النكبة في الوجود والذاكرة (نكبة الرواية وصلاح خلف) (4/4)

2016-06-12

 

 

        لم يتوقف العقل الصهيوني المتمثل بالجريمة والكارثة والمتمثل بالفصل العنصري وتواصل الاحتلال ليطال كل التاريخ والرواية والذاكرة التي يحاول (نتنياهو) اليوم واليمين الديني المتطرف أن ينقض -عبر خرافاته وأساطيره التوراتية وأكاذيبه- على الحقائق التي يكرسها العلم والآثار والمسار الحقيقي للتاريخ كلها تلك التي تثبت بالقطع عدم إقرار حبة رمل واحدة لوجود قبيلة بني اسرائيل العربية اليمنية المنقرضة هنا لا كإمارات (مخاليف) ولا كأساطير نشأت عنها كما أثبت الكُتاب الاسرائيليون المنصفون أنفسهم حيث أن لا صلة أصلا بين (يهود) التوراة ويهود فلسطين اليوم، عوضا عن ان الديانة لا تورث قومية والقومية لا تصنع ديانة ، وتعدد الأعراق اليهودية التي تقطن فلسطينينا اليوم لا صلة تاريخية أو دينية بينها إلا الانتماء لديانة واحدة واحتلال بلادنا في السياق الاستعماري الاستيطاني .

          وفي إطار محو أو تدمير الذاكرة أيضا لا يتوقف الإعلام الصهيوني والمتآزر معه عن بث الاشاعات والمصطلحات المضللة التي لا ننتهي من مثل تكرار أسماء لا صلة لنا بها ولا تمثل واقعا ولا تاريخا كتكرار مصطلح (أرض إسرائيل) والتي تضم كل فلسطين وهي أرض فلسطين و(يهودا والسامرة) أي الضفة الغربية، ومصطلح قبر النبي يوسف (بفرضية أنه قبر نبي ما هو غير صحيح) وقبة راحيل بدلا من مسجد بلال، و"جبل الهيكل" بدلا من المسجد الأقصى (المسجد الأقصى هو كل ما دار حوله السور في 144 دونما تضم المسجد القبلي ومسجد قبة الصخرة والمسجد المرواني والمباني المغطاة والصحن) وهكذا الكثير مما يتساوق معه البعض العربي.

       لقد محى الصهاينة 531 قرية عربية في بلادنا فكيف يوافقون على إحياء ذكراها عبر احتفالات النكبة التي نقيمها ؟ وغيروا الأسماء والشواهد واللافتات[1]   فهل يقبلون أن نعيدها للحياة ؟ لا بل وهم يوغلون بنفس العمل في الضفة الغربية التي تخترقها المستوطنات بأسمائها العبرية المسروقة وهي كلها تقريبا (المحوّرة) عن الاسم العربي الكنعاني الأصلي في محاولة تتجسد عبر لافتات الشوارع ومحركات البحث على الشابكة (الانترنت) وعلى تطبيقات الهاتف النقال، وفي موقع (انستغرام) وفي الكتب والخرائط وليس أدعى للذكر من وجود عشرات المنظمات الارهابية التي تسعى لتدمير المسجد الاقصى وإقامة أسطورة ما يسمونه الهيكل الثالث وما كان هنا لا أول ولا ثاني، وغيرها من عصابات  المستوطنين الارهابيين في الضفة الفلسطينية، وما سبق ذلك من تغيير لمئات للأسماء والمواقع المختلفة في القدس (وقبلها في فلسطين 1948) التي يتم تهويدها يوميا بلا هوادة وبسبل متعددة.

 

 

سياسة الفصل العنصري (الابارتهايد)

           عليه وفي اطار السياسة الاسرائيلية المتواصلة ما قبل العام 1948 ، وما بعدها ، وحتى اليوم في الضفة وأرض فلسطين 1948 ظلت هذه السياسة تتمحور حول ثلاثية اغتصاب وسرقة الأرض أولا ثم طرد العرب ، وإحلال المهاجرين اليهود في آلية تمييز عنصري بحيث يمكننا النظر إليها كالتالي :

  1. تهجير العرب من فلسطين 1948 بالقوة عبر المذابح أو التضييق المستمر أو النقل ، ورفض عودة أي منهم لوطنهم، وهو مازال يمارس بتقنيات مختلفة في الضفة اليوم
  2. محو البيوت والشواهد والآثار والمساجد والمباني القديمة والمقابر..الخ، وإحالة القرى (تلك التي دمرت) إلى أكوام ثم تسويتها بالأرض.
  3. محو الأسماء العربية من السجلات في فلسطين 1948 واختلاق أسماء توراتية (هي بالحقيقة عربية) واستبدال كل الأسماء العربية في الوثائق والكتب والخرائط وعلى اليافطات في كل مكان.
  4. تشريع سرقة الأرض تحت دعاوى متنوعة لأغراض عسكرية وأمنية، أو كغابات ومتنزهات أو تزوير البيع والشراء .. الخ. (الأرض مازالت حتى اليوم في أراضي ال48 تسرق كما الحال منذ النكبة، وبنفس المعنى تسرق في الضفة)
  5. سن قوانين ضد الوجود الفلسطيني وفرض قانون الطوارئ (فرض في "اسرائيل" ضد العرب بعد احتلالهم أرضنا عام 1948 واستمر حتى 1968) وما زالت القوانين في الضفة مشتقة منه الى اليوم.
  6.    لقد آثر الاسرائيليون اليوم أن يتحللوا من "العمق القومي لليهودية" كما شاء المؤسسون الأوائل وافترضوا أن الغطاء الديني المتطرف المغموس بالقومية هو الحل ما يظهر بعمق في الاتجاه الإسرائيلي نحو اليمين، وما مطالبات (نتنياهو) المستميتة للاعتراف بالدولة (يهودية قومية) إلا تعميقا لعقلية التوراة الخرافية من جهة ذات البعد الديني الذي يُقصي الأغيار ويكرس الأرض لهم، ولرغبة مقيته بتواصل التطهيرالعرقي باحتلال كل بلادنا، وإغلاق الباب نهائيا على حق العودة ما لا يقبله أي طفل عربي أوفلسطيني.

 

 

خاتمة :

       قال القائد الكبير صلاح خلف (أبو إياد): (بعد اللجوء والتشرد عام 1948 وجدنا أن لا سبيل أمامنا  لا كفلسطينيين وإنما كعرب إلا أن نتجه للسلاح ، وكنا نعلم أن هذه الرصاصات التي أطلقناها وحدها لن تدمر "إسرائيل" ولكنها رسالة للأمة تشير إلى مكامن الضعف فيها، وهي إعلان تحرير لإرادة الإنسان الفلسطيني من أي ضعف ، إنها تمرد على أنظمة الخنوع)

      وأضاف في خطبة أخرى له (نحن ثوريون وطنيون أكثر من هذه الأنظمة – مشيرا لأنظمة تصف نفسها آنذاك بأنها تقدمية – وليس هناك حق إلهي لأحد منهم)

       وأضاف أيضا (كنا نعرف أن هذه العمليات التي يقوم بها الفدائيون لن تحرر فلسطين لوحدها ولكن مجموع قدرات الأمة العربية تستطيع) وقال (إن العمل العسكري من أجل أن نحصد ثمارا سياسية كما قال أخي هاني الحسن وبدمنا نستطيع أن نحرك الجيوش العربية ، ولكننا دوما نكون في المقدمة)[2]

       في إقرار ما سبق من احتلال استعماري استيطاني اسرائيلي إحلالي غاشم وجرائم وإثارة رعب وحرق منازل وهدم بيوت ... الخ من مسلسل (التطهير العرقي) يقول وزير خارجية "اسرائيل" ورئيس وزرائها الأسبق (موشية شاريت) عن تلك الفترة (لقد كنت شريكا في السلسلة الطويلة من الحوادث التي اختلقناها ، بل وفي العديد من الاشتباكات التي اشعلناها والتي كلفتنا الكثير من الدماء ، بل وفي انتهاكات القوانين من قبل رجالنا والتي كلها أسهمت في إحداث المصائب العظام وحدوث المسار الكلي للأحداث ....).[3]

       ورغم كل هذا المسار الكلي الصعب والكارثي لم تنتظر طلائع الثورة والتحرير والعودة كثيرا لتعلن فتح بوابة الصمود والثبات وحرب الشعب طويلة النفس والتحرير منذ العام 1957 حيث نشأت حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح[4] كرد فعل موزون وحقيقي على مخطط  الاحتلال الصهيوني لبلادنا، وعلى تخاذل وتراجع من حولنا، فما استطاع الاسرائيلي محو وجودنا رغم كل فعله التدميري حتى اليوم وما استطاع أن يزور الرواية أو أن يمحو الذاكرة كما يجتهد القادة الاسرائيليين صباح مساء لأن  الارادة العربية الفلسطينية التي أنجزت بعثها حركة فتح مثلت فجرا حقيقيا أعاد وضع فلسطين على الخارطة السياسية، فبعثت كوامن الفعل والإبداع والثورة لدى الجماهير، وكرست نضالية القضية وفخار هذا الشعب البطل الذي لا ينسى أبدا، وسيستمر في الكفاح حتى يتحقق النصر بإذن الله تعالى.

 

 

 

الحواشي:

 

[17]  منذ العام 1870 وبدعم الاستعمار الغربي قام أتباعه بإعادة تسمية الأماكن والمواقع التاريخية في فلسطين بأسماء عبرية ومحو الاسم العربي منها (من دراسة عزيز العصا المشار لها)

 [18]أنظر خطابات ضمير الثورة صلاح خلف في شرائط المرئي على موقع (يوتيوب) https://www.youtube.com/watch?v=xrRnDN8JzzM

[19] أنظر عن "موشى شاريت" في الموقع http://www.creativity.ps/nakba/criminal-details.php?id=31

[20]   حول حركة فتح والرواد والبدايات والارتباط بالنكبة، وحول الحركة اليوم مئات الكتب وإن كان لنا الإشارة نحيلكم للكتب التي دونت مسيرة الخالد فينا أبوعمار وهي كثيرة جدا ومتنوعة، وتلك عن القادة الكبار أمثال أبوجهاد وأبوالهول وأبوإياد وغيرهم، وكذلك الكتب المتخصصة بالقضية وبالحركة مثل السفر الذي أنجزه اللواء محمود الناطور تحت عنوان (حركة فتح من الانطلاقة إلى الاغتيالات)

 

 

 

 


[1]  منذ العام 1870 وبدعم الاستعمار الغربي قام أتباعه بإعادة تسمية الأماكن والمواقع التاريخية في فلسطين بأسماء عبرية ومحو الاسم العربي منها (من دراسة عزيز العصا المشار لها)

 [2]أنظر خطابات ضمير الثورة صلاح خلف في شرائط المرئي على موقع (يوتيوب) https://www.youtube.com/watch?v=xrRnDN8JzzM

[3] أنظر عن "موشى شاريت" في الموقع http://www.creativity.ps/nakba/criminal-details.php?id=31

 [4] حول حركة فتح والرواد والبدايات والارتباط بالنكبة، وحول الحركة اليوم مئات الكتب وإن كان لنا الإشارة نحيلكم للكتب التي دونت مسيرة الخالد فينا أبوعمار وهي كثيرة جدا ومتنوعة، وتلك عن القادة الكبار أمثال أبوجهاد وأبوالهول وأبوإياد وغيرهم، وكذلك الكتب المتخصصة بالقضية وبالحركة مثل السفر الذي أنجزه اللواء محمود الناطور تحت عنوان (حركة فتح من الانطلاقة إلى الاغتيالات)

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر