"السلفية" و"داعش" في غزة؟ و"حماس" (2/2)

2016-08-25

لماذا يعادون حماس؟

         بعد هذا الشرح الموجز للعلاقة المتوترة ل"حماس" مع مخالفيها عامة، وبالتخصيص هنا ضد السلفيين، بإمكاننا القول أن أبرز أسباب هذا التوتر او العلاقة المتذبذبة إلى حد العدائية أحيانا يرجع للأسباب التالية (من وجهة نظر السلفيين على الأقل):

         - إن "حماس" لا تطبق الشريعة ، ويصل الاتهام ببعضهم ل"حماس" أنها علمانية، ما يعني بالتعدي أنها كافرة. (بالطبع كما هي التهمة لحركة فتح أو الشعبية مثلا)

         - انها شاركت في الانتخابات الديمقراطية، والمجلس التشريعي ما هو كفر وشِرك.

         - إنها (أي حماس) انخرطت بالمفاوضات وإن بطريق غير مباشر وبالعملية السلمية، بل هي وحسب لفظ أيمن الظواهري (لحقت بركب السادات).

         - "حماس" تخضع لدستور وضعي "علماني" (العلمانية مرادف للكفر لدى كثير من التنظيمات الاسلاموية)

         - تتعامل مع أمريكا والقرارات الدولية ، ومع ايران.

         - انها حركة انتهازية لا علاقة لها بالإسلام أو المقاومة.

 

أين (اسرائيل) من ذلك ؟

لا يمكن عزل العامل الإسرائيلي عن الحدث الفلسطيني مطلقا ، ولا عن الحدث الداخلي فيما بين حركة "فتح" و "حماس"، أو بين السلفيين و"حماس" فالسياسة الإسرائيلية التي تتفلّت من أي التزام بالتسوية تعمل على تخفيض حدة التوتر مع شطري فلسطين السياسية أي غزة والضفة وفق سياسة تعميق الانشقاق والانقسام و الانفصال ، وفيما يتعلق بالوضع دائم الاضطراب في غزة تقول صحيفة المصدر العبرية في (23/5/2015) إن ("حماس" لا تشكل تهديدا فوريا ، وان استمرارها يضمن الانقسام ، بل أن وجودها يعطل حدوث حل شامل ، ما هو جيد للإسرائيليين)

            أما الجنرال الإسرائيلي "غانتس" فيلقي محاضرة في المؤتمر السنوي لمعهد الأمن القومي الاسرائيلي ليقرر في ورقته أن "حماس" ليست اللاعب الوحيد في غزة ، ويقدم لها شهادة حسن سلوك بأنها (تحاول منع إطلاق الصورايخ، والحفاظ على التهدئة) وهذا ليس حبا في "حماس"- ما يشير إليه بنفس الوتيرة حين يتحدث الإسرائيليون عن السلطة- وإنما لرغبة وتصميم في زيادة الشرخ الفلسطيني والإمساك بخيوط اللعبة.

            أما الإسرائيلي (نمرود شفر) فيكتب في صحيفة "معاريف" (6/7/2015) وهو رئيس شعبه التخطيط في الجيش الإسرائيلي فإنه يعلن (إن "حماس" أبلغت "إسرائيل" عبر الوسيط التركي والمصري أنها تتعاون في إطار جهود القضاء على السلفيين في غزة وسيناء)، وحال صحة هذا التنسيق الأمني من "حماس"، فإن "حماس" تقدم أوراق اعتمادها السياسة للعالم  أنها تحارب "السلفيي"، وعلى رأسهم بالطبع السلفية القتالية و"داعش".

 

"حماس" إلى متى؟

            إن تنظيم "حماس" يحاول أن يتعامل أو أن يوفق بين  تقاطعات وتشابكات الداخلي في غزة، والوطني الفلسطيني العام، والإقليمي، بل والدولي فيجد نفسه في بحر متلاطم من التناقضات التي لا يستطيع أن يمر فيها أو يتخطاها أو يتعامل معها بسهولة.

             تيارات "حماس" المتوزعة بين غزة والضفة وقطر ، وبين المتشدد الذي لا يجد ولا يرى عدوا له إلا السلطة، وبين ذلك الوسطي أو الواقعي تتخبط التيارات في خضم مصالحا ونزقها في مختلف الملفات سواء بالعلاقة مع المصريين الذين تقدم لهم النوايا الحسنة وتجلدهم ليل نهار عبر فضائياتها أو باللسان المزدوج في التعامل مع حركة فتح.

            تتخبط "حماس" عامة بالشأن الفلسطيني حيث رغبة البعض فيها بتسليم السلطة والتفرغ "للمقاومة"[9] (9)، وتحقيق الوحدة الوطنية، لكن إرادة المتنفذين تقضي بعدم التخلي عن الأرض والسلطة والمصالح الحزبية مطلقا، أي ما بين مد الجسور من البعض، وما بين الصوت العالي والسيف المشهر ميدانيا وفضائيا من خلال: اتهام وشتم وتخوين متكرر منذ أعوام (أنظر صلاح البردويل ويحيى موسى ومشير المصري ...)، كما يتضح حجم التمسك الرهيب بالسلطة ولذائذها في غزة مقابل اتهام (سلطة رام الله كما تسميها) بكل الرذائل والقبائح والمصائب كعلّاقة (شماعة) تعلق عليها كل مآسي القطاع الحزين.

             تحار "حماس" في الاستدلال على طريقة مُثلى لكسب الشارع الفلسطيني خاصة في غزة، فهو شارع واعي ويرى وليس مغفلا أو غبيا، فتعمد أن تكرر يوميا إيهامه بأنها تنظيم ملائكة (أنظر يحيى موسى الذي اعتبر أمن "حماس" كالملائكة) وأنهم أصحب الحق والشريعة والإسلام (أنظر تصريحات الزهار) أو أنهم حصريو المقاومة ما يكرره الغالب فيهم يوميا ، وما لا يصدقه الواقع البشري والإنساني أصلا ويصب في خانة المبالغة والكِبر والنزق.

        تنفي "حماس" دوما وجود تيارات متطرفة تحت حكمها في غزة إذ تقول على لسان صحيفتها المركزية المسماة "الرسالة" وبلسان كاتب يدعى ابراهيم المدهون عام 2014 (لا يوجد داعش في غزة وما يحدث عبارة عن ألعاب صبيانية يستغلها إعلام يضخم كل شاردة وواردة ليتجاهل حال غزة التي أصبحت على شفا صفيح ساخن، واقتربت كثيرا من الانفجار بعد فشل حكومة التوافق في رفع الحصار وإعادة الإعمار، فهناك تقصد على تجاهل الوضع السياسي والاقتصادي المعقد والتركيز على فراقيع إعلامية يتم فبركتها إما لغرض التسلية أو النكاية الشخصية والسياسية أو حتى بقصد استخباراتي أمني.)

            وإلى ما سبق يقع تخبطها بين الآراء والتيارات في التعامل مع السلفيين – الذين، وان لم يشكلوا لها مشكلة كبيرة اليوم فإن التوسع خاصة من (السلفية القتالية) مرشح للازدياد حيث تقوم بإتباع الطريقة المثلى لديها والأيسر وهي كتم الصوت وتكميم الأفواه عبر الاعتقالات والتعذيب والسجن، ومنع إطلاق الصواريخ، وتشويه مخالفيها جميعا ، وما بين إدخال وساطات عربية أو داخلية ، وما بين فتح الحوار معها.

            إن واقع الأزمة الفلسطينية الداخلية لحركة "حماس" سواء مع السلفيين بأقسامهم أوغيرهم مرشح للازدياد ، والحل لدى فصيل "حماس" يتأرجح دوما ما بين المغالاة بالرأي في التعامل معهم أو سجنهم أساسا، آخذين بالاعتبار الأول ضرورة الاستمرار ب"التمكين" والامساك بالسلطة رغم بين إشكالية الخروج من أزمات غزة الطاحنة وهم مضطرين للتعامل مع العلمانيين أو المخالفين، وفي ظل ضغوطات الإقليم التي لا ترحم، ولربما ينتظرون الفرج بنهاية (اسرائيل) كما تنبأ لهم الشيخ أحمد ياسين في بداية القرن الواحد والعشرين فيدخلون العصر والنصر من أوسع أبوابه وغزة في أيديهم.(10)  [10]

 

 

 

 

 

 

الحواشي:

 

 [1] كنا قد نشرنا الورقة سابقا تحت عنوان (مأزق حماس والسلفية في غزة) وبعد التنقيح والإضافة ننشرها اليوم بالعنوان الجديد.

 [2]حتى أن هناك تيارات داخل الاخوان المسلمين وليس فقط السلفيين مازالت تكفّر الديمقراطية، وأنظر المثال التالي: (على محطة أجيال الاذاعية بتاريخ 3/8/2016 نقل قول القيادي في فصيل حماس يونس الأسطل حول الشروط الواجب توافرها في المرشحين للانتخابات: "إن الانتخابات اذا ما جرت بجو نزيه وحر وشفاف ونتائجها تخرج بكل أمانة ومصداقية للناس (؟!) فهي واجبة شرعا،وعلى الناس أن يؤدوها ولا يتخلفوا عنها، وأن الشرع واضح في من هو أحق بالانتخاب من قبل الناس (؟!) والأدلة الشرعية مفسرة لصفات الواجب انتخابه(؟!)، كما أضاف: "ان الديمقراطية بتعريفها التقليدي مرفوضة." (؟!) مكررا فهم سيد قطب حول ما يسمى "الحاكمية" الذي استند لرأيه ورأي حزبه في الآيات التي تتعرض وفق مفهوم أن لا حكم الا لله[2] وحيث ذكر نصا حسب المقابلة المرفقة صوتيا: (الديمقراطية التي تعني أن الناس أحرار في أن يشرعوا لأنفسهم ما يشاؤوون من خلال ممثليهم مرفوض في الاسلام (؟!) معللا ذلك (لأنه لا حكم الا لله) (؟!).)

 

 [3]يقول المفكر الاسلامي د.محمد عمارة (إن الجهاد الإسلامي ليس حرباً دينية مقدسة، لأن الإسلام ينكر ويستنكر أي حرب دينية. فالإيمان الإسلامي تصديق قلبي يبلغ مرتبة اليقين، وهو سر بين المؤمن وبين خالقه لا يتأتى إلا بالفهم والعلم والإقناع والاقتناع، ولا يمكن أن يكون ثمرة لأي لون من ألوان الإكراه فضلاً عن أن يكون هذا الإكراه عنفاً قتاليا.) مضيفا (أن الجهاد الإسلامي الذي هو فريضة إسلامية أعم من القتال الذي شرعه الإسلام. فكل قتال جهاد وليس كل جهاد قتالاً، إذ القتال هو الجانب العنيف من الجهاد وليس كل الجهاد. ) ويقول (والجهاد في الاصطلاح القرآني: "هو بذل الوسع في المدافعة والمغالبة" في كل ميادين المدافعة والمغالبة، أي في كل ميادين الحياة، وليس فقط في ميادين القتال)- في مقال له حول حقيقة القتال والجهاد والارهاب منشور على الشابكة

[4] يقول الموقع التابع لوزارة الاوقاف التابعة ل"حماس" في غزة شاتما الشيخ ياسين الأسطل من السلفية العلمية وكل المخالفين: (....أما الأستاذ إسماعيل هنية الرجل المسلم الذي يؤم الناس في الصلوات والجمعات (؟!) ويقود مسيرة الجهاد، لذا رماه أعداء الأمة عن قوس واحده .من هذا حاله في نظر ياسين الأسطل ومن هو على شاكلته فهو من الخوارج !! قاتل الله التعصب والجهل والحماقة . فما لكم كيف تحكمون . أي علم وفقه هذا يحمل هؤلاء أن يدافعوا عن العلمانية والانحلال وقلة الدين والأخلاق ، بحيث لا أبالغ إن قلت لو أن أبا مازن سب الذات الإلهية لدافعوا عنه وأوجدوا له ألف مخرج وعذر .قاتل الله التعصب الأحمق ، الله أكبر العلماء لا يسلمون من ألسنة هؤلاء ، في حين يسلم العلمانيون. ) ويضيف معرضا بهذه السلفية العلمية ليسميها العلمانية أي الكافرة بنظره فيقول (إن الطعن والتجريح في العلماء هو ديدن ( السلفية العلَمانية ))

http://www.palwakf.ps/irshad/?comp=n&action=articles_details&nid=4694

[5]  استنادا للاتفاقيات مع الاسرائيليين يقوم فصيل "حماس" بضبط الحدود ومنع إطلاق أي رصاصة عبر الحدود وقد أثبتت فعالية في ذلك خاصة أثناء اندلاع "هبة القدس" عام 2015 وحتى 2016 فمنعت واعتقلت وأطلقت النار على من يحاول إطلاق الصواريخ أو اجتياز الشبك الفاصل مع حدود غزة بالاسرائيليين.

 [6] ما الفرق بين هذا الرأي ورأي المفتي يونس الأسطل في "حماس" ؟ لا فرق بتاتا فكلاهما يكفر الديمقراطية والانتخابات؟ولذلك لم تجري في قطاع غزة أية انتخابات نقابية أو جامعية او بلدية منذ الاستيلاء على السلطة بالقوة عام 2007 ، (باستثناء الجامعة الاسلامية المغلقة على طلابهم) وان كانت اليوم اضطرت لخوض انتخابات البلديات (2016) ولكن دون أن تتخلى عن سلطتها في غزة، مهددة ان أي نجاحهم يعني نزاهة الانتخابات وشفافيتها والعكس بالعكس (أنظر تصريحات الزهار مؤخرا)

[7]  يقوم قادة حماس السياسيين كل جمعة بالخطبة على منابر المساجد وعلى رأسهم نائب رئيس المكتب السياسي اسماعيل هنية ما يعتبرونه ميزة لصالحهم وحقا، ويمنعون غيرهم حتى من شريكهم الجهاد الاسلامي التي افتكوا منها مساجدها خالصة لحماس بالقوة في غزة (أنظر تقرير شبكة أمد الجمعة أبريل )

[8]  أحمد يوسف من قيادات حماس الذي يشار له بالاعتدال ضمن هذا الفصيل الاسلاموي.

 [9] كان سبب عدم مشاركة "حماس" في اتخابات عام 1996 هو تعارض برنامج المقاومة وبرنامج السلطة الى حد التحريم، ثم ما كان من أمر التفافها 180 درجة للموافقة على الانتخابات عام 2006 اعترافا باتفاقية أوسلو وانصياعا لطلب أمير قطر كما صرح الأمير الابن مؤخرا، ولكن بتبريرات جديدة لم تقنع حينها أمثال القيادي في "حماس"  ابراهيم غوشة الذي رفض هذه المشاركة لأنها قطعا تضر ببرنامج المقاومة كما قال.

[10]  أنظر موقع وزارة الأوقاف التابعة لفصيل حماس-غزة إذ يكتب مسؤول الوعظ والارشاد فيها د.يوسف علي فرحات في 28/3/2011 (هناك بعض الناس حباهم الله سبحانه وتعالى بحدة الذكاء وقوة الفراسة وكأنهم يرون بنور الله سبحانه وتعالى ومن هؤلاء الشيخ أحمد ياسين والذي تنبأ بزوال دولة "إسرائيل" في القرن الحادي والعشرين في الربع الأول منه وبالتحديد في عام 2027م ) وفي نهاية مقاله يقول (هل يشهد العقد القادم أو الذي يليه النهاية الحقيقة لهذا الكيان النكد ، وبهذا تتحقق فراسة الشيخ أحمد ياسين ؟!)

 

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر