النكبة في الوجود والذاكرة (هل الصغار ينسون حقا ؟) (2/4)

2016-06-07

 

          تقول المقولة الثالثة التي راجت في الخمسينيات من القرن العشرين وتعقيبا على النكبة وما لحقها من حرب (1948 – 1949) أن (الكبار يموتون والصغار ينسون) وهي المقولة المنسوبة لرئيس المؤتمر اليهودي ثم الحركة الصهيونية (ناحوم عولدمان) وتنسب أحيانا لوزير الخارجية الأمريكي آنذاك (جون فوستر دالاس) ، ولكن الواقع الذي يراه العالم اليوم هو أن الكبار والصغار تشاركوا معا في اطلاق ثورة في أقل من عشر سنوات من النكبة (نشأت حركة فتح عام 1957 وانطلقت عام 1965 وتجذرت عام 1968 إثر معركة الكرامة)، وهو ما كذب أيضا ادعاء رئيسة الوزراء (غولدا مائير) حين تساءلت مستنكرة من هم الفلسطينيون أوأين هم ؟ بل وأن عامل النسيان قد سقط كليا مع نهضة المارد الفلسطيني ليس فقط خارج الوطن حيث شكلت مخيمات اللاجئين مدارس للثورة وإنما في أرضنا عام 1967 ، وفي أراضينا عام 1948 التي أصبح عدد المواطنين فيها أكثر من مليون ونصف مليون صامد مرابط.

          من المهم لنسقط هذه المقولة كليا أن نسمعها أيضا على لسان مؤسسي دولة "اسرائيل" اذ قال (بن غوروين) نفسه في ذات الحوار الذي عرجنا عليه له مع (ناحوم غولدمان) عام 1956 (ربما نسوا في جيل أو جيلين ولكن الآن لا مجال أن ينسوا ...) ليُذهل غولدمان كما قال من كل ما سمع.

ولنا أن ننظر اليوم حيث قال الرئيس محمود عباس في افتتاح المتحف الفلسطيني في بلدة بيرزيت قرب مدينة رام الله بذكرى النكبة 68 و بتاريخ 18/5/2016 "نفتتح اليوم صرحا من الصروح الفلسطينية، وهو المتحف الفلسطيني الذي سيكون حافظا لذاكرة الشعب الفلسطيني، راويا للذاكرة الفلسطينية، مبلغا الأجيال القادمة أن فلسطين وشعبها موجودون هنا منذ الأزل، موجودون هنا منذ الكنعانيين، مغروسون في هذه الأرض، على مدى الزمان، على مدى العقود الطويلة، لم يتحرك من هذه البقعة لحظة واحدة".

وأضاف الرئيس، "هذا المتحف سيقول للعالم، لكل العالم نحن كنا هنا ونحن باقون هنا، وسنبقى هنا لبناء دولتنا، ولا أحد يستطيع أن ينكر حقنا إلا الناكرون، ولن نلتفت إليهم، ولن يستطيع أن ينسى أحد أننا هنا إلا من يريد أن ينسى أو يتناسى، نحن هنا مغروسون منذ بداية التاريخ، منذ فجر التاريخ، إلى يومنا هذا إلى المستقبل لن يستطيع أحد أن يحول دون مسيرتنا، أن يحول دون تقدمنا إلى الأمام، للوصول إلى ما يريد هذا الشعب العظيم".

 

 

 

من أين نبدأ الحكاية ؟

          حاولنا في البداية أن نبدّد الغيوم أو ظلام التشكيك من مقولات زائفة راجت مستندين للتاريخ والواقع بل ولشهادات الاسرائيليين أنفسهم لنعرج على بداية القصة ... هل كانت النكبة عام 1948 بداية القصة أم نهايتها ؟ وهل جاءت دفعة واحدة أم سبقها الكثير من الإعداد والتحضير ؟ وإن كانت ذات امتداد في التاريخ والثقافة والسعي الاستعماري لماذا ومنذ متى ؟ هذا ما سنجيب عليه.

           لقد بدأت الحكاية تاريخيا منذ أكثر من 150 عام على الأقل وإن كان قبل ذلك بكثير ثقافيا وفكرا استعماريا لم يفارق العقل الأوروبي الذي آمن بالعرق الأبيض في عدائه مع الآخر وحروبه الصليبية التي استغلت الدين استغلالا بشعا ضمن المفهوم وشعار استعمار الدول والشعوب الأخرى، وفي إطار الرفض والاشمئزاز والاضطهاد بل والقتل والحرق الذي مورس لقرون في أوروبا ضد المخالفين في المذهب المسيحي ذاته عوضا عن المسلمين واليهود ، هذا من ناحية ثقافية فكرية دينية.

 أما من ناحية تسلسل الأحداث فيمكننا أن نعتبر حروب الفرنجة الغربيين (الحروب الصليبية كما أسموها هم) بداية فكر الغزو والاستعمار المرتبط بأحلام التوسع الامبراطوري الروماني القديم، ويمكننا أن نجد في مراحل أخرى بذور واضحة ونوايا لتحطيم منطقتنا العربية الإسلامية ودق أسفين في وسطها ، ولكننا أيضا من الممكن أن نعتبر البداية مع الامبراطور المغامر نابليون عام 1798.

  1. دخل نابليون أرض مصر أواخر القرن 18 وغزا فلسطين عام 1798 وسقط أمام أسوار عكا العربية الكنعانية الفلسطينية الأبية منذ الأزل، وحينها وضمن عقلية التوسع والاستعمار وتدمير العدو وجه نداءه ليهود العالم بالقول : (أيها الاسرائيليون ، أيها الأمة الفريدة فرنسا تقدم لكم ورثة آبائكم، استعيدوا أما أخذ منكم بالقوة ودافعوا عنها بدعم فرنسا ومساعدتها).[1]
  2. في العام 1839 أقيمت أول قنصلية بريطانية في القدس وكان جل نشاطها ما تسميه (حماية الجالية اليهودية) التي لم تتعدى 10000 شخص في سياق الجهود لدق مسامير الاستعمار في بلادنا.وفي العام 1845 دعا الضابط الانجليزي [إدوارد ميتفورد] لإنشاء كيان للشعب اليهودي في فلسطين.[2]
  3. في العام 1881 جرت محاولة اغتيال للقيصر الروسي اتهم فيها اليهود الروس فقتلوا وهجروا بأعداد كبيرة حيث توزعوا بين أوروبا الشرقية والغربية، ليُغرق اليهود الروس أوربا.
  4. مع ضعف السلطنة العثمانية أمام الدول الأجنبية وإذعانها سمحت بصفقات لليهود في فلسطين منذ العام 1849 فبدأت تظهر المستوطنات .
  5. كان لتأسيس جمعية "أحباء صهيون" في روسيا دورا هاما في تشجيع الهجرة الى فلسطين ومحاربة اندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها (والعودة إلى صهيون) وشكلت الجمعية صلة وصل بين ما سمي (طلائع الصهيونية) في منتصف القرن 19 وبداية الصهيونية السياسية مع ظهور "تيودور هرتزل" وتطورت (جمعية أحباء صهيون) لتعطي اليهود صفة "قومية" وإنهم جماعة مستقلة وعليهم التحرر من حياة الاضطهاد واستقلالهم بأرض يعيشون عليها ولم تكن هذه الارض بالضرورة فلسطين (أنظر المفكر اليهودي "ليوبنسكر" في كتابه التحرر الذاتي) واستمرت الجمعية منذ العام 1881 -1903 .
  6. مع انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا عام 1897 برئاسة "تيودور هرتزل" وهو ما مثل نهاية المائة عام الأولى منذ وعد نابليون تقرر التالي :

 

  1. في بريطانيا التي انتفضت ضمن وثيقة مؤتمر ("كامبل-بانرمان" 1905-1907) لمواجهة التمدد اليهودي في أوربا الغربية، ولضرورة تقوية العقلية الاستعمارية قررت استعمار الدول العربية وإيجاد البؤرة اليهودية في فلسطين، إذ رأي المؤتمر (أن مصدر الخطر الحقيقي على الدول الاستعمارية، إنما يكمن في المناطق العربية من الدولة العثمانية، لا سيما بعد أن أظهرت شعوبها يقظة سياسية ووعياً قومياً ضد التدخل الأجنبي والهجرة اليهودية والحكم التركي أيضاً....)[3]
  2. وقد تلى كل ما سبق المسلسل المعروف من وعد بلفور عام 1917 ثم صك الانتداب على فلسطين وممارسته فيها (1923 - 1948) على مدار ربع قرن أسود.

 

السياسة البريطانية الاستعمارية

     بلا شك أن السياسة الاستعمارية البريطانية كان لها اليد الطولى في إنشاء الكيان الاسرائيلي على أنقاض الشعب الفلسطيني وفي أرض فلسطين[4] ضمن السياسة الاستعمارية المنهجية التي أعطت الأولية للمصالح الغربية في ضوء الهيمنة الانجليزية (وهنا لا نعفي الفرنسية التي وقعت على اتفاقية سايكس بيكو) والسيطرة التي طالت قارات العالم جميعها، ومن هذه النظرة العنصرية يمكننا أن نجمل سياساتها حين احتلالها لفلسطين وحين تطبيقها لهذه السياسة منذ العام 1919 بالتالي:

  1. تشجيع الهجرة اليهودية بكل السبل والوسائل بعد أن أغلقت أوربا وأمريكا في وجه اليهود، وقد نجحت هذه السياسة اذ استطاعت في الفترة ما بين (1922 – 1946) من إدخال نصف مليون يهودي ليتحول عددهم من عشرة بالمائة إلى ثلث السكان (من84 ألفا إلى 608 ألفا) وتحت سيطرتهم 300 مستعمرة.[5]
  2. توظيف الضباط والعسكريين والإداريين في مؤسسات (الانتداب) لا سيما وأن اليهودي (هربرت صموئيل) كان المندوب السامي الذي منح كل الافضلية والامتيازات لهم فشكل في حقيقة الأمر طاقم الإدارة والقادة القادمين للدولة العبرية.
  3. ايجاد قيادة سياسية صهيونية وإبرازها ودعمها بل وتقديم الدعم العسكري للقوات شبه العسكرية ما جعلها ولأسباب أخرى جاهزة لحرب سلب فلسطين(شكل الجيش الصهيوني المستعد والمدرب والذي يعرف جغرافيا البلد وسبق مشاركة أعداد منه في الحرب الأوربية (العالمية) الثانية 3 أضعاف الجيوش العربية مجتمعة في حرب 1948 -1949) حيث كانوا 106 ألف مقاتل مقابل 67 ألف عربي مقاتل).
  4. طرد الفلسطينيين العرب أو التضييق عليهم سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وتعليميا ودفعهم للهجرة.
  5. خلق اضطربات لدفعهم للهجرة ، وقمع جميع الانتفاضات والهبات والثورات الفلسطينية الباسلة التي لم تتوقف للحظة ضد المهاجرين والاستيطان وضد الاحتلال الانجليزي.
  6. تهيئة الأجواء والإمكانيات لتسليم اليهود المدن والقرى والموانئ والمطارات ومعسكرات الجيش والمؤسسات وهو ما حصل بجلاء مع الانسحاب البريطاني من فلسطين.

          أما لماذا كل هذا فإن لم يكن لتفتيت الأمة العربية و(الحضارة العربية الإسلامية بالإسهامات المسيحية الشرقية) فلماذا يكون ؟ وإن لم يكن للسيطرة على الثروات والحقول والعقول فماذا يكون؟ وإن لم يكن لتأصيل نظرية التخلص من "المسألة اليهودية" في أوربا والتحلل من سنوات اضطهادهم الطويلة وفي ذات الوقت وضع كيان استعماري ومرتبط كليا بهم فماذا يكون؟.

          ولربما نرى بوضوح أيضا وجود سبب آخر ذو طابع ديني توراتي لدى الكثير من منظري المسيحية الغربية خاصة البروتستانتية التي تؤمن بخرافات التوراة وأرض الميعاد والمسيح (الاسرائيلي) الموعود.

 

[1]  موقع (إسرائيل بالعربية) ورسالة نابليون ذو العقل الاستعماري المصلحي  إلى ما أسماه (الأمة اليهودية) على الموقع بالرابط التالي http://www.israelinarabic.com /

[2]  دراسة عزيز العصا السابق الإشارة لها.

 عن مؤتمر كامبل بانرمان في الموسوعة الحرة ويكيبيديا.[3]

 [4] رغم ذلك ظهرت نقاشات عدة لدى البريطانيين وأيضا في الحركة الصهيونية حول البدائل لإقامة الدولة اليهودية في سيناء أو ليبيا او كينيا او اوغندا او الارجنتين.

[5]  فيدال، دمومينيك (2002). خطيئة إسرائيل الأصلية: المؤرخون الجدد الاسرائيليون يعيدون النّظر في طرد الفلسطينيين. ترجمة: جبور الدويهي. مؤسسة الدراسات الفلسطينية. بيروت، لبنان. ط1. ص: 2-3. وعن دراسة عزيز العصا أيضا

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر