موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

القلم ومفاتيح الانشراح


القلم ومفاتيح الانشراح

هل انخرطت يوما في حالة بكاء شديد؟ ولكنك شعرت بعدها وربما بعد مدة إن ما حصل قد مرّ مرورا سريعا ، وشعرت بعد هذه الحالة... براحة شديدة ؟
وهل شعرت يوما أنك بحاجة لتلطم رأسك بالحائط غيظا... فدرت حول ذاتك لا تلوي على شيء، .....صرخت حتى تجمّع عليك كل من في المكان؟ أو من هم خارجه؟
وهل رغبت يوما أن تلكم أحدهم في وجهه أو بطنه أو رجليه حتى يسقط على الأرض؟ وهل رغبت يوما أن تصحو صباحا فلا تجد أحدهم، وكأنه اختفى من حياتك بالانتقال نحو البعيد أو الموت ؟
هل فكرت يوما أنك تعيش بلا هدف... أو بلا وسيلة فاعلة قادرة أن تحقق لك هدفك؟ وهل فكرت يوما أن كم التوتر أو الإرهاق أو الحزن أو القلق أو القرف أو .... قد أوصلك لطريق مسدود، وحالة بائسة تتمنى فيها لو أنك تتبخّر أو تدفن حيا أو لا ترى الشمس ثانية ؟
إن مثل هذه التهيؤات أو التخيلات أو الأفكار السوداوية كثيرا ما تصيب الناس في حالات الضيق والحزن والفشل والضجر، وكثيرا ما يتم التعبير عنها بشكل سلبي أو انسحابي أو هجومي أو ببساطة بشكل خاطئ (رغم نسبية مفهوم الخطأ)، ولكن الحل في هذه الحالة يوجد هناك في ذاتك وفي نفسك وفي جيبك ...
نعم أنه مفتاح في جيبك، جيب ذاتك، لربما أهملته، أو لم تدرك أنك بحاجة لاستخدامه للخروج من حالة (التوتر) إلى حالة (الاستقرار) و(الانشراح)، من حالة (السواد) إلى ضياء (الشمس)، ومن حالة (الانسداد) إلى حالة (الفرج) الفسيح.
إن المفاتيح – هي كذلك بالنسبة لي وليست مفتاحا واحدا – موجودة لدى كل منا يستطيع استخدامها -أو أي منها- ليطلّ من فتحة في جدار التوتر والسواد والانسداد الأصم إلى فضاء الفرج الواسع الذي تشرق عليه الشمس فتزيل العفونة والروائح العطنة التي لربما علقت بأهدابه ، وبالنسبة لي كانت المفاتيح واضحة..... في الكتاب والقلم والشريط.
مفتاحي الثالث للانشراح هو المفتاح الذي مازال يجلب لي كامل المتعة، والأنس...وأبش لسماع صريره، وأشعر بالرضا عندما يقوم بعمله الدؤوب، الجميل والجليل في (الخلق) والإنشاء وفي (الرسم) والإثراء ....
عندما تبرز من فمه الكلمات حرفا حرفا ، ثم جملا متكاملة، قد تتالى في كثير أحيان لتظهر كأنها طلقات رشاش، أو رذاذ غيمة حالمة انهمرت فجأة، فلا أجد لانهماراتها الوعاء المناسب إلا بشق النفس ... أن مفتاحي الثالث هو القلم الذي لم تستطع لوحة المفاتيح للحاسوب الشخصي، أو تقنية اللمس على الحاسوب اللوحي أن تحجزه عنى، وتبعده عن مكامن سعادتي وأنسي ... إنه القلم الذي به ومن خلاله أفرغ الكثير من أفكاري وتأملاتي وأحلامي ومكنون نفسي وخلجات صدري ... والكثير مما لا أطيق صبرا بكتمانه ، فأجد من القلم ...للحقيقة أيضا من الورق خير رفيق يكلمني و أكلمه، فيبوح لي بما يريد.
القلم والورق ويدي اليسرى ومجامع فكري مرتبطون معا... ينزفون بشلال لا يهدأ في كثير من الأوقات ... إن مفتاحي الثالث نحو الرضا والتجلي والفرج والانشراح يتجلى من خلال هذا الرصاص القاتم ورفقائه.
إما المفتاح الثاني الذي أتحمل به الأعباء من خلال الانتقال بواسطته من عالم المحسوس والملموس إلى العالم الأوسع إنه عالم الخيال والفرضيات والإبداعات ، عالم الأحلام والمُتأِمل به ، إنه المفتاح الذي يصعد بي لآفاق لم أصلها إلا عبر هذه الوسيلة أو عبر هذه المركبة الفضائية.
إن سنوات من العمر قضيتها أركب وانتقل بين العوالم.... في اليوم لمدة ساعة أو ثلاث ساعات وربما أكثر أكون إما أقرأ كتابا مشهديّا يثير الكوامن وشريط الذكريات والأفكار النابضة، أو أشاهد فيها في عين خيالي ما لا أدركه بحواسي المادية.
قد أصعد إلى عالم الخيال المنتج عبر وسيلة ناجحة هي حينا متعة الإبحار داخل قصة أو رواية أو عصف فكري في كتاب، وأحيانا هي أحلام اليقظة الواردة على ذهني قسرا أو استدعاء، وهي أحيانا حوارات مع شجرة أو زهرة أو حجر أو غيمة، وقد تكون تأويلات سحرية لبسمة أو نظرة أو لمسة أو حركة أو هفوة أريد لها أن تكون بردا وسلاما عليّ وعليها ، وهي أحيانا تظهر في حالة الاندغام أثناء مشاهدة شريط سيميائي (فلم) يدمج الواقع بالحركة أو الواقع بالخيال ما يجعل من معدل خصوبة الأفكار عالية، أو يجعل من توالد الافكار الإبداعية متاحا أو يحقق ابتعادا وراحة، أو رضا وحُبور.
هل انخرطت يوما في حالة بكاء شديد لأنك ظُلمت كثيرا؟ كما تعتقد، أو لأنك فقدت عزيزا؟ فقدته بالموت أو بالإعراض... أو قد تكون بكيت لأنك لا تدري ماذا تفعل والأمور أمامك صعبة جدا كما تبدو لك؟ وأنت لا تطيق انتظارا؟ أو لأن الوضع لا يسمح لك بذلك؟.... لكنك بعد فترة أو لمجرد البكاء لدقائق نزفت السواد وتخلصت من المكتوم، و شعرت إن ما حصل قد مر مرورا سريعا أو سيمر ، أو أنه بطريقه للخروج من مربع الظلمة فيك ، وشعرت بعد هذه الحالة براحة شديدة ؟ هل حصل معك مثل ذلك او ما يشبهه؟
هل شعرت يوما أنك بحاجة لتضرب أحدهم أو لتلطم رأسك بالحائط غيظا... فصرخت حتى تجمّع عليك كل من في المكان؟ أو من هم خارج الزمان (ذهنيا) ومن هم خارج المكان جغرافيا؟ لأن شخص ما تعدى عليك ولم تجبه بطريقته، أو تكاسلت أو تعاليت، أو كنت ترغب ولم تفعل فامتزت غيظا لذلك؟ ولكنك كظمت!
هل شعرت بحجم العقبات الكبيرة أمامك وأنك بحاجة لمساعدة لم تأتك أبدا؟ حتى بكلمة أو لمسة أوبسمة؟
عندما قالوا "الصبر مفتاح الفرج" قالوه اقتباسا لنفحات القرآن الكريم عن الايمان والصبر والتأمل والتفكر، إذ يقول الله جل وعلى(وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) (الفرقان 20) بما يعني (سُنّتنا في خلقنا نبتلي بعضهم ببعض)* ما كان هو يمثل صبرا على الضيق والحزن والانتظار والفقد والفتنة والظلم والشعور بالعجز حصرا، ولكنه كان في كثير أوقات صبرا على المأمول والسعيد والبهي وحسن استخدام القوة والمكانة والرغبة والحاجة...
قال الله تعالي في الصبر الكثير من المعاني والآيات، ولم يكن ذلك إلا تحقيقا للدعاء الرائع المروِي عن سيد الخلق (اللّهم ما رزقتني مما أحب، فاجعله قوة لي فيما تحب اللّهم) وللحديث الجميل (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كلّه خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سرّاء شكر ، وإن أصابته ضرّاء صبر ، فكان خيرا له).
يقول الإمام القرطبي عن آية الفتنة (الفتنة بمعنى المحنة والبلاء) والصبر "الغنى ممتحن بالفقير عليه أن يواسيه، ولا يسخر منه، والفقير ممتحن بالغنى عليه أن لا يحسده ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق، كما قال الضحاك في معنى: "{أَتَصْبِرُونَ} أي: على الحق" [1]
يضيف الكاتب خالد النجار على ما سبق للقرطبي بالقول "نلاحظ في مثل هذه المسائل أن الناس لا تنظر إلا إلى زاوية واحدة: أن هذا غنيٌّ وهذا فقير، لكنهم لو أخذوا في المفاضلة بكل جوانب النفس الإنسانية لوجدوا أن في كل إنسان موهبةً خَصّه الله بها، فكلٌّ مِنّا عنده مَيْزةٌ ليست عند أخيه؛ ذلك ليتكاتف الناس ويتكامل الخَلْق؛ لأن العالم لو كان نسخة واحدة مكررة ما احتاجَ أحدٌ لأحد، وما سأل أحد عن أحد، أمّا حين تتعدد المواهب فيكون عندك ما ليس عندي، فيترابط المجتمع ترابط الحاجة لا ترابط التفضل."
كان المفتاح الأول عندي في حالات السرور وحالات الضيق سواء بسواء بين دفتي الكتاب الذي يتضمن اللانهائي من المعاني التي منها قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر) (البقرة 153) وقوله تعالى: (استعينوا بالصبر والصلاة ، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) (البقرة 45)، (فاصبر إن العاقبة للمتقين) (هود 49)، (واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) (هود 115)، (واصبر وما صبرك إلا بالله) ( النحل 115)، لتصل بكل ذلك الى "الفوز" وفق ما يقرره الله جلّ وعلى (إني جزيتهم اليوم بما صبروا، إنهم هم الفائزون) (المؤمنون 111)، ومن هنا كان مفتاحي الأول يتجلى في الكتاب أي في أروقة القرآن الكريم، في قوة الإيمان وحُسن الصلة بالله سبحانه، (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ)(الشرح7-8)، وفي السعادة معه وبه، لأنه (إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب) (الزمر 10).
في مثل ذلك قال الشاعر:
سيفتحُ الله باباً كنت تحسبهُ/ من شدة اليأس لم يُخلق بمفتاحِ
وقال صالح الدمشقي[2] لأبنه: يا بني، إذا مرَّ بك يوم وليلة قد سلم فيهما دينك، وجسمك، ومالك، وعيالك فأكثِر الشكر للَّه تعالى، فكم من مسلوب دينه، ومنزوع مُلكه، ومهتوك ستره، ومقصوم ظهره في ذلك اليوم، وأنت في عافية.
وقال ابن عساكر: لو أنني أعطيت سؤلي لما ... سالتُ إلا العفوَ والعافية
فكم فتىّ قد باتّ في نعمةٍ ... فسلَّ منها الليلة الثاني
هل لك مثل القلم أداة أخرى؟ وهل لك سوى الخيال والتأمل أسلوب آخر؟ وهل لديك من الكلمة والقراءة والكتاب ملجأ تلجأ إليه؟ ...أم هل لك مفاتيح جديدة أخرى تستخدمها بإرادتك حين تشاء فتنطلق وتخرج فترى النور بعد أن خيم الظلام فيك حتى كاد يهدم الأبواب ويغلق مفتاح الضياء؟
لكل امرئ منا مفاتيحه التي يغفل عنها أحيانا كثيرة، فينجرف إلى غرفة السواد والحزن العميق واللايقين، ويحصر ذاته في مربع السلبية المفجعة، وربما لو تحسس جيبه الخلفي لأطمئن... بمجرد أن يتلمس أحد المفاتيح، فما بالك عندما يستخدمها.... لينفتح الباب على فضاء فسيح؟

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر