موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

مع الإرهاب في أوربا عودة لفهم التاريخ جـ 2



 
  ضحالة الثقافة والوعي

        إن الأسباب التي من الممكن أن نرجعها لنمو ظاهرة التطرف التي وصلت إلى درجة التوحش لها عوامل عديدة ومن الممكن أن نشير بأصابع الاتهام للمجتمعات الغربية والسياسات وتلك العربية أو الإسلامية غير المتوازنة، وإن أردنا أن نكون أكثر تحديداً فيمكننا الإجمال للأسباب بالقول:

الأسباب الاقتصادية المرتبطة بالبطالة وفروق المعيشة أو النظرة للأشخاص لمستوى معيشتهم بالمقارنات، وسوء الأحوال الاقتصادية.
الأسباب الاجتماعية من الفقر والعزلة النفسية والمكانية حيث البيئة الحاضنة (في غيتوات كما الحال في بلجيكا مثلاً).
الأسباب الثقافية متمثلة بقلة الوعي التعليمي والتخلف الثقافي الذي يعظّم حجم الفجوة بين الواقع الممارس والتعبئة المخالفة، ولا بأس أن نعرِض للاضطرابات النفسية (مثل الشعور بالنقص أو الذنب والتقصير، أو العزلة واضطراب الهوية وقلة الانتماء للمحيط، والرغبة في الانتقام) إضافة إلى الاضطرابات الحادة في الهوية كسبب هام.
الأسباب الدينية المرتبطة بالفكر السلفي الماضوي (حيث انعقد تحالف الفكر الإخواني الشق المتطرف فيه، وذاك السلفي القتالي) الذي يمثل جذر المشكلة الاتباعية (الاقتدائية) ويحط من قدر العقل والتبصر والتبيّن ما دعى له القرآن الكريم.
الفضاءات الجديدة حيث دور الإعلام والإعلام الاجتماعي والقدرة التعبوية – الفنية: لا نستطيع أن نقفز عن هذا الدور مطلقاً لما له من عملية تأصيل للفكرة ونشرها، والاستغلال للظروف والاصطياد للحالات المستهدفة، ولا سيما أن التنظيمات الإسلاموية المتطرفة أثبتت قدرة عجيبة على اختراق العقول واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
يقول د.أسعد عبدالرحمن أنه (بسبب الارتكاز إلى معتقد «ديني إلهي»، كان أكثر من مارس عملية «رفض» الرأي الآخر هي الحركات الإسلاموية (ولا نقول: الإسلامية) عبر إعطاء «صكوك» التبريرات الشرعية والأخلاقية والسياسية لترسيخ قوتها كمعارض بديل أوحد للأنظمة مستندة إلى ما هو «حقيقة مطلقة». بل إن «ثقافة» رفض الآخر داخل هذه الحركات وصلت إلى وقوع «الرفض» بين التيارات الإسلامية نفسها وصولاً إلى «التخوين» أو «التكفير» تمهيداً للإقصاء والإصرار على الاستئثار أو احتكار «الحق» والحقيقة).

        إن الجذر الفكراني (الأيديولوجي) ذو أصالة وأهمية وهو ما أرغب أن أركز عليه هنا، إنه الجذر المرتبط بالعوامل الثلاثة الأخيرة من الخمسة المذكورة أي الثقافي والديني والإعلامي، فماذا يفعلون بالفئات المستهدفة؟ إنهم يستغلون المستهدَفين من الفئات المهمشة اجتماعياً أو المضطربة ذهنياً أو دينياً بين الواقع والتربية الماضوية، وأيضاً تلك الميسورة والمتعلمة ولكنها الجاهلة ثقافياً (ودينياً / شرعياً)، وبخاصة الشباب لما يتميز به هؤلاء من قوة وعنفوان وأسطورية وخيال ورغبة في المغامرة أو إثبات الذات. (يتعجب د.عمار علي حسن من تجنيد المتطرفين لطلبة الكليات خاصة في الطب والهندسة).

“حراس العقيدة” والمشروع السياسي

        إن فكرة البطولة عبر “حراس العقيدة” وإشعالها في النفوس، فأنتم حراس العقيدة، وأنتم الأبطال الأماجد، والفكرة السياسية في استغلال الفكر الماضوي السلفي المستقر في طبيعة التربية الاستتباعية (إذ لا بد من إمام يُبايع أو خليفة يُطاع أو أمير لا يُخالف، والتربية على يد شيخ أو مرجع، وقدسية الموروث دون تنخيل…).

  وفكرة “الوهم المقدس” حيث تسقط القداسة من الأعلى إلى الأسفل أي من النص (القرآن والسنة الصحيحة) فالفكرة المستنبطة منهما أو “الفهم” القاصر لتتلبس صاحب الفكرة والحزب فتصبح قداسة الأمير والحزب وما يقولون أو يفعلون بقداسة النص الأصلي في وهم يتم استنباطه أن في ذلك خدمة لله و”الخلافة” التي تعني ضرورة التضحية بالنفس مقابل الجنة، تحت شعار لطالما رددته مواقع داعش والقاعدة يقول (نحن لا نموت بل نحيا بالجهاد والاستشهاد) ولا شك أن لهذا الشعار جذور في الفكر الاخواني-السلفي المتطرف. (أنظر كتابنا أوعية الفكر الإسلاموي محاولة للفهم).

  يقول د.عمارعلي حسن ((يبدو تحويل الإسلام إلى «مشروع سياسي» هو المسار الذي يحكم أفكار الجماعات الدينية الساعية إلى تحصيل الحكم بوجه عام المنهل الذي يغرف منه أتباعها، أو يقتبسون ويقتطفون بإفراط)) مضيفاً أنه ((يقوم بالأساس على استبدال «تاريخ المسلمين» بالدين الإسلامي، ليصبح التاريخ السياسي والاجتماعي، الذي يقوم على تفاعل الإدارة والفقه مع معطيات الواقع القديم، هو المرجعية الدينية في نظر هؤلاء. والثاني هو الغاية التي تعني حيازة السلطة السياسية، وسط أدلجة للإسلام)) مضيفاً أن ذلك يكون حتى وإن اختلفت التنظيمات حول ثلاثة أمور:

التفاصيل التي يتم حشدها بآراء فقهية وتفسيرات وتأويلات للنص المؤسس للإسلام وهو «القرآن الكريم» ثم «الأحاديث النبوية».
الوسيلة، وما إذا كانت بالتغلغل داخل المجتمع وأسلمته على هوى الجماعات ومنافعها.
الزمن، فهناك من يؤمن بالتدرج في تحقيق غاية تحصيل السلطة وهناك من يؤمن بالعمل «الانقلابي».
        لماذا تستهدف الفئات المهمشة (أو التي تشعر بذلك أو يتم إشعارها بذلك) وناقصي الوعي أو الثقافة لأن هذه الفئات من السهل التأثير عليها من واقع أنها في ظل الواقع المزري الذي تعيشه أو تحسه على الأقل هي بالحقيقة في واقع منعزل عن الواقع المُعاش المرفوض، واقع افتراضي حالم مأمول (المسيح المنتظر أو الخلافة الواعدة أو الشهادة أو النصر، أو خدمة الإمام أو الدين…الخ)، لا سيما وأن التربية الماضوية وطبيعة الاستعلائية الدينية على الآخرين تجعل من العزلة الشعورية مترابطة مع العزلة المكانية كل منها تتخذ سبيلاً للأخرى، وعليه يتم تعميق الشعور بالمظالم أو الشعور بالتقصير والنقص أمام الواجبات الدينية، وأمام الغرب عملياً، فيوضع أمامه منطق التكفير عن الذنوب والغفران بالقضاء على الكفار فيدخل الجنة بلا حساب!

شعور النبذ والعزلة والإعلام (التكفير والهجرة)

        إن شعور النبذ أو الانعزال عن المجتمع أكان سبباً حقيقياً أو شعورياً غير حقيقي هو سبب هام ومرتبط باضطراب الهوية، وهو شعور يتم استغلاله ببشاعة من خلال الفضاء الافتراضي المفتوح الذي يجد فيه المنعزِل شعورياً أو اجتماعياً أوذهنياً مساحة تلاقي تخاطب هواجسه (وهو المقصّر) وتعيد إحساسه بذاته ودوره وواجبه وقوته وبطوليته.

يقول المفكر العربي السيد يسين (الهوية الإسلامية تحولت… من مرحلة «الهوية المتخيلة» التي لا تقنع بمجرد الحلم بمجموعة من الأفكار المجردة والأماني المتخيلة إلى «هوية أصولية» تعمل على تأسيس حركات إسلامية نضالية كان أبرزها تأسيس الشيخ «حسن البنا» جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928، والتي انبثقت منها – من بعد- حركات أصولية متعددة.)

        إن الإعلام الإسلاموي المتطرف إعلام قوي بلا شك إذ يستغل كل وسائل التواصل الاجتماعي من “يوتيوب وتويتر وفيسبوك…” عدا عن المواقع المتنوعة والإذاعات والوكالات ويستهدف كل فئة بخطاب يناسبها، بل ويخاطب بلغات غير عربية، كمال الحال مع مجلة إلهام (إنسباير) التابعة للقاعدة أو مجلة دابق التابعة (لداعش) وكما الحال مع وكالة أعماق الداعشية أيضاً التي أعلنت مسؤوليتها عن عملية “نيس” وغيرها.

        إن الإعلام المتطرف يستخدم وسيلتين رئيسيتين هما التخويف الموجه للغرب خاصة، ووسيلة الجذب بإظهار محاسن (دار الإسلام) أو (دار الخلافة) مع ما يترابط مع ذلك من إثارة واستعراض وإظهار قوة، وتأصيل (شرعي) لكل فعل.

        لا نلقي بالتبعية لكل هذه الأفعال خاصة في العراق على المنتمين فقط للفكر السلفي الماضوي (الجهادي) وإنما قطعاً هم وكما أشرنا سابقاً مرتبطين بفئات أخرى مثل البعثيين المطرودين والمتضررين من النظام، وهم كما تقول معظم الأخبار الموثقة يمثلون القادة العسكريين الميدانيين الذين استبدلوا السلطوية العلمانية السابقة بالسلطوية الإسلاموية… وكل ما كان مطلوب منهم لحية طويلة ودشداشة وحفظ بعض الأحاديث، وإن كان الكثير من أتباع (داعش) كما تقول فيهم (النصرة) لا يفرقون بين آيات القرآن الكريم وبين أشعار عمر الخيام.

        إن الآلية المتبعة في الاستقطاب والجذب للفئات المستهدفة ترتبط بخطوات أربعة هي الجذب ثم تعزيز الشعور بالنقص أو التقصير، فالتعبئة ثم التشغيل.

        إن عملية الجذب المتبعة من قبل التنظيمات الإسلاموية المتطرفة تكون بالترويع حيث يتكامل لديهم حجم الشناعة مع التهويل ما يشعل غريزة الانتقام بالنفوس فيصبح المقتول بأي شكل كان غير مأسوف عليه فهو حتماً في النار، وما يُصنع به تعبير عن إيمان قوي وطاعة لولي الأمر وبطولة يؤجر عليها عند الله فقتل الكافر والمرتد والمنافق (أي المخالف) مُباح بلا جدال.

أنت مقصر! والحل لدينا

        إن جذب المستهدفين عبر مشاهد الترويع ووهم الخلافة والجنة للقتلة مع التبرير السلفي المنحرف يرتبط بتعميق أو تعزيز شعور الشخص المقصود (الموجود بالبعيد) أنه مقصّر ومن واجبه دعم الخلافة ونُصرة الدين، إذ كلما تم تعميق شعوره بالتقصير سهُلت عملية جذبه وهي عملية متناسقة تبدأ بالمسح الذهني لتنتهي بالإحلال، حيث يتم مسح ما علق في ذهنه من (بدع أو ضلالات أو انحرافات أو شكوك…) بالطبع كما يراها المتطرفون، ثم يقوم المتطرفون بتأسيس منظومة جديدة مستندين للإرث الماضوي السلفي الذي يعلي من قيمة التلقين والنقل وطاعة (الشيوخ) وأولي الأمر فيتحول الشخص إلى عجينة بين أيديهم طالما هو أصلاً لا يستخدم عقله. (بدأت فكرة الانعزال عن المجتمع الجاهلي وضرورة مقاومته حديثاً مع سيد قطب وأشعلها تنظيم الجماعة الإسلامية “التكفير والهجرة” ثم الجهاد الإسلامي المصري مع د.أيمن الظواهري في السبعينات).

        للأسباب التي ذكرناها يتم الاختيار للمستهدف باستغلال المُثُل الدينية والثقافية التي ترتبط بالإرث حسب الفهم الفاسد والجهالة مع استغلال موسّع للوضع الاقتصادي للشخص المستهدف أو للفجوة النفسية بينه وأسرته أو محيطه أو باستغلال أي ثغرة أخرى.

        إن عملية المسح (للبدع أو الانحرافات) يقابلها عملية (إحلال) تدريجي للمفاهيم المتطرفة والتي إن وجدت صعوبة في إدخالها يتم اللجوء للإرث الماضوي، أو للصورة المشرقة “للخلافة الراشدة”، وبإيحاء أنهم يمثلونها أو يسعون لها، أو بالتأثير الخرافي السينمائي الذي كثيراً ما يصور (القتل المبرر) كبطولة وعظمة، وشهادة لمن قتل فيهم.

        إذن يمر المستهدف أكان في المحيط القريب من مقر التنظيمات المتطرفة، أو كان في البعيد جغرافياً (القريب اتصالياً) بعمليات ترويع بالصورة وإيهام بالخيال حيث الجنة المنتظرة، ويتم تعزيز الشعور بالخطيئة أو النقص والتقصير حال عدم نُصرة دار الإسلام ومن ثم تبدأ عملية الضخ الممنهج والتعبئة عبر المسح للقديم إن كان غير مناسب وتعزيزه إن كان مناسباً ليتم إحلال الجديد ولا يتبقى أمام المرسِل إلا المرحلة الرابعة وهي مرحلة التشغيل الذي وفق حالته إما يكون جندي احتياط أو جندي تحت الطلب (قد يكون استشهادي أو منغمس) أو مقاتل من “الأسود” الملتحقين بالجبهة.

  تقول د.سهاد زهران المتخصصة بعلم النفس في لقاء معنا إضافة لما سبق (حالة التعود في السلوك البشري على إراقة الدماء أو مشاهدتها وسماع أنين الضحايا والزهو بالنفس عند قتل الغير (العدو) أو المضاد تجعل من هؤلاء الشخوص باحثين عن بدائل لممارسة ذاك السلوك الذي كان يشبع لديهم الشعور بالقوة والوجود… فيتحول بعضهم إلى باحثين عن بدائل لتفريغ حالة تأصل الإرهاب أو الدموية لديهم.. من هنا بسهولة يمكن استقطابهم وإدماجهم في مجموعات إرهابية بعد انتهاء الحرب تحول جزء كبير منهم إلى قاتلين أو عدوانيين أو إصابتهم بمشاكل نفسية واجتماعية تصل لحد العنف المبالغ فيه بحق الأبناء.. الزوجات.. المحيطين.. المجتمع).

جندي احتياط للخلافة وفكر “التترس” و”الانغماس”

        إن الجندي احتياط هو المطلوب منه خدمة الإسلام والخلافة أو خدمة الشريعة أو الفكرة المتطرفة أياً كان المبرر المستخدم لتسويقها بتكليفه بدور إعلامي أو سياسي أو ديني دعوي أو استقطابي للآخرين، وهؤلاء ممن يظهر لقادة التنظيم أن الاستفادة منهم أكبر من استخدامهم في الميدان.

        أما الجندي تحت الطلب سواء “الاستشهادي” أو “الانغماسي” (أو من يطلق عليهم في الغرب الذئاب المنفردة) فهم الخلايا النائمة التي يتم استخدامها حين الطلب، ووفق الاستطاعة، وحسب الظرف تحقيقاً لهدف ما ومن هؤلاء يظهر الانتحاريون.

        المقاتل أو الجندي هو من يتم الاستعانة به في القتال الداخلي مباشرة أو ممن يتم تدريبهم ليُعاد قذفهم في مجتمعاتهم ليصبحوا إما جنود احتياط أو ذئاب منفردة، والمقاتل قد يأتي هو ذاته لأسباب عديدة ويعلن انضمامه وفي جميع الأحوال فإن المقاتلين هم مستخدمين لمصلحة الأمير (القائد العسكري والقائد الشرعي) إذ ليس له إلا الطاعة وتنفيذ الأوامر أياً كانت.

        إن الطور الجديد من الإرهاب الذي ظهر مؤخراً باعتقادي يمثل طوراً مستحدثاً ويؤسس بقوة لفكر باطني بل، ومستقبلاً لمذهب أو طائفة تجعل من فكرة أو وسيلة (الانغماس)، وفكرة (التترس) أي قتل حتى المسلم واستخدامه كترس (درع) دفاعاً عن الفكرة أو المشروع جائز شرعاً ما يعني العودة الكلية لجذر الخوارج الذين لم يختلفوا في قتل مخالفيهم بقدر ما اختلفوا في السن التي يباح لهم القتل عندها.

        إن فكر “التترس” و”الانغماس” هو فكر التوحش بكل أشكاله، فإن كانت التنظيمات المتطرفة قد بدأت حربها بمناهضة الفكر الاستعماري الغربي (بمسمى الغرب الكافر) فإنها سرعان ما اتخذت المفاضلة بين الكفر والإيمان وفسطاط الحق وفسطاط الباطل شعاراً في أمة المسلمين ذاتها، وهي نفس العقلية أو الشعارات (خاصة مدرسة الفسطاطين) التي تحملها التنظيمات الإسلاموية عامة أكانت متطرفة أم تلك التي تسمي نفسها معتدلة لأن منطق الولاء والبراء والاستعلاء على الآخرين هي ثلاثية تقدس الذات وتقصي الآخر فلا يكون له مكان أبداً.

 فكر “التترس” الذي ارتبط بـ “الجهاد” في أفغانستان أصبح يقابله اليوم (ربما منذ وجود أبومصعب الزرقاوي في العراق) فكرة “الانغماس” التي عبرت عنها “داعش” أو اخترعتها عام 2015 وهي فكرة لا يختلف تنظيم “الدولة الإسلامية” الإرهابي في أي شيء فيها كما يقول الصحفي جوزيف كرواتورو (عن منافسته “جبهة النصرة”، وهو يفتخر أيضاً بأفراده “الانغماسيين”، الذين كثيراً ما يتمكَّنون في مجموعات صغيرة من التسلل إلى عمق أراضي العدو والاشتباك مع العدو أولاً في معارك ومناوشات وثم إلحاق خسائر فادحة بالعدو من خلال تفجير القنابل التي يحملونها معهم. وعلى العكس من رحلات الموت التي يقودها الانتحاريون ويتم تصويرها بانتظام من مسافة أبعد من قبل التنظيمات الإرهابية، فإنَّ مثل هذه العمليات لا يمكن تصويرها تقريباً.)

يقول د.عبدالحق العزوزي متسائلاً عن منابع التطرف والإرهاب ((من أي مراجع دينية يرتوون؟ ومن أي علم يبني هؤلاء أفكارهم؟ استشهدت مع الدكتور جمال السويدي بالعديد من الآيات القرآنية مع ذكر أسباب نزولها، فلم نجد ما يمكن أن يفسر ما حدث في «نيس» وما يقوم به الدواعش، فالمشكل لا يتعلق بالنصوص الشرعية ولا بالأطر المرجعية، ولكنه مرتبط بالجهل وبنوع القراءة)) ولخص الأسباب مستنداً لكتاب «الغلو في الدين: المظاهر والأسباب» لأبو زيد الإدريسي في أربعة عناصر:

-القراءة السطحية للنصوص: في غير إدراك لمقاصدها وسياقها.

-حضور النقل وغياب الاستدلال، ودون أخذ المسلك الحجاجي والمنهج الاستنباطي.

-الغياب الكامل لعلمي أصول الفقه ومقاصد الشريعة.

-الغياب الكلي لفقه الواقع.

        إن الدين لا يحتوي المكونات العنيفة ضد الآخرين في داخله و إلا لما كان يشتمل على رسالة، والرسالة تقتضي التبشير والدعوة الموجهة للآخر فإن كان إفناء المختلف هو الهدف فما هي الرسالة وما هي الدعوة وما هو التبشير؟

 يرى العزوزي كما نرى معه أن الحل يكمن في إحداث التغيير في الأسباب ذاتها فهي مفتاح الحل أي في الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والدينية والثقافية والتربوية…، وفي الإطار الديني – الثقافي فإن المستهدف هو العقل والتاريخ والسلطة فمدرسة العقل هو النقيض للاتباعية والطاعة العمياء وتنقية ما علق بأحداث التاريخ من استخدامات السياسة والدين واجب كما هو دور السلطة حديثاً بإلغاء الرابط بين السلطة و”الفهم” الديني الأحادي، وفي إعلاء شأن العقل، وإحداث التغيير للمستقبل وتنقية إرث الماضي المستقر بالأذهان ماضياً مقدساً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

الشيخ السلفي الشهير محمد ناصر الدين الألباني الذي نقد ورفض كلياً الحركات “الجهادية”، والحركات الإسلاموية التي تسعى للوصول للحكم، رأى بأن المنهج الصحيح لإقامة المجتمع الإسلامي يقوم على «التصفية والتربية»، بمعنى تزكية النفوس، وإصلاح العقائد والسلوك، وتربية الناس على القيم الإسلامية.

        إن الدين لا يحوي مكونات عنيفة ضد الآخر، أو مكونات إرهابية اعتدائية وإنما يحتوي ذلك كل من “الفهم الإنساني والتأويل للنصوص” وتحويه أحداث التاريخ الحُبلى، كما تستغله السلطة سواء السياسية أو الدينية-الكهنوتية على مر العصور، وليس ببعيد مقتل الملايين في أوروبا قرباناً للكنيسة ومحاكم التفتيش، أو مقتل الملايين في حروب عبر العالم اتخذت الدين غطاء لها أو استخدمته بشكل أو آخر في دنيانا من شرقها إلى غربها.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

بقلم: بكر أبو بكر*

2 أغسطس 2016

مع الإرهاب في أوروبا عودة لفهم التاريخ – جـ 1

بكر أبوبكر كاتب ومفكر عربي معني بالفكر وبشؤون الجماعات الإسلاموية

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر