موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

مع الإرهاب في أوروبا عودة لفهم التاريخ – جـ 1


 
        لم يكن الإرهاب الذي ضرب ألمانيا لاحقاً على “غزوة نيس” في فرنسا إلا استمراراً لمسلسل جديد من الإرهاب ضرب فرنسا وبلجيكا تحديداً، ودول أخرى كما ضرب السعودية ومصر بعد أن استقر بـ “دولته” وجماعاته المتعددة في سوريا والعراق، ولكن الأشكال التي بدأت تتطور في طرق التعبير عن الإرهاب تعطي دلالات جديدة وأبعاداً تختلف عما سبقها، فهي في بلاد العرب والمسلمين تأخذ شكلاً وحشياً مرتبطاً بالقتال المباشر والاشتباك والتفجير والفظائع، والانتحار، وتتخذ في البلاد الغربية أشكالاً مولّدة تأخذ بالحسبان بث مستوى عالي من الخوف والرهبة وإيقاع أكبر قدر من الإصابات، مع الاستعراض الإعلامي القاسي الوطأة على الجمهور والحُكم معاً.

الاستهانة بالآخر

        لا يقوم بمثل هذه الأعمال البشعة إلا من درّب نفسه ووطنها على الاستهانة بالآخر، وإعدام الإنسانية في قلبه والسخط على العالم الدنيوي في خرافة أنه إمام الحق والطائفة المنصورة الذي يحقق لذاته ولطائفته (حزبه) الخلود أو الجنان بالعالم الأخروي في ذات الوقت الذي يتخلص فيه من معاناة لها جذور اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو نفسية… يغذيها في هذا العصر قوة استخدام الإعلام الاجتماعي والفضاءات المفتوحة.

        جال الفكر الإرهابي المتطرف عبر الجغرافيا والتاريخ منذ القِدم متنقلاً بين مختلف الأديان والأيديولوجيات وحوادث الدهر والنفوس الفاسدة فاستمد مما سبق إرثاً ضخماً، وجعل من الجغرافيا البعيدة “قاعدة”، وفي حالتنا الراهنة اقترب أو ابتعد عن دين المسلمين بحسب أهداف كل تنظيم.

تواريخ فاصلة

 في كل الأحوال لا يمكننا القفز “حديثاً” عن تواريخ ثلاثة – هذا إذا تركنا التاريخ البعيد جانباً على أهميته – وهذه التواريخ تبدأ في العام 1979 عندما أصبح التحالف الغربي والعربي مع الإسلامويين حقيقة واقعة عبرت عن ذاتها عبر تعاون مشترك تم تعميده لدحر الدخول الروسي (السوفيتي) إلى افغانستان، وما أن تم الأمر حتى تقاتل “المجاهدون” على تقاسم النفوذ والسلطة، وتقلبت الأفكار لدى (خدمات المجاهدين) بزعامة د.عبدالله عزام وجَنين “القاعدة” ما بين التوجه نحو حرب (العدو البعيد) (أي الغرب الكافر) ما كان فكرة أسامة بن لادن أو (العدو القريب) أي في أمة المسلمين وهي فكرة أسامة الظواهري، واختارت (قاعدة الجهاد) منذ العام 1996 بقيادة بن لادن أن تحارب الأميركان في انقلاب الحلفاء وانكشاف العورات وتعميق المصالح.

 ومنذ الفتوى الشهيرة التي أصدرتها (الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين) التي قررت ((إن حكم قتل الأميركيين وحلفائهم مدنيين وعسكريين، فرض عين على كل مسلم في كل بلد متى تيسر له ذلك، حتى يتحرر المسجد الأقصى والمسجد الحرام من قبضتهم. وحتى تخرج جيوشهم من كل أرض الإسلام، مسلولة الحد كسيرة الجناح. عاجزة عن تهديد أي مسلم وذلك وفقاً لقول الله، ((وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً))، وقوله ((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)).

        منذاك أصبح التدخل الغربي الاستعماري (الكافر أو الصليبي حسب أدبيات الجماعات، والاستكباري حسب أدبيات النظام في ايران) مدخلاً للتحشيد والتعبئة ضد الغرب عامة وعلى رأسه أميركا، وأضاف الزيت على النار وجود قواعده في الأراضي المقدسة (السعودية) أثناء أو ما تلا حرب استرداد الكويت، وتواصل ذلك منذ العام 2003 أي منذ الاحتلال الأميركي للعراق.

        لم يحتج العراقيون لسبب لكي يقاوموا الاحتلال، فالوجه التدميري للقوات الأميركية المتحالفة مع قوى إقليمية انكشف بسرعة إذ لعبت على التناقضات العراقية الداخلية فأججتها وجعلت من العراق قِطعاً ومِزقاً يتناهبه الطغاة من اليمين واليسار ليصبح واقع الحال المزري عاملاً أساسياً لقيام تحالفات ميدانية بين أعداء الأمس فيتم التأسيس بشكل مباشر أو غير مباشر لشكل جديد من التطرف والإرهاب.

التاريخ الثالث في العراق

         التاريخ الثالث الذي شكل تطوراً لدى هذه الجماعات في الفكر والممارسة، ارتبط باحتلال “داعش” للموصل في العام 2014 بعد إعداد كبير أثر إقامتها سابقاً لـ “دولة العراق الإسلامية” عام 2006، هذا الاحتلال للموصل الذي أظهر ما أصبح “دولة الخلافة” (الدولة الإسلامية) التي تحفل بضرورة قيامها وطاعتها أدبيات هذه الجماعات (بل والجماعات المعتدلة سواء الإخوانية أو السلفية التي تنادي بها) شكل صدمة للعالم قبل أن يشكل صدمة للحكام العرب وأمة المسلمين التي لم تتهيأ لمثل هذا النوع المستحدث من التطرف والإرهاب، رغم جذور عميقة كامنة وسياق كان من الممكن التنبه له والحذر منه.

        لقد كان الغرب يبحث بعد انتهاء الحرب الباردة عن عدو فتفتق الذهن الاستعماري عن اختراع (الإسلام) عدواً، كما أشير في ذلك للرئيس “جورج بوش” الأب، وما أن أسهم بدعمه وتضخيمه إلا وارتد عليه فكراً لا يمت بصِلة للدين فلقد خرج المارد من القمقم وجاء متنكراً للوعي الجمعي الحضاري الذي مثل حقيقة الفهم المستنير للدين، وليدخل في حرب مستعِرة سعى لها العقل الغربي الاستعماري دون أن يدرك حجم الارتدادات وخطورتها عليه.

الحرب ضد “الغرب الكافر”

        في العلامة الفارقة الاولى عام (1979 – 1989) كان عنوان الحرب عندهم تحالف غربي (مسيحي) مع الإسلامي لدحر الكفار الشيوعيين (النفوذ السوفيتي حسب الفهم الأميركي) وسرعان ما انتقلت المعركة من الطرف الإسلاموي المتطرف لتصبح ضد “الغرب الصليبي” بعد أن انتهت المصلحة وزالت الموانع وافترق الحلفاء، وكان ذلك منذ أصبحت (القاعدة) واقعاً في حياة (المجاهدين) في أفغانستان امتداداً للعالم منذ نشأتها في العام 1989.

         في الحرب على العراق التي أدت إلى احتلاله عام 2003 لم تكن هذه التيارات الإسلاموية المتطرفة لتحتاج كثير مبرر لتنتقل معها ساحة المعركة مع أبو مصعب الزرقاوي من أفغانستان إلى العراق (حيث يقبع العدو القريب مع البعيد) عام 2003 والذي مارس حربه ضد (الصليبيين) وضد المخالفين بالمذهب (المتطرفون من السلفيين الماضويين يدعون الشيعة بالرافضة في مقابل من يسميهم غلاة الشيعة النواصب قاصدين السنة) وبشكل لم تمارسه (القاعدة) من قبله، في تطور لافت ودخول صاعق للفكر الماضوي السلفي (القتالي) على المنطق الجهادي العام ضد الغرب، حتى قامت “داعش” بقوة المصالح المتجمعة من البؤر المتعددة التي لقيت الأذى الكثير من الاحتلال الأميركي والقاعدة السلطوية الحاكمة والمتحالفة مع الميليشيات الإقليمية المغالية.

   تشكل تحالف من بعض العشائر والبعثيين المطرودين الناقمين وجماعات أخرى ومخلّفات الزرقاوي والقاعدة وجند “الخلافة” القادمة الذين تربوا في حضن السجون الأميركية في العراق، ونهل الإسلامويون فيهم من البئر الآسنة التي مُلِئت بالفكر الماضوي السلفي القتالي المتطرف وبدعم من بعض دول الجوار أو تيارات فيها، هذا التحالف الذي جمع بين القدرات الأمنية والعسكرية واللوجيستية لطرف مع القدرات الإسلاموية الإعلامية – التعبوية والتحريضية لطرف أصبح (داعش) منذ احتلاله الموصل عام 2014 رقماً صعباً وكانت هذه الانعطافة الثالثة والتطور اللافت في المستحدث من الإرهاب.

تمرين “الربيع العربي”، واستِعار التطرف

        إن تمرين (بروفة) الربيع العربي الذي استمد قوته من فساد وظلم وسلبية وإرهاب الأنظمة لم ينجح إلا في دولة واحدة أو اثنتين، وفشل في غيرها من الدول حين تقاطعت المصالح الاستعمارية الغربية مع مصالح دول الاقليم غير العربية وعلى رأسها (إسرائيل) لهدف تجزئة وتفتيت المنطقة وإشغالها بحروب دينية وطائفية ما احتاجت منها إلا عود ثقاب لتشعله في القش اليابس فتحرق أمة العرب فتسقط كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن وسيناء في الحد الأدنى في دوامة الحرب والطغيان ممزوجاً بسخام الإرهاب الذي كان كالمارد المنطلق من القمقم.

بلا شك إن عوامل نشوء الإرهاب والتطرف والتعصب كامن في كل فكرة أو فكرانية (أيديولوجية)، ولم تقتصر بالتاريخ بتاتاً على فكرة أو دين محدد وإنما كانت خاضعة لعوامل ثلاثة رئيسة هي ]1-الفهم العقلاني للنصوص والتأويل، 2-والتاريخ أو أحداث التاريخ (الماضي)، وطريقة النظر لها واستخدامها، 3-والسلطة بمعنى الاستغلال السياسي للأيديولوجية أو للدين[ ما يقطع أن المكونات العنيفة ليست في ذات الدين، أي دين، وإنما في الأسباب الثلاثة الآنفة.

في إطلالة سريعة على “الفهم” المستنير لا كما يؤوّل المتطرفون للآية الكريمة «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي» )البقرة: 256) يذكر ابن كثير في «تفسيره» أن حكم الآية عامٌّ. وهو موافق لقاعدة العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب أنها محدودة بحادثة تاريخية عرضية مضت كما يقول المتطرفين. وبالتالي فلا يصح إكراه أحد على الدخول في الإسلام قطعياً.

من “القاعدة” إلى “داعش”

        انتقلنا سريعاً من الحرب ضد الشيوعيين الكفار إلى الحرب ضد “الغرب الصليبي” وعدنا للحرب ضد “المنافقين والمجتمعات الجاهلية” (هي المجتمعات الإسلامية عامة المخالفة لمنهج هذه الجماعات كما تعتقد) لنعود للدمج بين حرب الأعداء (القريب والبعيد معاً)، وما كان التطور الأخير واللافت إلا من صنع الصراع المحتدم بين (داعش) وبين (تنظيم القاعدة) بينهما في “أرض الخلافة”، وبين التنظيميين على الساحة العربية وفي الساحة الدولية، أي على امتداد التوسع الجغرافي واستجلاب النفوذ الداخلي والخارجي وفي صراع الأفكار والتعبئة والاستقطاب للعناصر مقرونة بقدسية وطهارة الفكر والإمام والتنظيم، وقدسية حربها ضد (الغرب الصليبي الكافر) في عقر دار الإسلام، وفي “دار الكفر” حسب مصطلحاتهم.

        تصارعت “القاعدة” و”جبهة النصرة” التابعة للقاعدة في سوريا من جهة مع تنظيم “الدولة الإسلامية” على كل الجبهات: في الجغرافيا وفي التاريخ وفي الإعلام وفي الزعامة والنفوذ (الخلافة والبيعة والطاعة…) وفي الفكر، وخاضوا في ذلك جدالاً (شرعياً) طويلاً وحروباً دامية في جميع الأحوال كانت وبالاً على الأمة العربية والإسلامية بشكل رئيس وعلى النظرة للدين الإسلامي ثم على العالم الذي اكتوى بنار التطرف بنكهة إسلاموية مؤخراً، وكان يظن كل الظن أن دفعه الآخرين للاحتراب أو ابتعاده أو سعيه للتجزئة أو الحفاظ على مصالحه لن يكون بثمن يدفعه فكانت الطامة على الفكر الاستعماري المصلحي من بوابة تدمير الإنسانية.

إرهاب “نيس” و”الانغماسيين”

        بعد هذه المقدمة العجلى وفي ظل الإرهاب المتدفق كالسيل بين جنبات أوروبا وأميركا، بل والعالم تصبح عملية نيس الإجرامية في 14/7/2016 شراً مستطيراً ألقى بشرره في كل مكان واستتباعاً لما حدث قبل شهور في باريس وفي أميركا وفي بلجيكا (بل وفي مصر والسعودية أيضاً، وأفريقيا)، ومع ذلك فلقد كان الشكل الذي اتخذته هذه العملية مستحدثاً حيث حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي “نتنياهو” كما حاول وزراؤه ربطه بالكفاح الفلسطيني تماماً كما فعلوا بحادثة (شارلي ايبدو) و(غزوة باريس) وخاب فعلهم فالفرق شاسع والمقارنة واهية.

         إن أسلوب القتل والدهس الذي مارسه الإرهابي في مدينة نيس (ثم اللاحق عليه من قتل بالفأس والسكين في ألمانيا، ثم مقتل القسيس في فرنسا أيضاً) هو أسلوب جديد، ولكننا نجده مسطوراً في مجلة القاعدة المسماة إلهام (Inspire) بالإنجليزية وهي المنهل الذي يستمد منه (ومن أمثاله) المستهدفون فكرهم وأفعالهم حيث كتب فيها أنور العولقي عام 2010 ما أسماه وزميله (الجهاد ذو المصادر المفتوحة)، وحمل أحد تلك المقالات – كما يذكر الكاتب “مارك ثييسين” في صحيفة الاتحاد الاماراتية – اسم المدرّب ((العسكري الإرهابي يحيى إبراهيم، الذي كتب في عنوان تفوح منه رائحة الوحشية والقسوة هو: «الآلة العظمى لحصد الأرواح»، ما فسر بدقة لا نظير لها ما حدث في مدينة نيس.

وقد ورد في ذلك المقال المقطع التالي: «نعرض فيما يلي لفكرة بسيطة واحدة تشرح كيف يمكن لمسلم منفرد أن ينال ثواب الجهاد! الفكرة بسيطة ولا تتطلب مشاركة عدد كبير من الناس في التحضير لها، وتتلخص في استخدام شاحنة ثقيلة كآلة للقتل الجماعي، ولكن ليس لتقطيع الأعشاب، بل لحصد أرواح أعداء الله»!

ولا ينسى المقال أن يضيف رشّة من «النصائح» حيث يقول: «إن المكان المفضل هو الذي يحتشد فيه أكبر عدد من المارّة وأقل عدد من السيارات والعربات. وفي الحقيقة، لو تمكنت من الوصول إلى شارع مخصص للمشاة فقط، ويوجد عادة في مركز المدينة، فسيكون هذا رائعاً! وانتبه إلى أن هناك بعض الأماكن والساحات التي يتم إغلاقها أمام حركة السيارات بسبب ازدحامها الكبير بجحافل البشر».

ويتابع المقال: «وإذا كان في وسعك أن تمتلك أسلحة نارية، فاحملها معك لأنك قد تحتاجها من أجل استكمال مهمتك لو تم إيقاف شاحنتك أثناء الهجوم». ولا يفوت كاتب المقال الإشارة إلى البلدان المفضلة التي يمكن تنفيذ هذه العملية فيها حيث جاء فيه: «يمكن لهذه الفكرة أن تكون مناسبة لبلدان مثل إسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا وفرنسا»))، ويعلق على ذلك الكاتب “مارك ثييسين” قائلاً: ((أليس هذا هو بالضبط ما حدث في نيس مساء الخميس الماضي؟

 في منطق التغيّر في المفاهيم وفي الأسلوب لعمل هذه الجماعات المتطرفة رجوعاً لأصولها من الجماعات الإسلاموية الموصوفة بالمعتدلة وإباحة ما كانوا يرفضونه يقرر المفكر الإسلامي د.عبدالحميد الأنصاري أن: (الكذب والتلفيق وتزوير الحقائق والانتهازية والمناورة والخداع، أمور مشروعة في أدبيات جماعات «الإسلام السياسي» فهي تعتبر نفسها في حرب مع الأنظمة العربية «التي لا تحكم بشرع الله تعالى»، بحسب زعمهم، ولذلك يسوغون لأنفسهم كل هذه الدعايات الكاذبة، لأن الحرب خدعة! ومن هنا نفهم، أيضاً، كيف يبيحون لأنفسهم التلون في المسلكيات التي تصل إلى حد التناقض مع الثوابت القطعية التي كانت تنادي بها هذه الجماعات منذ زمن النشأة!).

الانغماسيون

يقول الصحفي “جوزيف كرواتورو” في موقع قنطرة الألماني مستعرضاً الفكر الانغماسي والانغماسيين ومفرقاً بينهم وبين “الاستشهاديين الكلاسيكيين”: (يبدو أنَّه من غير المحتمل ألاَّ يكون منفِّذ هجوم مدينة نيس الفرنسية – الإرهابي محمد لحويج بوهلال المنحدر من تونس – من هذا النوع الجديد من الأبطال الجهاديين؛ خاصة وأنَّه يتمتَّع حالياً في شبكة الإنترنت العربية بشعبية واسعة. وفي حالة “الانغماسي” يكون من الأسهل للإسلاميين استحضار بطولات شجاعة من زمن النبي بهدف إضفاء طابع الشرعية على عملياتهم الإرهابية وكذلك لاستخدام تلك البطولات كمصدر إلهام، مما عليه الحال في مفهوم الانتحاري المألوف بالفعل، والذي يعتبر من إنتاج العصر التقاني الحديث. ففي فجر الإسلام كان “المقاتلون الخارقون” المُبجَّلون يتميَّزون بكونهم ينقضُّون على عدد كبير من الأعداء ويسحقونهم).

إن هذا الجيل الجديد وهو ما أطلق عليه الخبير الأمني هشام الهاشمي لقب الجيل الرابع تطرق وعيه الضحل فكرياً وعقدياً وثقافياً الدعاية الإعلامية على الشابكة (الإنترنت) فيعلم أن البيعة ليكون انغماسياً (بطلاً) تعني (ألا نولّي الدُّبُر وأن ننغمس في أعداء الله) وتعني التأثر العميق بـ (فيا قوم قوموا لقرع السيوف/وما العيش إلا في ظل الحتوف=الموت) وتعني الاستجابة للآية (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) في تفسير معوج واستناد لتاريخ ماضوي منحرف، وفي “الانغماسية” تجويز لقتل النفس (لمصلحة إظهار الدين وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه – كما يقول شريط إعلام “ولاية البركة” لداعش الذي نشره عام 2015 بعنوان “الانغماسيون فخر الأمة”.)

إن الانغماسي يختلف عن “الاستشهادي العادي” بأنه حسب تعريف الشريط (إنغماس شخص أو اكثر في عدو أكثر منهم عدد وعدة بغرض النكاية فيه وتكون على الأهداف المحصنة).

صراع في ساحة الفكر والجغرافيا والتاريخ

        ما أردت قوله أن أفق الصراع الإسلاموي المتطرف على امتداد جغرافيا التنظيمات حيث تحكم أو تتحكم أو تؤثر قد رافقه صراع أيديولوجي دعائي، فلا يغيب عن البال أن صراع ابراهيم بن عواد البوبدري السامرائي (أبو بكر البغدادي) مع أيمن الظواهري على الزعامة والإمارة والبيعة قد انقلب حقداً وعداء منذ الرسائل المتبادلة بينهما التي سبقت ثم أدت للانفصال نتيجة رفض أسامة العيسى الواحدي (أبومحمد الجولاني) زعيم “جبهة النصرة” مبايعة البغدادي مكتفياً بالبيعة للظاهري، فما كان من الثاني إلا إعلان إمارته (دولته) لتجتاح سوريا والعراق فيتقلص النفوذ والسطوة للأول (الظواهري) صاحب الأسبقية فتكون (شارلي ايبدو) في شهر 1/2015 من إنتاج “القاعدة”، و (غزوة باريس) من إخراج “داعش” وما تلاها في تظاهرة كونية ومضاهاة لـ “غزوة نيويورك” في العام 2001 التي صنعت رُهاب القاعدة عالمياً. (فكّت “النصرة” ارتباطها مؤخرا بـ “القاعدة” في عملية نراها التفافية)…

        أوضح رئيس الوزراء الفرنسي أن منفذ هجوم “نيس” الإرهابي تعرّض لعملية تحول للتطرف أصابته، فيما أكدت عائلته اختلاله النفسي وعدم تدينه أصلاً، وهذه المعادلة تصح فارتباط الاضطراب النفسي بالبحث عن مخرج والتعبئة الحادة لنفس هائمة منعزلة قد تؤدي فعلاً لتنفيذ مالا يتوقع.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

 

بقلم: بكر أبو بكر

مفكر وكاتب عربي متخصص بالفكر والشؤون الاستراتيجية والاسلامية

31 يوليو 2016

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر