موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

بكائية جامعة بيرزيت (2/2)


 بكائية جامعة بيرزيت (2/2)

 

تحدثنا في الجزء الاول عن بريق جامعة بيرزيت وانتخاباتها للسبب الحقيقي البارز أنها قريبة من موقع القيادة في رام الله، فهي لم تعد –وحدها- تعبر عن (مزاج) الطلبة عامة، والجماهير في كل فلسطين لتناقض هذه الفكرة التي تتحول كأنها حقيقة لدى الكثيرين مع واقع الانتشار الطلابي في 14 جامعة وعديد المعاهد من جهة، ولتناقضها مع المنهج العلمي للقياس التي تتخذها مراكز الاستطلاع أساسا لها، ونستكمل اليوم عن حقيقة البريق.

  في معنى الاستغلال أو الاستثمار السياسي تقوم التنظيمات عامة باستغلال نتائج الجامعات الايجابية لمصلحتها بالدلالة على صحة المنهج والبرنامج والسبيل والأداء والمواقف، كما تفعل "حماس" أو"المبادرة" أو "الشعبية"، واليكم بعض التصريحات من انتخابات جامعة بيرزيت الأخيرة منذ أيام  حيث صرح ممثل طلبة "حماس" بعد حصول كتلته على 25 مقعدا وطلبة فتح على 21 مقعدا أي أن النتائج متقاربة، قائلا أن (جميع الطلاب في بيرزيت منحوا صوتهم للمقاومة ولكتلة الوفاء) لاحظ المبالغة في كلمة جميع، وأضاف على فضائية حماس 27/4/2016 قائلا (الكتلة الإسلامية هي كتلة ربانية اعتاد أبنائها على التقديم)، ولاحظ المنطق الديني الحصري الاستبدادي، وقال القيادي في حماس محمد فرج الغول في ذات الفضائية (هذا الفوز يدلل على أن الشعب الفلسطيني والشريحة الطلابية داعمة للمقاومة ومع المقاومة) في ربط مسف بين طلبة بيرزيت التابعين لحماس وبين كل الطلبة في الجامعة والجامعات الاخرى (رغم أنهم خسروا في 5 جامعات قبل بيرزيت ، حيث فازت حركة فتح في جامعات القدس ابو ديس، القدس المفتوحة، البوليتكنيك، بيت لحم، الخضوري) وربط غير علمي مع مزاج الجماهير، وبافتراض اسقاطي أن فصيله هو الممثل الحصري الوحيد للمقاومة في مجموعة رسائل كان ينقصها الصفة الربانية التي لم يغفلها ممثل الطلاب فأتى على ذكرها بوضوح.

يقول جورج جقمان حول التوظيف السياسي للنتائج الطلابية في مقاله عام 2015: (أن نتائج هذه الإنتخابات-الطلابية- لا تمثل بالضرورة رأي وموقف الجمهور العام. لكن الأمر الحاصل هو أن السياسيين باختلاف توجهاتهم في الحالة الفلسطينية وحالات أخرى، إضافة إلى وسائل الإعلام باختلاف أنواعها، تفترض هذا التمثيل وتروج له ومن ثم تشكل وعيا يؤثر على السلوك الفعلي حتى لو لم يكن له أساس يعتد به.)

  قال عزت الرشق من قيادة "حماس" على حسابه في "تويتر": (فوز الكتلة الاسلامية الكبير في انتخابات جامعة بيرزيت في رام الله مبايعة جديدة لخيارالمقاومة ودعم انتفاضة القدس) وكأن طلبة حركة "فتح" الذين يقودون الهبة وزملائهم الآخرين ليسوا مع خيار المقاومة أو مع هبة القدس؟ بل وتمادى في تحليله او استغلاله للحدث على "تويتر" أيضا بالقول أنها (رسالة قوية لكل من يعنيه الأمر أن "حماس" هي من يعبر عن إرادة شعبنا وثوابته) بينما الآخرون الذين فازوا في أعراس الديمقراطية في فلسطين في الضفة من الشمال والجنوب فليسوا معبرين عن إرادة شعبنا، ولا نعلم أين التعبير عن إرادة شعبنا (الحصرية) في افتقاد الديمقراطية منذ استيلاء "حماس" على السلطة بالقوة في غزة حيث منعت كافة أشكال الانتخابات ومنها النقابية والطلابية؟ أنفهمها لأنها "ربانية" ولأنها بلا انتخابات هناك تعبر عن "إرادة شعبنا وثوابته" أم ماذا يا اخ عزت.

تبرز دوما مجموعة من الدسائس و الاشاعات والأكاذيب وحالة التضليل والإيهام في منطق الاستغلال السياسي-الاعلامي فتتوه الحقيقة وتصبح الديماغوجيا هي الحاكم بأمره، وحيث  تعمل بعض التنظيمات وبعض الكتل الطلابية على اطلاق الإشاعات والتأويلات لزعزعة حراك غيرها فيصبح (التنسيق الامني) في رام الله خيانة و(التنسيق الامني) في غزة بمنع العمليات وضبط الحدود مع الاسرائيلي وطنية ، ويصبح تدخل أمن حماس بمنع الانتخابات في كل جامعات غزة قمة الديمقراطية، أما تدخل الأمن في الضفة لفض اشكال يصبح لا ديمقراطية وعمالة ، وتصبح فضائيات هذا الفصيل أو ذاك هي المسرح الوحيد (للانتفاضة) و(المقاومة) في ظل انقطاع المقاومة عن الشارع من أعضاء هذا الفصيل فيعيش البعض في وهم المقاومة الفضائية ليعكسها على الانتخابات.

 

عدة عوامل ومقياس الاداء

لا أظن أن تحليل العامل الواحد يصح في أي أمر أو حدث عام، فالعوامل المتعددة هو الأسلوب الأدق برأيي وعليه فمن يحلل أي تقدم أو تراجع في موقف أو حدث عام ما استنادا لعامل واحد فقط (سياسي، اقتصادي، اجتماعي، طريقة القيادة/الادارة ، أساليب العمل ، الاعلام ...) هو قطعا سيهمل أجزاء من الصورة من المتوجب النظر لها بالكلية وبالتفاصيل، ومن هنا فمن أضفى على انتخابات جامعة بيرزيت طابعا سياسيا بحتا شموليا لا أظنه أصاب، فيما هو لم يرى  مثل ذلك حين فازت حركة فتح مثلا في 5 جامعات هامة أخرى أو حين أهمل العوامل الأخرى.

           في ظل الانتهازية السياسية والاستغلال البشع لنتائج الطلاب، بل ولذات الطلاب لدى بعض الفصائل يصرح البعض بأن نتيجة هذه الجامعة أو تلك تمثل رسالة للطرف الآخر، وما هي إلا تعبير عن واقع طلابي نعم متأثر بالواقع السياسي المحيط، ولكن يظل دوما برأينا أن المكون المرتبط بثلاثية: صوابية الفكرة والهدف وشدة الايمان والالتزام به ومنهجية الخطة والبرنامج المتبع، وحُسن الأداء هو العامل الحاسم والمقياس الواجب القياس به لأي عمل وهو الذي يجب ألا نغفله حين نحلل أو نحاسب او نراجع أو نقوّم، فنضيع الحقيقة في غير ذلك فنكتب البكائيات أو المبالغات في هذا التنظيم أو ذاك؟

من هنا وجب على أي تنظيم ونخصص في حركة فتح ضرورة التعلم من الدروس والمراجعة وضرورة التحصين للكوادر، وضرورة البناء للشخصيات المتزنة التي لا تهزها مصيبة أو فشل ولايُسكر رأسها فوز أو تفوق، بل تُبنى شخصية متوازنة صلبة منتمية من خلال: 1-حُسن الاستثمار للعوامل البيئية الداخلية في الجامعة مع تلك الخارجية، و2-ومن خلال البناء الذاتي والجماعي للأعضاء بشكل أساس 3-عبر التعبئة الوطنية والثقافة الحركية والامتداد الحضاري، 4-وعبر تعلم استخدام واستثمار قوة الاعلام الاجتماعي وتنوعه، 5-وإشراك الأعضاء والكوادر الطلابية في دورات دائمة في التأثير والاستقطاب والتفاعل والاتصالات وتحقيق الانجاز وبناء الفريق.

 

البكائيات المرفوضة

          لا أقبل مسلسل البكائيات مطلقا من كوادر حركة فتح الأبية، لأن حركة فتح رائد فكر الصراع بكافة أشكاله، ومواجهته ولأنها تمثل فرسان العقل في متن حضارتنا العربية الاسلامية بالاسهامات المسيحية الشرقية، وهي تنظيم المبادرة الذي لا يؤمن بالقنوط والكسل او السلبية والركون فهي كتلة متقدة من النشاط كما هم دوما طلبتها الأشاوس في كل الجامعات، ولأن من يمتلك الفكر السلبي فقط هو من يرتبك عند أول (أو عند كل) كبوة أو خسارة أو فشل، ويرتعد ويبدأ يصب الشتائم و اللعنات بتعرق زائد، وكأن القيامة قد اقتربت وانشق القمر في نفس الوقت الذي لا يقوم بأي جهد حقيقي ومخلص في خوض الصراع الداخلي (مهما طال زمنه) بالعطاء والعمل والمحاسبة والتقييم والمراجعة.

          يبكي الكثير اليوم على اطلال أسطنبول (عاصمة الخلافة الخالدة برأيهم) ويبكون (الاندلس) ويبكون (دمشق – عاصمة الامويين) وغيرها من المدن في سياق عقلية ماضوية تراجعية ما زالت تحكم الكثير منا في كثير من الأمور سواء السياسية أو الحياتية أو الطلابية ، وما كان البكاء يوما والتغني بالأمجاد التاريخية او السياسية دون عمل وعطاء وجهد وجهاد في الذات والآخرين كما امرنا الله سبحانه وتعالى الا عامل نكوص نفسي وهزيمة داخلية في معركة الحضارة وإسهاماتنا فيها.

فكر النور والعدو المشترك

          عودة على انتخابات جامعة بيرزيت والجامعات الأخرى وهي كلها – أي الجامعات- تمثل في كل منها نجاحا أو فشلا قياديا أو إداريا في مساحته، تحتاج منا لوقفات وتأملات ومراجعات ومحاسبات وتقييم في ظل فكر النور والتقدم دوما دون بكائيات قد تتحول الى لطميات مُقعِدة عن العمل أو مكابرات ومبالغات ليست قادرة أن تعثر على الواقع.

إن افترضنا أننا يجب ان نفوز دوما كحركة فتح يعني أننا تنظيم  استئثاري استبدادي لا يؤمن بالديمقراطية والمشاركة حقا، ويقترب ليصبح ذاك التنظيم الذي يظن أنه لا يخطئ أبدا لأنه (رباني) كما قال ممثل طلبة "حماس" عن جماعته على الشاشة ، ومن يفترض أنه يجب ألا يخسر فهو تنظيم مغلق ومعمي لا يؤمن بالتعددية والحوار فتصبح عبارة الغول من قيادة "حماس" هي المقبولة عندما قرن نتائج الطلاب مع الجماهير في جامعة بيرزيت دونا عن خسارتهم بالجامعات الاخرى او اسقاطهم للواء الديمقراطية في غزة  ليصبحوا ممثلين للمقاومة حصريا حسب تصريحه.

          كل التحية لجميع القوائم (الكتل) الطلابية في حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح وفي "حماس" و"الشعبية" و"المبادرة" وغيرها في كل الجامعات والمواقع مادامت الديمقراطية والتعددية والفكر المنفتح  والمصداقية والعلمية منهجنا المشترك في شأننا الوطني الداخلي، ونحن معا وسويا ضد العدو الأوحد وهو الاحتلال الاسرائيلي الاستيطاني الاستعماري لأرضنا ، وتحية محبة واحترام لشبيبة حركة "فتح" التي تُصيب وتُخطيء وتتعلم ونتعلم معها يوميا، وتعي دوما معنى التقدم أو التقهقر فتصنع من التقدم رداء النور وتصنع من التراجع مركبا للنهوض فتفوز مرتين بإذن الله تعالى.

 

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر