موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

بين الانحناءات والزوايا...دهران


بين الانحناءات والزوايا...دهران

 

 

كنا نلعبُ مع الفراشات... وفي رذاذ البحر، وحين تَراكض رمال الصحراء بين أصابعنا...في دهر جميل مضى

وكنا نعُدّ الغيمات... خمسة ...بل سبعة، بل هي خمسة عشر، ونلتقط منها الضحكات وخدود الحنين...وانحناءات القمر

عندما كنتَ تفتحُ باب بيتك لي... كانت الدنيا تتحوصل فيك، لتتجلى بين عيني وصدري... فلم احتج دنيا غيرها أبدا

لم يكن يعيبني أن أسألك، وأرجوك، وأشكوك... وأتسول من سُكّر أشواقك ما تلقيه عليّ...ولو رشّة واحدة

 أذكرك جليا... كما أذكر عيني،حين كنا نزرع الوردات ونسقي الحديقة، ونحصد نسائم، هي نسائم نابتة ما مرّ علينا أجمل منها...قط

أذكُرك والسماء صافية... وأنت تقذف لي بالكرة، وأذكرك حين غابت الشمس واستطال الليل، وشمسك عني لم تغِب

ورأيت وجهك مرارا في فنجان القهوة وحين أطعم العصافير وفي تباريح المساء..وحين تنتصب الجراح جدرانا عالية

أراك الآن... بعد عشرين عاما...كأنك مازلت تمد يديك ولا تنحسر، وتطربني بأنفاسك ولا تنأى... وأحلم بك بين يديك وحين يجنّ الليل

رغبت أن أبكي وأنوح وأضاحكك... واحتضنك وأصرخ....لقد كنتَ وعائي وميلاتي، زمني واندحاراتي

في ذاك الزمان الوضيء، جعلتُك في قلبي شجرة مثمرة، وفي عقلي عينا ثالثة وكنت في روحي كشّاف الضياء... وحدود دنيا الرضيع

فرقتنا الدنيا.... وما طار وما استقر، ومازال وما فني... وحدود الزمان والجغرافيا, وفرقتنا تصاريف الدهر

لكنك أمامي الآن!

أتراك تغيّرت أم تراني مّن وقف لوحده شريدا طريدا عند حدود ذاك الزمن... فلم أتغير؟

ليتني بقيت أناجي الغيمات وباب البحر وجدار الشمس عند عتبة عينيك...متسولا...هناك، انتظرك على الباب دهرا.... ولم اتزحزح

ليت الديار كانت، ومادالت.. ولم تنتقل وتختفي، ونضيعُ منها فيغيب وجهك ...دهرا

بعد عشرين عاما كاملة التقيتك ...فجأة

خلعتُ أنا... بخفةٍ رداء السنين وهمهمات النفس الثقيلة، وهطلَت دون إذن مني أمطار عيني... بغزارة

التقيتك هنا، بعد دهر شبع منّا...تمنيت حينها أن أداعبك كأنك هو ذاك، هو أنت... كما كنت.. تقبّلني حين ينحني القمر وتضحك الاسماك

أتراك تقبَلَني كما كنتَ آنذاك تفعل... وأنت اليوم...في بريق وصخب...هيهات هيهات

أتراني أجهر بالشوق واللوعة والحزن والبكاء والغضب والتسول، كما كنت أفعل في حال حضورك...حينذاك

أم انك أسلتَ كل ذاك المخزون العاشق في مجاري العشرين عاما...فلم تُبقِ منه... حتى قطرة

رأيتك، والشيب قد طغى ونمى وتجبّر... وبقيت عندي خالدا وضّاءً انتظر خروجك... كما كنت

كانت صدمتي للوهلة الأولى فقط ... سرعان ما تجاوزتها...وابتسمت متأملا...ثم ما لبثت أن خبوت

رغبت أن أبكي... وأنوح وأضاحكك واحتضنك وأصرخ....لكنك اليوم، هيهات

كنتَ اليوم تلبسُ قناع الجدية الجافة، وأخاديد اختلاف السنين، ورداء الوجاهة النافقة...رداء الزيف

رأيتُك، حيث غطى وجهك القناع ، وغطى معه كامل الجسد، والروح... فأنت لا تكاد تفقه قولي....أو حتى تعرفني

غابت من عينيك كل الانحناءات الجميلة.... وقامت الزوايا ترمقني بغلظة وحِدّة

أهذا أنت أم هو طيفك؟ أهذا أنت؟ أم تراني لا أرى... أأنت تغيرت أم أنا من عميت؟

يا ليتني لم أركب عجلة الزمان أبدا، ويا ليتني لم أُبحر في سفينة الفوضى وانتقال المكان

ويا ليت لحظاتي الأثيرة، القليلة الكثيرة... تلك معك قد طالت حتى قضيت... وما كنت منك لأرتوي

كان الود مني أصيلا، وأظنه مازال كذلك... وظننت أن الأبيض ودقات الزمان وربطة العنق، وزوايا عينيك الجديدة...لا تعني شيئا، فأنا كما أنا .....ولكنك لست أنت

توهمت، فأسقطتُ أحلامي وآمالي وتوقعاتي على شخص آخر ....تبدى أمامي يتحدث  من قعر بئر سحيق

شخص وضع "بينه وبينه" ستارة كثيفة ودهرا بسيف بتار، وبنى سدا منيعا، ... فما كان هو ذاك... وما كان ذاك بالأمس هو من أنظر إليه... للتو

زاغت منه العيون وثقلت فيه الشفاه، وارتبكت عنده عتبات الجسد... وتلقت الساعة في يده عشرات النظرات الطافية

آتراني مخطئا ...أم في المحيط نهارات جديدة، ونجمات لم أعدها... فعيوني لمرآك هذه الظهيرة تنكست أعلامها.... ولبست ثوب الحداد

 

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر