الفتحاوي حين تشرق الشمس ويضحك الفجر

28-04-2015

الفتحاوي حين تشرق الشمس ويضحك الفجر

 

        كان من المهم أن تكون فتحاويا، هذا ما واجهني به قائدي في لحظات تأمل، فلما قلت له لماذا؟ تبسم، ثم أسهب القول وأفاض، والتقطتُ مما قاله نُتفا لافتة!

قال لي: من المهم أن تكون فتحاويا لأن الطريق طويل، وإن لم تتجهز له جيدا تعجز... وتخور وتموت بلا ثمن، وهي "فتح" هي الطريق.

من المهم أن تكون فتحاويا لتستطيع أن تخرج من الشرنقة، وتستعيد الفضاء الذي ضُغط ضغطا شديدا،وصُور لك أو لغيرك أنه حصرا في شرنقتك أو شرنقتهم،وفي قالبك المغلق، ولا فضاء خارجه.

        كان من الأجدر بك أن تكون فتحويا،فلا تنتمي سياسيا لغير فلسطين، ولا يغزو خلاياك إلا هي أي فلسطين، لتأخذ من أنسام الربيع القادرة قِدرأ كبيرة، تحوى القُدرة الكبيرة على إنهاض رئتيك اللتين ترفضان عطن الهواء، ولا تقبلان إلا نسائم الزهور والخلان والإيمان بالقدر.

        كان من الأولى لك أن تنتسب لحركة (فتح) لا غيرها، وسيلة رحبة ومدىً مفتوحا، وسياجا آمنا ورباطا بلا ثمن، وسعيا عند الله مشكورا،وسبيلا للمحسنين نحو المعشوق.

         استطرد...وأنا مُصغٍ: "فتح" هي الحب بلا حدود، وهي فكرة العِشق دون انتظار القُبلة، وهي النباهة حين تضيق العقول فلا تدخل حتى من ثقب إبرة.

        حركة فتح هي النُبل حينما يفسد الكثيرون، وهي الأرض حين يهتز الآخرون ويميدون ويتساقطون ويعجزون، وهي الصمود حينما يتراخي الفاشلون، وهي فروسية العقل حين يعيش الأتباع في عباءة الظلاميين أومن خلال مفاتيح التفكير التي لا يملكها سواهم.

     عاد قائدي منتشيا بعد لحظات ترقب، نظر فيها خارج النافذة المطلّة على حريق الفجر البازغ مختالا، فقال: في حركة فتح  قد ترى الألوان كثيرة حين تختلط، ولكنك حتما ترى نور القمر المنير جليّا فتهتدي ولا تضل.

    الموئل حيث ترى الفرق جليا بين ضيق الحقد والكراهية، ورحابة الصدر المنشرح هو في الوسط الفتحاوي المرحاب، بلا سدود أو مصائد أوشِراك.

        من الضرورة أن تقدّر وتثمّن عاليا ما قُمتَ به باختيار التمرد والثورة والانتفاضة والحرية والمقاومة لمجرد اختيارك حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح سبيلا، ووسيلة ومتسعا، لأنك بتمردك على تراجع الذات لا تقبل الفكرة المحصورة المشرنقة، ولأنك بثورتك على الأوثان ترفض العبودية لغير الله، فترفض العبودية لأصحاب الفكر المغلق والفكر المطلق، وأصحاب القداسة الموهومة الذين يعكسون رأيهم أو فهمهم كِسَفا مقدسة تتساقط على رؤوس الناس كالقَدَر، وكأنها والقرآن الكريم واحد، وما هم إلا كاذبون دجالون.

        أشار لي بسبابته كأنه يخاطبني أنا لا سواي، وأفصح: تقديرك لذاتك جاء مع اختيارك نبض الحرية في الفكر والوطن والفعل الحر، بالثورة أنت تعيش الانتصار وبالتمرد والانتفاضة والمقاومة والصراخ بكل الإشكال لا تتخلى عن أخوانك، فتجاهد في ذاتك كثيرا وفيهم .

      فتح هي المساحة الرحبة الواسعة المتاحة لي ولك دون أن تفتش في عقلك "لتتوقف وتتبين" ، ودون أن تفرض عليك في كل أمر (فهما) محدودا و(فكرا) مقدسا وأسلوبا بلا بدائل يمتزج مع فساد الأمزجة ومتغير الرأي، فيها أنت تحاور وتناظر وتعبّر وتجاور وتنقد وتعترف وتخالف فلا تُضار.

        لأنك أخترت أن تُمسك يومَك بيديك فلا تهدره، وتضع غدك بين عينيك فتديم النظر، ولأنك عندما تنظر إلى الخلف قليلا فإنك تتعلم وتنتقد وتُراجع خطواتك وتعترف بأخطائك ولا تقف عند هذا الحد، بل تصوّب الخطة او المسار وتعدّل وتطور، ولأنك اخترت فتح فإن عليك أن تقدّم الجديد دوما بأن تبادر وتُبدع، ولا تكلّ العمل ثم العمل ثم العمل لخدمة الشعب فتبرع.

        بعد نفس طويل قال: عندما خرجت الفكرة، فكرة حركة التحرير الوطني الفلسطيني -فتح من ركام آهات الموجوعين الملدوغين "اللاجئين" من ظلمة الكلام إلى نور الفعل، عندما تجلّت من واقع بؤس الأحزاب بشعارات الرنين والطنين كان الاستعصاء السياسي والثقافي والفكري هو الخطر الماثل، وكان التشتت و التمذهب والتحزب والأدلجة هو الطاغي تماما كما هي الحال اليوم، فكلما انتشرت فتاوي التكفير والتخوين والتشهير كلما سقطت الأوراق الباهتة وعلت راية صلاح الدين الصفراء راية الفتح المبين.

        أنت إبن عائلتك، وابن وطنك أولا، لذلك تُقسِم في حركة فتح على الولاء والانتماء لفلسطين، وسبيلك ووسيلتك وحضنك الداخلي حركة فتح، لا كما يُقسم الآخرون ليموتوا فداء لأفكار الأصنام والأسلاف، فداء للفكرة الضيقة بلا هواء منعش، أو تجدد في شرنقة الزمن الفائت.

        إن من الجميل أن تُنير كلما أشرقت الشمس، وبان سِنُ الفجر الضحوك، فالشمس المشرقة هي فكرُنا العربي الإسلامي بصيغته الحضارية الوطنية الرحبة، الجامعة لكل الأفكار، المتآلفة في نسقها الانساني الكوني، ومنها لتراث المسيحية الشرقية الجميلة، وتلاقح الحضارات، أما الفجر الضحوك بإشراق الشمس فهو أنت ... الفتحاوي الأبي القابض على بندقيته والقلم.

أن تكون فتحاويا يعني أن تعيش ضباب فلسطين فتتكاثف فيك، وتتنفسها، وتعلو بها سحابا، فتمطرها، بل وتمطرك عبر "فتح"، وتندمج مع اشتياقات قطرات الندى، وفتيل اشتعال نور الصباح.

أن تكون فتحاويا يعني أن تكون عربيا فلسطينيا،أن تكون انسانا، فلا توجّه بندقيتك أبدا إلا إلى صدر الأعداء الذين كانوا لنكبتك صانعين ولأرضك محتلين ولثقافتك سارقين.

        لك أن تفخر بالتاريخ وحضارة أمتك العظيمة، ولا تتوقف عنده، فأنت التاريخ يمشي على قدمين فيضع الفاسد منه في خطوة يطأها، ويرفع رجله الثانية ليبني لبنة جديدة -من عريق تراثه وتجدد عقله وكونية حضارته- في مستقبل الأمة ، وفي مستقبل فلسطين، لأنك كما ترى، تسير في درب الفتح المبين.

        يجب أن تصمد ولا تنهزم أبدا، ولا تتراجع، فأنت العربي الأبيّ الفلسطيني المارد ابن العمالقة منذ كنعان الأول وخالد الأول وعمر الأول ومنذ ظهر ظاهر العمر الزيداني ثم أوصى بعمامته ميراثا لعز الدين القسام الذي أوصى أصحابه بها ليلبسها ياسر عرفات كوفية مرقطة، لتصبح مشعل مقاومتك اليومية، وعرفانك الدائم وخلاصك الأبدي يا ابن الحركة المنيرة العلم المتجدد، والعمل المتقن، بدأب... من المهد الى اللحد.

        أنت المؤمن ممن قال فيهم الله تعالى-وفي كل المؤمنين- حاثا على التفكّر والنظر والبصر (وفي أنفسكم أفلا تبصرون – الذاريات 21) وأنت ، وأنتم ممن قال فيهم جلّ ثناؤه (لهم قلوب يعقلون بها – الحج 46)، ويجب أن تكونوا ممن قال فيهم الله تعالى (إنما يخشي الله من عباده العلماء – فاطر 28)، فتخشون الله بكل المعاني بمعنى توقي غضبه وجحيمه وبمعنى (الحب) لله، بعدم الوقوع بالزلل الفكري أو الخلقي أو المسلكي ، وبمعنى (الرجاء) من الله تعالى وبمعنى (العلم) فمن يعلم يرجو ويخشى ويحب فلا يضر محبوبه أبدا.

        ارفع رأسك عاليا، فأنت تتنسم هواء نقيا، ولا تقبل فاسد الهواء المتمركز في مغاليق العقول وتلافيف أدمغة الظلاميين ممن يصورون لأتباعهم أنهم ظل الله في الأرض في احتكار للرأي يظنونه الحقيقة المطلقة ما هو فعل مرذول ، وما هو إلا رأي قابل للأخذ وقابل للرد، ونحن نرُدّه فلا نتبع الفكر الجامد والمغلق والعدواني والبارد أبدا.

        كن فتحاويا فلا تهاب إلا الله ، وكن فتحاويا فتصبح غايتك تحرير ذاتك وتحرير مجتمعك وتحرير فلسطين، وتكون أهدافك وطنية أولا وتاليا في عمق أمتك العربية الاسلامية المسيحية الانسانية ، فترتفع رايتك حتى عنان المساء ، وكن فتحاويا فتدرك معنى حريتك ، ولا تهن ولا تكِل ولا تتراجع ولا تحزن ولا تقطع صلاتك ولا تخنع ولا تجبن ولا تفحش ولا تمتليء سوادا أو سلبية أبدا.

         

        أنت المتجدد المتعدد، غير المتردد ، ولا المتبدد، أنت القابض على جمر دينه ووطنه ووعيه لا يفلت أي منها أبدا ، فلا يهوى في سحيق وديان الظُلْمة وأمراء التكفير والتجهيل والتخوين ، فلست نبيا وإنما إنسانا تُحب المسيح عليه السلام، الفلسطيني المؤمن العظيم كما تحب كل إخوانه، وخاتم الرسل وأعظمهم، وتراب الأرض .

        أن تكون فتحاويا فإنك تتموضع بثقة حين تشرق فلسطين فتصبح الفلسطيني في سنا الفجر الضحوك...المنتصر .

        قال لي قائدي الذي لا أتوكأ على كتف أحد غيره- بعد هدى الله- وذلك حين تهب "العاصفة" أو في حالات الهدوء والسكينة، وفي الأمور الشِداد، قال لي قائدي وهو عقلي: أنت الحرّ ، وأنت الذات المتموجة الأنغام، الذات المتصلة بما سبق، والممتدة في المسافات والدروب والأهداف والأحلام لمن لحِق، وأنت الكُلّ المتكاملة المتداخلة المتشابكة بحنوّ في روح واحدة،لذلك كان من المهم أن تكون فتحاويا...لأنك تعيش فلسطين.

كن كما أنت، فأنت بذا تكون فتحاويا، لأن حركة فتح بنت فلسطين وهي أم فلسطين، وهي شبه فلسطين بلا ألوان تجميل أو مساحيق، أوعلامات تجارية مستوردة سواء من عمق فاسد التاريخ، أو جحيم مستورد الأفكار.

        

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر