مقاومة فيروس (الفيسبوك)!

01-03-2016
 مقاومة فيروس (الفيسبوك)!

 

          الكثير من الناس ينفعلون فيتعاطفون أو يستاؤون ، يحبّون ويكرهون ، يقبلون أويرفضون استنادا لخبر ورد على وسيلة ما من وسائل التواصل الاجتماعي بحيث أن (مواقفهم) عبر منشوراتهم وتغريداتهم أصبحت تستند لما هو ليس (معلومة) موثقة، ولما ليس خاضع للوعي والتأمل والتفكر والنظر بقدر ما هو خاضع لردة الفعل اللحظية أو الانفعال الوقتي.

حجب الحسابات وتوتر العلاقات

        الحالة الأخرى تجدها ماثلة أمامك في عملية توتر العلاقات الشخصية أو العائلية وأحيانا السياسية بين الاشخاص استنادا لموقف (صديق) من حدث أو رأي أو موضوع  نشر على الوسيلة الاتصالية الاجتماعية على الشابكة فترى حالة الانزعاج الشديد التي تصل لحد القطيعة وإغلاق الحسابات أو حجبها.

        أما الحالة الثالثة التي نراها بوضوح فهي مما حدثني عنه صديقي الأستاذ الجامعي الذي لم يستطع أن يمنع طلبته من التعامل مع رسائلهم ضمن مجموعاتهم على (واتس اب)، أو الرد بتعليقات على منشورات أصدقائهم على (الفيسبوك) أثناء المحاضرة ، وفي حالة أخرى كانوا يخرجون من الفصل للرد على مكالمة أو لإرسال رسالة طويلة ولا يعودون.

        لنأخذ حالة رابعة شكا لي منها زميل حيث تبدأ يومك بفتح الوسائل المختلفة مثل تطبيقات (واتس أب) و(فيسبوك) أو (توتير) أو (فايبر) و(سكايب) وغيرها وتلاحقك من خلال هذه الرسائل وعبر (السناب شات) و(يوتيوب) وغيره عشرات أو مئات الرسائل ليست اليومية بل اللحظية، بحيث أنك لا تستطيع أن تخرج من الشرنقة التي وضعت نفسك بها حيث أقنعت نفسك أنك بذلك تتواصل و (تتعرف على أخبار العالم) وأنك تطّلع على (آخر الأخبار) وأنك تتابع (أخبار الناس) كل الناس ما يجعل تعلقك بالبعيد (انفصال) عما يحيط بك.

 

 

 

ضجيج الجوالات والإشعارات

        في الحالة الخامسة تجلس العائلة، أو الأصدقاء (أو في الاجتماع الرسمي لمؤسسة او منظمة مما لاحظته عيانا...) ولو في لقاء بعد سنوات، بعد القُبَل والتحيات "الحارة" تبدأ الأجهزة بالضجيج، وتبدا العيون زائغة... حيث يظهرالاتصال بين المجتمعين كجزر معزولة متجاورة ، فلا يأبه أحد بكلام أحد لأنه مشغول بالرد على آخر قد يبعد آلاف الكيلومترات صوتيا أو ضمن رسالة، أو يطلع على أخبار الزلازل في اليابان والفيضان في الصين والأعاصير في أمريكا، والحروب في منطقتنا العربية دون أدنى ضرورة، فليس أي منا عالم جيولوجيا ولا سياسي يتبوأ موقعا في دولته كما لسنا خبراء زلازل ... باختصار فنحن نتابع مالا يضرنا ربما، ولكنه مما لا يفيدنا ويقتل وقتنا....وعلى الأقل في لحظة اللقاء أو الاجتماع المنعقد ... ولكننا رغم ذلك ننغمس حتى الأذنين منصاعين لنداءات وإشعارات الجهاز الذي يقتل فينا مجموعة كبيرة من القيم الانسانية بإرادتنا نحن ... بكل بساطة بدلا من أن تتحول الأداة لخدمتنا نصبح نحن خدما لها ... أمينين على الانصياع لها.

ماذا فعلت أنا؟

        كل ما سبق هو مجرد مقدمة توضيحية لأنقلكم لتجربة مررت بها مع وسائل التواصل الاجتماعي واجتزتها منذ سنوات ثلاث وفق آلية اتبعتها، ولغيري أن يتبع ما يناسبه، أظنها أفلحت:

-      قمت بإغلاق الهاتف كليا بعد الساعة الثامنة مساءا حتى الصباح، ويوم الجمعة مغلق طوال اليوم.

-      أغلقت اشتراكي بعدد من مجموعات (واتس أب) ذات النداءات المتكررة اليومية واللحظية. وأغلقت كل المجموعات تقريبا على (الفيسبوك).

-      حددت وقتا لا يزيد عن ساعة في الصباح لوسيلة التواصل الاجتماعي ومثلها في المساء.

-      أصبح الدخول للوسيلة أو التطبيق مسبَّبا ومبرّرا ومحددا بوقت، وملتزما بآداب الحديث والحوار ومبرزا ما أهدف لتحقيقه.

-      اغلق الهاتف بشكل كلي في أي لقاء عائلي أو اجتماعي أو ندوة أو مؤتمر، أو حتى حين أريد أن أخلو لذاتي.

-      أصبحت وسيلة تواصلي الرزينة مع المهميّن من خلال البريد الالكتروني، وإطلاعي على ما أشاء وقت ما أشاء من المواقع الالكترونية في الشابكة.

-      أعطيت مساحات جديدة من الوقت الثالث (وقت الفراغ) للقراءة (3-5 كتب شهريا) وللكتابة (مجالي العملي) وللتأمل والتفكر.

-      أصبح للنباتات والحجارة والكائنات والمباني والطبيعة عامة مساحة محترمة في حياتي، كما للشرائط (الأفلام) التي تستثير الخيال والفكر، كما للأمور البدنية والروحية والعقلية من تفكر وتأمل وتروي.

 

       نعيد تلخيص مظاهر حالة الإدمان (والأسر) على وسائل التواصل الاجتماعي التي أصابت لوثتها أو فيروسها الفتاك قطاعا كبيرا من الناس الى الدرجة التي أصبح فيها هذا الفضاء مساحة للتنفيس وتضخيم الأنا وتقديم النصائح للآخرين وكأننا تحولنا جميعا بقدرة قادر الى فلاسفة وحكماء وقادة وسياسيين عظام، والى الدرجة التي أصبحت فيها أخبار المرض ومباركة الزواج وواجب العزاء يتم على الشابكة (الانترنت) بلا مشاعر حقيقية أبدا عبر وسيلة التواصل الاجتماعي ، والى الدرجة التي تجمدت فيها المشاعر الحقيقية عند رؤية مقطع مرئي (فيديو كليب، يوتيوب) بشع فيمر في دمائنا مرور الكرام، بل ونتناقله نحن دون أدنى إحساس بالبشاعة والسخط والضرر الى غير ذلك من الأحاسيس المفقودة.

"مشاعر افتراضية" طردت الحقيقية

      فعلت أنا ما فعلت ما لا ألزم به أحدا، ولكنني أدعو من يرغب معي للتأمل والتفكر والتبيّن طويلا فالمظهر الأول الواضح مما سلف توضيحه هو أن مشاعرنا من حُب وكراهية واستياء وغضب أو اشمئزاز وقرف أو قبول يقابله رفض وغيرها فقدت معناها لأنها أصبحت  "مشاعر افتراضية" الكترونية آنية ، منفلتة ومتغيرة وبالتالي غير مستقرة ومرتبطة بما هو بعيد عن حقيقة التفاعل الانساني المباشر الذي يولد المشاعر على حقيقتها.

        والمظهر الثاني أن هذه المشاعر والعواطف "الافتراضية" وردود الفعل أصبحت تطرد آليات التفكر والتأمل الذي ألزمنا بها الله تعالى، فيسقط الوعي كليا مفسحا المجال امام اللاوعي ليتحكم، ومتيحا الفرصة للمشاعر الالكترونية العرضية لأن تتحكم أيضا، فتصبح مواقفنا سواء الشخصية أو الحياتية أو الاقتصادية أو السياسية مستندة لذلك.

        وفي المظهر الثالث من الادمان هو بروز حالة (الأسر) أو (المعتقل) الذي يمتلك وقتنا وهو المعتقل الذي وقعنا به بحيث أننا لا نستطيع أن نحدد وقتا لهذا ووقتا لذلك من أمور تنظم شأن حياتنا.

وقت الصلاة-على سبيل المثال- تـأهُّب عبر الوضوء ثم النية للصلاة يعقبه التوجه الكلي وحصول انقطاع عن المُعاش مكانيا ونفسيا وشعوريا بحيث يتم تحقيق الوصل بين الذات و الله سبحانه وتعالى. بمعنى أن حالة الانقطاع والفصل أو الانفصال عن المحيط  حولي شرط لازم لتحقق الوصل مع الله ، وكذلك الأمر في أمور الحياة الأخرى، وأن بنسب أقل أو بأشكال مختلفة من آلية (التأهب ثم القطع ثم الوصل فالتركيز وصولا للذروة).

        في هذا المظهر سحقتنا الآلة التي لا تفارق يدنا اليمنى وربما اليسرى أو جيبنا بقدرتها على الاتصال الاحتكاكي الدائم بنا، وحبستنا في نطاق اشعاراتها ووسومها دون أن تتيح لنا أن نحدد نحن وقتنا مع أنفسنا ، مع عائلاتنا ، مع أصدقائنا، مع اجتماعاتنا .... مع قراءاتنا، وتطويرنا لذاتنا، وبشكل أساسي في تحقيق تراكمات البناء الذاتي عبر مستويات متصلة من التأمل والتدبر والتبيّن والتفكّر تلك التي تصنع من عجينة الفرد الانسان العاقل.

النهم الاستهلاكي باليد

        أما في المظهر الرابع فأصبحنا نفكر (بشغف الاتساع) دون وعي بالتعامل مع التطبيقات التي نحتاجها أو لا نحتاجها، وبالاستجابة لها، إنه (النهم) لكل ما هو جديد، ولتجربة ما لا يفيد، ولكنه قد يكون ممتعا بالبداية، وقد يضر بالعقل والوقت والاتصالات "العلاقات"، وكأن النمط الاستهلاكي فينا قد استيقظ فجأة على امكانيات نعبئها بلمسة أصبع،  وأصبحنا نفكر (بالارتباط بالبعيد) عبر الوارد من خلال وسائل التواصل الاجتماعي الالكترونية وبتحقيق (الاستجابات اللحظية) الاستجابات "الافتراضية"  دون تأني وتبصر إذ لا وقت لذلك والجهاز يزعق ، وكأن الارتباط بما هو (افتراضي) أولى كثيرا مما هو واقعي معاش يجعلني منفصل وأنا أمشي وآكل وأنا أعمل وأحدث أسرتي فلا أحس بطعم الأكل ولا أجد للاتصال الانساني هيبة أو اهتماما، ولا أقدم نفسي إلا وأصبعي على (زناد) الهاتف النقال الذي أتشبث به كمسدس يقيني من المحيطين بي.

        في المظهر الخامس بعد سقوط الوعي والإحساس تحت أقدام العواطف اللحظية، وبعد أن اعتقلنا أنفسنا ووضع كل منا ذاته في جزيرة معزولة، وبعد أن بعنا وقتنا لغيرنا ، وبعد أن سبحنا في الفضاء فلم نعرف كيف نهبط أو استمتعنا بذلك الطيران ولا نريد أن نهبط، بعد كل ذلك اكتشفنا سقوط المشاعر الانسانية التفاعلية الحقيقية أو تشكلت بدلا عنها (طبقة) مشاعر افتراضية هي مزيفة تماما كمساحيق التجميل على الوجه، واكتشفنا أننا وضعنا مفاتيح ما منحنا الله إياه في أيدي آله/وسيلة/تطبيق تحكمت بالأحاسيس وبالوقت وبالذات فلم نعد نجد (متعة) في بناء العلاقات الانسانية المباشرة ولم نعد نجد حقلا لنفلحه في ذاتنا التي تحولت الى صحراء قاحلة، لأننا جففنا بأيدينا ينابيع التفكير والتأمل التي لا تأتي إلا بإعمال (بتشغيل) العقل يوميا وبلا انقطاع.

والآن،ماذا؟

        هل نكون بأيدينا قد فقدنا مجموعة أصيلة من القيم الى جانب آليات الانتباه للذات والمحيط، آليات التفكر المختلفة، وآليات حُسن استثمار الوقت والتركيز؟ هل فقدنا شيئا وفيرا من روحنا؟ هل نكون قد فقدنا تحت سيل إشعارات الآلة الملحاحة والتي نستجيب لها كما تريد هي نكون فقدنا قيم الصبر وقيم التأني والتحقق والتدقيق وانعدام الشعور بأهمية الوقت وتنظيمه، وأهمية أن نعيش اللحظة ونحلم بالقادم ونعمل له؟

 هل نفقد تدريجيا حس العواطف النبيلة ونبيعها بثمن بخس أو نقايضها بتلك المشاعر اللحظية "الافتراضية"؟ وبالنهم والاستهلاكي؟ أم نعود لنركز في ذاتي أنا وعقلي وحواسي الحقيقية، ونركز في وقتي أنا وروحي وقدوتي وكتابي وخياراتي أنا، وحقلي ووجوب رعايته وزرعه وسقايته بالتأمل والتفكير والقطع والوصل؟

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر