الشارع والرسول محمد (ص) والنهي عن المنكر

2016-08-11

 

        هل من المفترض أن نفهم (التغيير باليد للمنكر) في الحديث الشهير عن خير البرية غضبا وعُنفا وعدوانا يعبَّر عن رفضه بشكل فردي أو جماعي لممارسة سلبية منكرة ما ؟ ألا يمكن أن نفهمه بمنطق استخدام اليد (الوسيلة) لمنع (منكر) بشكل سلمي ايجابي، أو بتوفير خيار وتقديم بديل، أو عبر القدوة الحسنة؟

        أن كان المنكر مما يمكن القضاء عليه (باليد / الوسيلة) الايجابية أفلا يكون ذلك مصداقا للوعي الشامل للفهم الإسلامي بهداية النفس والآخر بالحكمة والموعظة الحسنة؟.

        علينا احترام تشريع العقوبة كقانون للدولة يتعرض لكثير من المنكرات التقليدية أو تلك المستحدثة، وعطفا على ذلك ألا يكون لدى الانسان العادي أن يرفع يده (يستخدم وسيلة) لردع منكر أو عمل خطأ ما ؟.

        إن المنكرات في هذا الزمن كثيرة لم يكن مثلها بالسابق أبدا، وهي ما أصبح   يضر الإنسان ويضر المجتمع كما يوقع الضرر بالكائنات والبيئة، وهي مما يجب أن يقوم المسلم (بتقويمها باليد) وفي سياق ما ذكرناه ، قطعا ما قصده الرسول الكريم في الحديث الشريف.

        لم تعد المنكرات وفق الفهم الجامد مقتصرة على شرب الخمر، أو عقوق الوالدين أو عدم الصلاة ... الخ مما حفلت به كتب التراث، وإنما أصبحت اليوم تطال كل جوانب الحياة التي يجب أن يكون للناس منها موقفا (تقويميا باليد)، مع كامل الاحترام لدور السلطة القضائي و التنفيذي.  

        من خلال تشكيلنا سد بشري كبير يحول بين شخص يرفع يده لضرب آخر وبين فعله أليس استخداما رفيقا لليد ؟ وأن تمنع فقيرا من سرقة ربطة خبز بأن تدفع له ثمنها بهدوء أليس استخداما عمليا ؟ وأن تلزم نفسك أن تكون بالدور (الطابور) ضمن معاملاتك في وزارة الداخلية دون ان تستند لتخطي الدور بالصراخ أليس نهي النفس عن المنكر ؟ وأن تربت على كتف تلميذ لديك بالفصل أليس أمر بالمعروف ؟ وإن تحسن أداءك بالعمل فلا تتغيب دون عذر أو تقصّد أو .. أليس نهي للنفس عن المنكر ؟ وإن كنت مديرا وفعلت ذلك (اليد) أليس نهيا عن المنكر للآخرين عبر القدوة، وأن تساعد (باليد) طفلا أو امرأة او عجوزا على قضاء أي من حوائجه ألا يكون هذا من ذات الصنف.  

 

يضيف المحامي حسين لدادوة قائلا: (ان قيادتك لسيارتك فيه نهي عن المنكرفالتزامك بقوانين السير وتجنب السرعه الزائده هو نهي عن المنكر وان تتنازل عن حق الاولوية لتفادي وقوع حادث حتى لو كنت تملك حق الاولوية  هو نهي عن المنكر ايضا، و ان لا تستخدم  بوق السيارة (الزامور) الا عند الخطر هو نهي عن المنكر فازعاجه  منكر كما الإزعاج الّذي يصدر عن أيّ كان، وهو ما لا ينمّ عن ذوقٍ سليم، وفطرة صافية، وإحساس بالمسؤوليّة، وشعور بالوعي تجاه كلّ ما يوتّر أجواء الناس ويقلق راحتهم..) ويستطرد قائلا  أيضا (ان نحترم ذوي الاحتياجات الخاصه ولا نشعرهم بضعفهم، نتكلم معهم بشكل طبيعي وننظر اليهم نظرة نظرة محترمه انسانيه ونساعدهم  بالاندماج بالمجتمع والبناء فيه وهذا مثلا من اعظم طرق الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.)

        الفضاء العام والطرقات والشوارع مجال خضب لإظهار حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا نسمح لشاحنة تلقي بمخالفات البناء في الفضاء، أو شاحنة تلقي مخلفات الباطون بالشارع... إذ يمكننا تصويرها بالهاتف النقال مع لوحة أرقامها، وإرساله للجهات المختصة أليس في ذلك نهى عن المنكر باليد؟.

        أن نوفر إمكانية دخول النادي الثقافي أو الرياضي لضعاف الحال وغير الميسورين أليس أعظم (نهي عن المنكر باليد) للشباب عامة، ولأولئك من عصابات الزعران في الشوارع؟.

        إن نوطد النفس على نظافة الشارع والأشجار والبيئة عامة فلا نلقى الزبالة من نافذة السيارة وكأننا لا نرتكب إثما أو منكرا... أكانت علبة عصير أو كولا أومحرمة ورق أو حتى سيجارة وعوضا عن ذلك نضعها في مكانها الصحيح أليس ذلك نهى عن المنكرأيضا؟ كما الحال في إزالة (إماطة) الأذى أو المنكر من جميع أنواع المخلفات على الطريق كما في الحديث الشريف.

        يجلس أحدهم على درج الطيرة-رام الله مثلا فيأكل ويلعب ويضحك مع أصدقائه ثم ببساطة يلقي  بالفضلات إلى جواره رغم أن الحاوية على بعد أمتار منه...فتأتي أنت وتزيلها من أمامه وتضعها في الحاوية أليس ذلك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؟.

        إن توفر لفقير كسوة الشتاء أليس أمر بالمعروف، وان تمنعه بذلك أن يموت بردا أليس نهي عن المنكر، فمعاناة المرض أو الجوع أو البرد أو الحرمان قطعا هو منكر.

        أن نجعل من شارعنا وأشجارنا ومقابرنا وآثارنا وبيوتنا القديمة وطبيعتنا خالية من المخلفات، ومنها علب وأكياس البلاستك وكافة أنواع الزجاجات بألا نلقيه فيها مطلقا أليس أمر بالمعروف ونهي عن المنكر باليد.

أن نجمع مخلفاتنا أثناء الفُسحة في الحقول بعد حفلة شواء وأن ننظف وراءنا كليا لنلقي هذه المخلفات بمكانها في الحاويات أليس نهي عن المنكر وباليد؟

        أن نأكل كفايتنا فقط فلا نُبقى في الصحن شيئا لنقذف به بالزبالة أو المجلى أليس نهي للنفس عن المنكر؟.

        في الأصل أن نبدأ من البيت والمدرسة أي من التربية والتنشئة الأخلاقية الحسنة بأن نعطي علامات أو نجمة.... أو الخ لطالب حافظ على مواعيده  أو حافظ على صلواته أو احترم كتبه أو هندم ملابسه أو ساعد أمه بالمطبخ فغسل صحنه معها على الأقل.

        من الممكن أن نجعل الطالب الممتاز أيضا هو من أحسن تعامله مع الآخرين من زملائه أو حافظ على النظافة، نظافة ساحة المدرسة يوميا (كما يحافظ على نفسه وغرفته وبيته وساحة منزله وشارعه)، وهو الطالب الذي حثّ زملائه على هذا المسلك دوريا حتى لم يعودوا يحتاجون لفرّاش.. أليس كل ذلك تطبيقا للحديث الشريف (من رأى منكم منكرا فليقومه بيده)؟ إنها يده التي تزيل الفضلات، وتمتنع كليا عن إلقائها إلا في مكانها الصحيح. وهي يده التي تغسل (منكر) الصحون مع أمه، أو ترفق مع الدعاء تلقي العلاج للمرض (المنكر) دون إهمال.

        أن نبلغ السلطات المختصة عن سرقة أو اعتداء أو إزعاج صاخب، أو عصابة سيئة دون أن نضرب صفحا عن ذلك أليس تغييرا للمنكر باليد؟

       يمكننا أن نفتح حوارا في البلد/القرية/المدينة نشرك به الشباب والطلاب كي يساهموا فيا لحفاظ على قيم الاحترام والحب للقرية وشوارعها ومؤسساتها ومسجدها أو كنيستها ونظافتها والاحترام لآثارها وترويجها....، ونتحاور معهم في تسيير مبادرات لإغناء بلادنا بالزراعة فنتخلص من النباتات المتطفلة والأشواك ونجعل الجبال خضراء لا منكرة جرداء وغير ذلك الكثير.

 يقول المفكر الاسلامي جمال البنا في بحثه حول تفسير حديث (من رأى منكم منكرا...) بعد عرض توضيحي طويل أنه (بهذا الفهم تكون كل المعوقات والمظاهر السيئة في المرور والشوارع ووسائل المواصلات منكرات يثاب من يزيلها باليد، وهو استخدام لليد يختلف عما فهمه كثير من المسلمين عن استخدام اليد في النهي عن المنكر)، مضيفا مجال الولاية للأب على أبنائه، ودرة عمر الرمزية، ومواقف المقاطعة والإضراب، والعمل ضد الطغيان وضمن احترازات هامة يطرحها تحتاج لتأمل.

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فرائض الدين حيث يقول الله تعالى بالآية 114 من آل عمران: (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) ويرد بنفس المعنى في 6 آيات أخرى كما يرد النهي عن المنكر في 5 آيات (يراجع جمال البنا في بحثه العميق حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القرآن الكريم والسنة النبوية)

        إن المجال الايجابي للفهم واسع ومفتوح للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مالا يعني مطلقا ما فهمه البعض استخدام اليد للفرد بمعنى الضرب أو العنف أبدا ، وما لا يعني أخذ دور السلطات وبما يفعّل منطق الايجابية في استخدام الوسيلة (اليد) وهو المطلوب دوما فلا يقف الإنسان سلبيا أبدا من ذاته أو الآخر.

وكي لا يذهب فكر أحدهم منا بعيدا بما أننا في فلسطين، فإن الثورة والمقاومة والجهاد والنضال تأتي في سياق آخر هو استجابة للآية بقتال الظلمة والمحتلين وهي الآية التي شرّعت هذا القتال بداية في سورة الحج الآية 39 (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ) والآيات الأخرى.  

  أن نتمدد لفهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد في المجتمع فإن العمل ضمن التنظيمات السياسية فيه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر من تعبئة داخلية منفتحة وصحيحة بعيدة عن التعصب والتطرف والعقل المغلق، وهو أي

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر