومهمات العمل

 3- والانصياع للنظام الداخلي أو الدستور

 4- والتحلّي بمسلكيات وتصرفات وقيم محددة

 5- ونشر فكر التنظيم والترويج له، والتصدي للفكر المناويء.

        إلا أن ذلك كلّه إطار نسبي تختلف فيه الشخصيات في ثلاثة أمور: هي المدى (بمعنى المساحة التي يتحرك بها عملا ودعوة وإيمانا مما سبق ذكره سواء في مساحة التنظير أوالاستقطاب أوالصلاحيات النظامية أو الاتصالات...) والقوة (ما يعني مقدار تمسكه بالأفكار والواجبات ما يقاس بنتائج العمل قولا وفعلا) وأولوية الإلتزام به (ما يظهر بقدرته على ترتيب أولوياته أيكون التنظيم مقدما على الذاتي من الامور أم العكس)، لذا كانت المعرفة للشخصيات وتصنيفها تمثل رغبة في وضع صيغ أو أشكال متنوعة للتعامل تتناسب مع الشخصيات المختلفة.

        إن التقاطع بين أهداف وفكر التنظيم وأهداف وفكر الشخص العاقل الواعي المتميز عن غيره هو بداية الاقتراب ما بين الدائرة العامة والدائرة الخاصة ، وكلما انخرط الاشخاص بدوائرهم الخاصة في محيط التنظيم تكبر الدائرة ، إلا أن استغلوا تلك الدائرة العامة فيبتلعونها، ويتكرّشون ويتحول التنظيم الى فريسة سهلة البلع، يتقاسمه أصحاب المصالح الخاصة والمآرب الشخصية والأفكار الانتهازية.

        إن الاختلاف سِمة قرينة التعدد ، والاختلاف والتعدد في الشخصيات لا يقبل الحدين أو النقيضين بمعنى السيء مقابل الجيد أو الشرير مقابل الخيّر أو المصيب مقابل المخطئ فهذه الثنائية تصدُق في مجال العقائد الدينية أو ربما في الفكرانيات السياسية . اذ لا توسط فيها ، وما دونها في كل دين أو حزب أو جماعة يصبح الاختلاف والتعددية متاحا، أو مفهوما ضمن آليات العمل التنظيمي والقوانين.

        أن نختلف فتتعدّد الرؤى لا يعني أن نشهر السيوف بوجه بعضنا البعض ، وأن تتعدّد الأفكار والمقترحات والحلول لا يعني أن هناك رأي قاطع مانع كحد السيف لذا كان الاعتراف باختلاف الشخصيات وتعدد الآراء والأفهام وزوايا النظر مدعاة لتطور الفكر الإنساني ليصل للمرحلة التي يستطيع فيها أن يفهم معنى الاختلاف والتعددية والشخصيات بمنطق التقبّل والتفهّم وبالتالي إمكانية أن تتجاور معا.

        إن الشورى والديمقراطية في العمل الجماعي لا بديل عنها لأن عقلية العطاء والعمل المنتج يفترض تحقق العائد ما يأتي من الطرف الآخر في معادلة التنظيم ، ولأن التنظيم أوالجماعة السياسية أو الثورية تُدار من قبل (سلطة) أو (قيادة) ممثلّة بالإطار الأعلى على أشخاص هم قاعدة هرم السلطة فان آلية الأمر أو الإخضاع أو السيطرة أو القرار أو الإلزام ذات الطابع الاستبدادي لم تعد صالحة في عالم اليوم، وبذا كانت الديمقراطيات على أشكالها سبيلا للتعامل مع (الاختلاف) و (التعددية) و(الشخصيات) التي هي في مكوناتها الأساسية مجموعة من المختلِفات في نسق مؤتلف.

        إن معادلة البناء الذاتي تفترض بعضو التنظيم أن يكتشف شخصيته في مكامن قوتها ومكامن ضعفها ، وتفترض هذه المعادلة سعيه لتطوير ذاته وقدراته واكتسابه مهارات جديدة.

           معادلة البناء التنظيمي ترى التعامل مع الأعضاء بأشكال ثلاثة:

        أولا: من حيث هم مختلفي الموقع في أطر متنوعة داخل التنظيم، فلكل صلاحيات ومسئوليات وواجبات وبالتالي عليه حقوق المتابعة والمساءلة بدرجات متفاوتة إذ كلما عَلَت المرتبة كلما زادت المسؤولية وزادت آليات المتابعة، وبالتالي المحاسبة.

         أما شكل التعامل الثاني فهو من حيث هم جميعا بغض النظر عن مراتبهم أو مواقعهم مكلّفون بالدعوة للفكر الذي يحملونه ، ومكلفون بالعمل لتحقيق أهدافهم ، ومكلفون بسلوك سبيل القدوة والنموذج للجماهير ، وهنا تصبح الواجبات والحقوق واحدة لا فرق فيها بين قائد ومُقاد.

 

       أما الشكل الثالث فهو التعامل مع الأشخاص من حيث هم شخصيات مختلفة -وبأنماط تعددية- لكل منها مدخل مختلف ومفتاح مغاير وطريقة ناجحة وأسلوب قد ينجح مع هذا ولا ينجح مع ذاك ما يجعل من المسؤول يضع في ذهنه أثناء اتصالاته وتواصله مع الأعضاء (أو العكس) أنماطا أو نماذجا مفترضة للشخصيات على شكل قوائم ذهنية مع ما يقابلها من آليات التعامل المختلفة لكل نمط أو نموذج، فيستطيع القائد أو العضو بذلك أن يلين في موقف ويتصلب مع آخر ، ويصبر على رعونه شخص ويزجر آخر ، ويتودد لشخص غاضب ، ويغضب مع آخر ، ويضحك في موضع، أو يصرخ أو يتلطف في موضوع أزمة مع شخص أو اشخاص استنادا لقدرته المكتسبة في آليات التعامل مع الآخرين بهدف تحقيق حسن التواصل والمشاركة والحفاظ على المؤسسة أو التنظيم.

       إن فهم معادلة البناء التنظيمي في إطار الأختلاف الانساني هو وعي بالتنوع وتقبله وتفهمه والتعاطي معه كل حسب مقامه أو منطقه، في ظل السعي الموحد لتحقيق الهدف الجامع، إذ لا تنظيم بلا هدف جامع يتم الالتزام به من المجموع، ولا تنظيم بلا إطار يضم المختلفين والمؤتلفين مع احترام تبايناتهم، كما لا تنظيم بلا عمل ومهمات أو قيم وأخلاق. ومن هنا فإن الوعي بالتعددية لا تفترض ترك الحبل على الغارب داخل الأطر وخارجها، ولا تفترض فهم الحوار والاتصال بمنطق الطعن أو النعي أو النقد بصيغة القذف، وانما ادراج الحوار والتفهّم في آليات الاتصال مع أعضاء التنظيم على اختلاف نماذج شخصياتهم على رأس الأولويات القيادية.

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر