النضال الداخلي و شجاعة الصراع

27-12-2015

 

  النضال الداخلي و شجاعة الصراع

 

يعاني التنظيم السياسي أو المؤسسة من صراع دائم يكون في المؤسسات أو الجماعات ذات "الاتصالات الفاعلة" صراعا نحو بناء أو تكديس أو إبراز الانجازات وبالتنافس لخدمة الناس وأهداف التنظيم.

  يكون الصراع في التنظيم المتراجع والمخلخل والمنتكس محتدما حول الأحقية والواجب، والمفترض والواقع...الخ، وما يشوب ذلك من تكالب عنيف لامتلاك عناصر تأثير وقوة وامتيازات أكبر قد تخرج عن حدودها.

 يهمل كثير من الأشخاص في داخل هذا الجسم التنظيمي (أو في أي جماعة) أنه هو نفسه جزء من الصراع بأفكاره وأقواله وأعماله، فيرى بالآخر فقط صلب المشكلة أو في الإطار، أو في دلالة أو فائدة الأفعال، وعليه يصبح الصراع موجة اجتياحات للمتناقضات في داخل التنظيم، كما هو في ذات الإنسان منبع الصراع الحقيقي ومجال النصر والفوز فيها.

الصراع هو تدافع ذاتي إنساني سواء داخل النفس، أو مع المحيط، وأشد أنواع صراعاتنا مع أنفسنا، في ذاتنا مع أفكارنا وتوقعاتنا بناء على افتراضاتنا.

لمن الفضل، والرضا

عندما أنجز عملا-أي عمل- وتظهر نتائجه الإيجابية الواضحة، ما يحقق لي الرضا أو السعادة أو الامتنان، وأكون فرحا جدا فأتوقع من الآخرين أن يهنئوني أو يكافئوني أو يشكروني، أو ينسبوا الفضل لي على الأقل لا أن يهملوني أو ينسبوه لهم هم، وعندما أتحدث عن موضوع ما وليكن #غضبة_القدس أو (هبة القدس) وصيرورتها منذ استشهاد محمد أبوخضير (2/7/2014) ثم القائد زياد أبوعين كتواصل مقاومة أفترض أن ما أقوله الحقيقة، فكيف إن جاءني من يذكر أن تصدي لجان المقاومة، وصمود قرية قُصرة بنابلس، وصمود الخليل منذ أعوام وخاصة منذ بداية العام 2014 يمثل تراكم مع صمود المقدسيين ليصنع عوامل الغضبة أو الانتفاضة؟

هل أترك ما يُذكر من معلومة أو حقيقة وأفترض صحة ما أقول فقط؟ دون تغيير أو تعديل أو نقاش أو تقبُل، أو جدال؟

 كلّ منا قد يفترض أن الحقيقة أو الصحيح إلى جانبه، لذا يفترض أن يتفاعل الآخرون معه وفق قاعدة فهمه هو، هكذا يظن أو يأمل.

 قد يلقى القبول نعم، ولكن قد لا يجد الشخص المؤمن بفكرته ]المطلقة [ من الكثيرين إلا حالة من حالات الصدّ والرفض أو الدس... وهو حقيقة الصراع إذ كيف نظن بأنفسنا الحقيقة المكتملة كأنها القمر المنير ولا يكون هناك معارض لها؟ أو لا تكون حقيقة أصلا...وكيف نظن أن لا أعداء للحقيقة أيضا في الاتجاه الآخر.

 

أصل الصراع قوتان أو أكثر

 أصل الصراع قوتان (أو أكثر) متقابلتان -وكما قلنا- في الذات في النفس، وبين الناس، وفي المجتمعات، وفي الجماعة وفي التنظيم السياسي أو الاجتماعي، وعلى رأسه، السياسي وبين الكائنات وفي الطبيعة عامة.

 لذا كان "الجهاد" بمعانيه العديدة خوضا للصراع، بصبر وشجاعة ومحبة، وكشفا لمجاهل الذات (ألهمها فجورها وتقواها).

 إن الظن الذي يصل أحيانا في  كثير منا لحد اليقين بأن "كل" ما نقوله أو نفعله حقيقة أو صواب، قد يكون نابعا من ثقة ومن حرص،ربما، لكنه قد يكون كذلك في أجزاء  منه، ومن هنا قد لا يراه الآخرون كلّه أو جزء منه كما نراه نحن، أو قد لا يرونه كما نراه لأنه صادر مني ، وفي ذلك استمرارية "لأوالية" الصراع حيث قوتان أو أكثر متقابلتان تتبارزان، تتنافسان.

 

"تحاث" الصبر والتجاور

 "تحاث" الصبر والفهم وحسن التفاعل وشجاعة التفهّم والتقبّل والتحاور بل والتجاور للأفكار والتناصح والإقناع والعرض والكظم والحوار والاقتراب تصبح مطلوبة في أوالية الصراع وتحاثّ القيم (التحاث أكثر من الحث حيث كل قيمة إيجابية تحث على بناء قيمة أخرى إيجابية، فقيمة الصدق قد تطلق قيما كثيرة مثل قيمة الموضوعية وقيمة الموضوعية تستدعي قيمة حسن الإنصات والحوار والتقبل والشجاعة...).

عندما تحدثت في أحد الندوات عن أهمية الإدارة للموارد والأفكار من 1-أموال و2-ناس، و3-وقت، و4-أفكار، و5-أعمال داخل التنظيم السياسي (وفي أي جماعة) ما يجب حُسن استخدامه ضمن آليات علمية إدارية، قام الأخ أحمد وتصدى بقوة معتبرا أن "الوقت" ليس موردا أبدا، فرد عليه خالد قائلا: وهل الموارد دائمة أم أنها تنفد؟ قال أحمد المعترض : بل هي تنفد، فقال خالد: إذن فالوقت مورد، فما أسرع نفاده، أكثر من قوة الأشخاص والمال! فكل ما تمتلك ينفد، وقد يتناقص فينفد أو يزيد وعليه نستطيع أن نعرفه كمورد.

 وثار جدل كان فيها للصبر والاستماع والاحترام والتقبل في محاولة جميلة من الأخين ليصلا معا -واكرر معا- لمفهوم يتشاركانه ومع الحضور ما أدى بالنهاية لنتيجة عبرت عن ذاتها بشجاعة التقبل والتفهم والتغيير.

لماذا كل ذلك؟ إنه قاعدة "التحاث" التي تبرز فينا لتحقيق راحة ذاتية ورضا واستقرار، ولتثبيت الإيمان الذاتي وبالفكرة، وجدوى العمل من جهة، ومن جهة أخرى تحث على "التفهم" بمعنى البحث في المشتركات والتقاطعات والجوامع والقواسم ما يعني "تنازل" عن قسم مما نؤمن به، أو تقبله بعد فهمه ربما بشكل جديد، أو بمشاركته.

 

المصالح تلوث العذوبة

لو افترضنا أن الأخ أحمد أصر على رفض موقف المحاضر في الندوة وهو أنا وبشراسة، أو أصر على رفض موقف خالد المخالف لرأيه، جملة وتفصيلا، فماذا يمكن أن نقول في هذا الوضع؟ إنه وضع صعب جدا لا شك.

 إن اقترضنا أننا كمجموع (داخل اجتماع لمؤسسة أو تنظيم سياسي، أو في ندوة..) نتخذ موقفا موحدا وصحيحا؟ نحن نراه هكذا أي موحدا وصحيحا، قد يكون هو الموقف الصائب، ولكن قد يصيب أحمد المختلف معنا بالرأي (داخل الاجتماع أو الندوة...) في جزء مما قاله أيضا وقد يكون مخطيء، ولكن إن أصر أحمد (كنموذج) أنه لا يخطيء أبدا –مثلا- بالقول، أو بالممارسة فقد يقفز سؤالنا عن العقل المغلق أو الموقف المسبق أوالمصلحة هنا بقوة ليجعل من تساؤلنا عن السبب وراء ذلك منطقيا.

 نعم هناك مصالح لديّ أنا أو لدى الآخرين قد تطغى كثيرا على عفوية أوعذوبة أو مصداقية أو دقة الفكرة أو الموقف أو الفعل، ولكننا لا نتمكن أبدا من عزلها فهي من العوامل الكثيرة المتحكمة بالضرورة في نشاط العقل واتخاذ القرارات وبتحديد المواقف من الآراء والأفعال والنظر إلى الأشخاص.

عود على بدء فإن الحوار الذاتي عملية متواصلة لا تنتهي، يداعب فيها الضمير الوعي بالدين والواقع والقوانين والمواقف،،، حيث أخوض مع ذاتي يوميا مثل هذا الحوار الضروري والجاد، والذي قد يصل في مداه للتفكير في "جدوى" الأشياء أو الانتماءات أو المواقف بل قد يصل "التفكير الحدي الأقصى" للتفكير في الايمانيات والقطعيات.

 

"تحاث" التنقيب وتطوير فهم الصراع

 

وفي ذات آليات التفكير، والبحث والتشكك لا بأس أن يكون ذلك، ولكن يجب حثّ الذات على البحث والتنقيب والدرس والتأمل وحسن النظر في آلاء الله وفي الآخرين، فلربما نجد حتى ب"الأشرار" منهم فيهم بصيص أمل أو سطعات نور، أو نلتمس لهم الأعذار لارتباطات ومصالح وتحالفات وتقاطعات صحيحة أو غير صحيحة، ولكنها تصب في آلية فهمنا نحن لذواتنا، وإحسان فهمنا للآخرين ومحركهم الذاتي.

ألم يكن من الأجدر فينا كلنا وبالأخوين أحمد وخالد المختلفين بالرأي في مثالنا أن يوطّنا النفس دوما على آليات تحاث التنقيب، وعلى صعوبة توطين النفس على التفكر والتقبل، بأن تحيل الأمر لذاتك أولا، وتبدأ من هناك.

لدينا واجب ذاتي بحثّ الذات على تطوير فهمنا لذاتنا وللصراع=الجهاد=النضال وضرورته وكيفية استثماره إيجابا في رسم شكل الذات القادمة، أي كيف أريد أن أكون.

 

(المساحة) المشتركة فيزيائيا

نعم إن للسنوات وعمليات الدرس والنظر والتبيّن والتأمل والتفكر أثر كبير على التثبت واليقين، ونعم لها أثر كبير على تقبل الآخر (وربما بأشكال سلبية مثل تجنب أو إدارة الظهر أو اختيار مساحة بعيدة..) بعجره وبجره، فماذا يمكن أن نفعل معه ما دمنا في نفس المنطقة أو المحيط أو المساحة المشتركة أو الإطار (نفس البيت، المدرسة، الشركة، المؤسسة، التنظيم، المجتمع..)

لا يستطيع الطالب في جامعته من أن ينفصل عن مساحته ومحيطه الجامعي المنخرط فيه، كما قد يكون مهووسا بمحيطه القروي الفئوي، أو بانتمائه الحزبي الضيق، وتصبح هذه المساحات بدلا من أن تكون عامل نضال وجهاد مع الأشقاء عامل "تغاضب" داخل الشخصية السلبية التي تستل من كل الفضاءات هذه ما يعينها على تخطي الآخرين لا الاقتراب منهم.

 وفي هذا المعطى قد نبتئس وننقلب ونتراجع ونترك، نترك المساحة المشتركة فيزيائيا (قد تظل المساحة المشتركة مع الآخرين عقليا تحكمنا) ومثل هذا الترك والتخلي هو فعل المتطهرين المثاليين، وقد ننساق وننجر وننتهز(من الانتهازية السياسية) ونتساوق ونهتبل الفرص مع الأنذال-من نراهم كذلك- ولكن في المقابل الإيجابي قد نتفهم ونعي ونخوض الصراع ونجاهد ونتعب ونرتقى بذواتنا، ونحن نرى الآخرين بمصالحهم وانتهازيتهم يتراكبون ويذوون، وليكن.

 

"الحرث" و"التحاث" و"الجهاد الكبير"

يجب ألا ينصرف تفكيرنا وفعلنا أبدا عن "التحاث" وعن "الحرث" في حقل الذات أولا، كما يقول علي شريعتي، بل علينا أن نجاهد به "جهادا كبيراً" (في الآية الكريمة الجهاد الكبير هو الجهاد بالحق والقرآن والكلمة) وفي هذا فإن تحقيق النصر يتمثل بمدى تحقيق انعكاس الذات على الآخرين أو في الآخرين، انعكاس تجربة الذات الايجابية بنقلها للآخرين، فانتصار الذات إن استطعنا نقله قد يكون مدويا في نفس الآخرين شاءوا أم أبوا، أحسوه واضحا أم لم يدركوه.

 

 

 

النضال الخارجي

"الجهاد الداخلي" والنضال في الصراع المقصود هو: في ذاتي، أنا حيث حقل الحرث وفيّ أنا حيث مكان التفكّر، وأنا من يمثل مساحة التغيير، في كليّة نفسي ومجامع فكري، وما ينتج عنه عديد التصرفات والسلوكيات.

في المعطى المثمر والايجابي والمنير في نفسي وذاتي إن لم يظهر أثره في نضالي وصراعي وجهادي وكفاحي الإيجابي النتيجة، أي في كفاحي "الداخلي" أن لم يصبح خارجيا مضيئا في  داخل سواي، أي بشكل "نضال خارجي" وهو النضال الذي أبذله لينعكس بعملية انتقال أقوم بها وأسقطها وأنقلها في ذات الآخرين أي خارج ذاتي ، فقد يظل هذا الجهاد "الذاتي" الهام  الذي أقوم به ذو تأثر فردي عليّ أنا فقط، وقد يصبح منكفئا ويقود للمثالية.

 أنا أريد أن أصفع الروح الغرورة المتكبرة الانتهازية في ذاتي قبل الجميع، وفي الآخرين لاحقا، وأنقل نضالي الداخلي بخارجيته كتجربة مشمسة للآخر في ذاته وداخل الجماعة،وعلى صعوبة ذلك مع عديد الشخصيات إلا أن نجاحي هنا إن استطعت نجاح شجاع ومضاعف ومأجور.

 

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر