موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

سفينة نوح وجُحر الضب في الفكر الانساني!


سفينة نوح وجُحر الضب في الفكر الانساني!


 

 الجدل محدود الأثر لا طائل منه في ظل أن فلسطين أولى بالنسبة لنا، ومحاربة رجس النفس بالطبع، وضرورة التوجه إلى العلم والنور والهدى هدى القلب

 

لكن هناك من مغلقي العقول من يجبرونك على طرق المواضيع الأخرى رغم حراجة الظرف، فهم يتجهون حالا للشتيمة والتكفير والتخوين، فلا هم استفادوا ولا هم أفادوا، بل نفّسوا عن جهلهم وعدم رغبتهم بالتعّلم أو التأني والدرس، أو فتح العقل لمفاهيم تخالف المستقر في قعر البحيرة الراكدة الآسنة، سواء كانت هذه المفاهيم سياسية أو  دينية أم اجتماعية، إنهم يحتكرون الحقيقة ويمتلكون القداسة ولا منظار صائب يرونه إلا عبر عيونهم.، أن على قلوبهم أكنّة وفي عيونهم غشاوة كما قال الله تعالى في محكم التنزيل

 

 إن أصحاب العقل الوقاد المنفتح يتقبلون برحابة (ألم نشرح لك صدرك) كل المخالفين لهم ذوي الألسنة العفيفة، أما اولئك من مغلقي العقول فيحملون سيف الإرهاب والإرعاب والتخويف الثقيل باسم الدين أو باسم المطلق، وكأن من يخالفهم بالضرورة كافر أو مرتد، كما تفعل "داعش" والتيارات الاسلاموية بفعلها أو تنظيرها أو تعبئتها الداخلية الخطيرة، التي تنخر في عظام حتى غير المنتسبين لها، إن هذا شيء فظيع.

 

 بدلا من أن يتوجه هؤلاء الناس لإتباع ما قاله الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم بتحكيم نور العقل (سراجا منيرا) وفكر التأمل والتقبل للفكرة الأخرى (أفلا تتفكرون) ، يقومون  بكل (فظاظة وغلظة قلب) بتصنيف المتحدث والحكم عليه، أو إطلاق الصفات القبيحة عليه بأفكار مسبقة، وبلا تمحيص مقصود، ما هو تشنيع بلا دليل علمي

 

إنهم ينشغلون بالرد من نفس منبع المشكلة الفكرية الحضارية، أي باستخدام نفس أدوات القياس للآخرين، رغم أن العلم والبحث والدرس العلمي قد تطور كثيرا عن تلك المضامين التاريخية والتراثية التي ينهل منها الكثيرون دون تنقيحات منذ ألف عام، بل وبنفس المنهج البحثي القديم الذي تجاوزته العلوم الحديثة بآلاف الأميال.

 

 

ولنا النظر بحُب فياض لما قاله ابن قيم في أستاذه الشيخ الهروي بمجرد أن أشتد عوده في العشرينات من عمره، تصوروا ما قاله: أنه يحترم أستاذه بكلام رائع تمثل فيه علم الهدهد المحدود وعلم النبي سليمان الواسع، وفق الآية الكريمة التي تشير لذلك، ولكنه يخالفه بوضوح-كما خالف أستاذه الآخر أيضا ابن تيمية- فلم يشتم أو يكفر أو يخون أحدهما الآخر، وإنما الأدب كان رسوله للمخالفة والاستدراك

 

ولنا النظر لافتاءات الأئمة الكبار الذين خالفوا بعضهم إلى حد أنه لو إطلع عليها "أصحاب العصمة" المدعاة اليوم لكفروهم! ، وهم بقوا مجتهدينا الأجلاء، أصابوا أو أخطأوا، ولكن لا أحد من الجهلة أو المجهِلين أو البسطاء يطّلع، ولا أحد منهم يريد أن يُتعب عقله، فمادام كرشه ممتليء ، فالعقل فارغ والروح وعاء يمتليء باليقين أو الأحلام

 

ولننظر للشافعي أو علي بن أبي طالب لأي منهما نسب القول العظيم (ماجادلت عالما الا غلبته وما جادلت جاهلا لا غلبني)

 

إن أمة تغفل عقلها وروحها وتدخل مجددا في ظل هيمنة وسطوة وتحكم طرق وأساليب ومناهج التفكير الظلامية ما يؤدي بها الى الاندراج ضمن مربع إلغاء العقل والانسياق وراء العواطف، من الصعب عليها نفض غبار السنين الكثيف، والتوجه ثانية للعلم (والعلم ثورة كما نعلم وأيما ثورة) والتوجه نحو الثقافة والنور والتقبل واحترام الآخر حتى المخالف بالرأي أو الفكرة أوالطائفة أو الدين أو الجنسية.

 

لننظر إلى ما يحصل في العراق من اقتتال يأخذ من التاريخ الطائفي أسوأ ما فيه، ويلقيه في وجه العامة كأداة تحريض لاستمرار الاقتتال الوحشي فمذبحة معسكر (سبايكر) في العراق هذا العام 2014 قابلها مذبحة مسجد مصعب بن عمير، وهكذا هو الأمر بين متعصبي من يحسبون أنفسهم على الشيعة ومن يحسبون أنفسهم على السنة، في أكثر من بلد.

 

هل نتصور أن مذابح من ينسبون أنفسهم للشيعة يهدون انتصاراتهم "للمهدي المنتظر" الغائب عندهم، و للإمام الحسين بن علي ، ضد "النواصب" ( ) وأن مذابح الداعشيين وأشياعهم يهدونها للرسول (ص) ضد "الروافض" ( ) مع أخذنا بعين الاعتبار للتعميم الخاطيء  للفظتين التاريخيتين (النواصب والروافض) اللتان تخصان فترة محدودة، وليستا عامتين، ولكن الاستخدام الطائفي يستخدمهما بشكل مُسف

 

هل ندرك أن استخدام التيارات المتطرفة اليوم للقتل المُسرف يستند بشكل وحشي لفتاوى "التترس" التي يأخذونها من سياقها الصحيح (لننظر كيف ينقض الشيخ سيد إمام الشريف، والشيخ نبيل نعيم وغيرهما كل ذلك) ويسيئون استخدامها ضد كل مخالفيهم كما فعل الخوارج قديما، وكذلك الأمر في "التترس" العقلي إذ يجوز قتل المخالف في الرأي والفكرة وليس المحارب بالسلاح فقط

 

لننظر بمحبة إلى نور فقهائنا ومفكرينا الإجلاء القدماء، والحديثين أمثال الشيخ محمد عبده والشيخ محمد أبوزهرة والشيخ محمد مصطفى المراغي من قيادات الأزهر، والشيخ رشيد رضا والشيخ الأفغاني وابن عاشور ومالك بن نبي والعلامة محمد راتب النابلسي وغيرهم بالأمس واليوم الكثير ممن حكّموا مبدأ النظر، وعدم القبول بالقليل أو القديم المرقّع، أو الانسياق وراء خرافات وأحلام وأكاذيب، وإدخالات أصحاب الهوى والفِرَق في بطون كتبنا من التفاسير وكتب التاريخ والسير وغيرها

 

 إذا كان ابن قيم لم يكد يشب حتى خالف معلمه ابن تيمية وهو محق، فهل نحن ننكر على أنفسنا أن نفكر ونتأمل ونجتهد، مادام اليقين حاكمنا

 

لننظر لما يقوله المفكر الكبير ومؤلف الكتاب الثمين والعظيم (حياة محمد) محمد حسين هيكل في طريقة رده على المخرّصين ضد الإسلام والرسول إنه يحاكمهم بالعقل ويدمر طروحاتهم دون أن يشتم واحدا منهم

 

 إنه رقي مُعجِز، قد لا نجد مثله اليوم في ظل طغيان بيئة الظلام ومستنقع الجهالة التي تُضعِف دور العلم والتفقه الحقيقي، وتضعف دور التفكر والتأمل والتعقل، وتُعلي من شأن النقل والإتباع الأعمى، والارتباط بالموروث غثه وسمينه، بشكل معيب

 

لننظر أيضا لما يقوله كُتّاب الشيعة المتنورون أيضا من المفكرين الكبار أمثال محمد باقر الصدر الذي جهد حياته للدفاع عن الإسلام العظيم ضد الفكر الشيوعي الإلحادي (كتبه الثلاثة: مجتمعنا فلسفتنا اقتصادنا) ومثله الكثير ليس أقلهم د.علي شريعتي رحمه الله وعلي الوردي والشيخ هاني فحص  

 

 

لا نريد أن نفكر، أليس كذلك؟ ولا نريد أن نقضي أوقاتنا في التدبر بآيات الله ؟! وإنما استمرأنا أن نعيش في ما نعتقده "رغد منطقة الراحة" وهو جحيم النفس بالحقيقة، عبر الانسياق وراء أوهام وأحلام وأمال تهدّ من حصانتنا وتدمر مقاومتنا، وتضعف من إرادتنا، بل وتهز إيماننا، وتقلل من اندفاعنا نحو العلم والابتكار والاختراع لنصبح في مصاف الأمم المتقدمة علميا، وبالعلم والقيم نسود

 

في القريب أي تحديدا يوم (9/9/2014) وقف العالم على رجل واحدة ليس ضد أبوبكر البغدادي -الذي سيحاربونه بنا، وكأن الأمر معركة ميدان فقط ، وما هي بالحقيقة إلا معركة عقول أساسا- وليس دفاعا عن جرح غزة وفلسطين النازف أبدا، بالأمس وقف ملايين الناس في العالم كله، نعم كله، على رجل واحدة ينتظرون الإعلان عن الهاتف الذكي الجديد بمسلميهم ومسيحييهم وبوذييهم!

 

نحن ومثلنا لدى الأقوام الأخرى المرتاحة للتخلف، تزيّن نفسها بالعقل الاستهلاكي العقيم، لا الانتاجي المستقيم أبدا، ولسان حالها لماذا أتعب نفسي؟

 

كما إننا ننهل من بطون كتب التاريخ-على ما فيه من استفادة عظيمة قطعا- لكننا نأخذ أسوأ ما فيه من خرافات وأكاذيب وإسرائيليات وسفاهة ومجون، ونستخدمه سيفا ضد رقاب بعضنا البعض دون تمحيص وتدقيق وغربلة تجدّد عالم الجهالة فيسود في قلوبنا ونفوسنا القطران، حتى لو لم نربي لحية أو نحمل مسبحة وحتى لو لم نلبس الحجاب أو اللباس الشرعي

 

إن أصل المشكلة هنا ، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: في النفس والعقل، في القلب (مضغة) يجب أن تصلح، ليصلح الجسد كله بهيكله وبروحه ونفسه وعقله! فكيف ذلك؟

 

 

نحن مقبلون على معركة بناء أمتنا العربية والإسلامية، وأمامنا معركة فلسطين الكبرى، وأمامنا معارك عدة، أخرى أبرزها في صدري وصدرك، فإن لم نستطع أن نرسم المساحات الواسعة ننقلب ونبقى متفرجين أغبياء على قارعة الطريق، وندخل مستكينين وفَرِحين بجهلنا إلى "جحر الضب" وقد لا نخرج منه أبدا!

 

 

نحن بحاجة ماسة للعلم والتنوير، نحن لحاجة للمحبة و"التقبل والتفهم والاعتراف والتجاور والمشاركة" في فهم منطق الاتصال الإنساني الثري، وتقبل الاختلافات بيننا، وبحاجة لجعل الآخر المختلف ليس عدوا وإنما صاحب رأي آخر سواء في دائرتنا أو ضمن دوائر أخرى

 

كل المحبة وكل لاحترام لكل المخالفين كبشر، وقبل أن أسترسل لنتأمل قول الشيخ العلامة محمد راتب النابلسي( لا يكره الإنسان الكافر بل يكره كفره فقط ويكره انحرافه، أما كإنسان يحبَّه ولذلك الإنسان إذا رجع إلى الله أصبح أخاك وانتهى الأمر، وعلامة المؤمن لا يوجد عنده حقد أبداً وأعدى أعداء المسلمين لو أنه اصطلح مع الله يجب أن تحبَّه من أعماق أعماقك)

 

 ومن هنا نكمل: أحب الآخر، الآخرين، سواء اتفقنا أو اختلفنا فهذه المساحة (مساحة الاتفاق أوالاختلاف، وهي مساحة سفينة نوح التي تضمنا في ظل انتشار طوفان الظلامية والفساد والجهل والتراجع والاستبداد والانكسار) يجب أن نحافظ عليها بالعضّ بالنواجذ، وإلا كسحتنا مساحة السواد والظُلمة التي تبقيني وتبقي الآخرين  في الإنسانية جمعاء، وفي ديننا، كل في جبل مختلف، لن يعصمنا من الماء.

 

 

 

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر