في نقد مبادرة (دولتان ، وطن واحد).

2016-09-01

 

       منذ البداية وكي لا يرد على ذهن البعض أن النقد للآخر يعني بالضرورة تلبيسه أو اتهامه أو التشنيع به ما درجت عليه بعض الأقلام والأبواق، وكي لا يُفهم النقد تجريحا أو تخوينا أو تكفيرا ما أصبح من لوازم العمل الحزبي – السياسي لدى البعض ، فإنني أكن احتراما لكل من اختلف معهم، فلكل منهم ومنا الحرية في دينه أو مذهبة أو رأيه السياسي .

       بناء عليه أسجل عددا من النقاط هنا على مبادرة أخوة اجتهدوا وبادروا وفكروا وشاوروا وشاركوا غيرهم بالسعي لوضع إطار فكري – سياسي لحل القضية الفلسطينية في ظل التراجع والانكفاء وانسداد الآفاق، فلهم مني كل الاحترام والتقدير لهذا المشوار الذي انجزوا فيه الكثير.

       ولكل هذا وبعيدا عن أسلوب الاتهام المرفوض منذ البداية، فإنه لا يعني قطعا موافقتي لهؤلاء الإخوة الكرام أصحاب مبادرة (دولتان ، وطن واحد) على الكثير مما احتوته ورقتهم الهامة ، لأن لنا رأيا، وهم من الذين يسمعون ويسعون لمصلحة هذا الوطن وهذا الشعب وهذه القضية.

       من ناحية سياسية لا يوجد حل يقوم على أسس ، سواء كان هذا الحل عادلا أو غير عادل، لا يتعامل فيها مع موازين القوى القائمة. وبناء عليه يمكن النظر للقرارات الدولية والقرارات السابقة للهيئات الدولية أو للاتفاقيات المعقودة بين الأطراف والمعترف بها كإطارمعياري يمكن الرجوع اليه عند الاختلاف، وبالتالي من الصعوبة بمكان أن تأتي أي مبادرة من الصفر حيث تفترض توافقا ثنائيا ما لن يحدث أبدا في حالتنا الفلسطينية في ظل تغوّل الاحتلال وسطوته واتجاهه نحو التطرف اليميني من جهة ودعمه لعصابات المستوطنين والمتطرفين الدينيين، ومن جهة أخرى نزوعه نحو العنصرية حتى تحول الكيان الى دولة فصل عنصري ضد السكان الاصليين داخل الحيز السياسي المسمى اليوم (اسرائيل) من فلسطين، أو في ذاك الحيز المحتل المقترح تسميته لاحقا دولة فلسطين.

       إن التغول والتطرف والعنصرية وإرهاب الاحتلال واستناده للخرافات التوراتية والأكاذيب التاريخية تسنده حقائق الضعف العربي والإقليمي والابتعاد العالمي والضعف الفلسطيني ما يستدعي منا الحذر في أي تعامل، فلسنا في موقف الندّية أو المساواة أو القدرة على الحوار أو التفاوض أو النقاش الحر مع العدو، مع المحتل، وهو يرفع يوميا البندقية في وجوهنا ويقتلنا، ويرفع يوميا معول هدم منازلنا وثقافتنا ومقدساتنا وأرضنا وشعبنا، ليشيد دولة جدار احتلالي (أبارتهايدي)، ودولة القوانين العنصرية حتى ضد مواطنيها.

       إن السند القانوني والقرارات التي استطعنا أن نفتكها بالدم عربيا وعالميا لا يمكن التنازل عنها (لاسيما أن معنا الحق والعدل والتاريخ والثقافة والمستقبل) لمجرد أن البعض المنفتح في الطرف الإسرائيلي (وهو الطرف الأضعف) قد أبدى تجاهنا نوايا طيبة، أو لمجرد أنه لوّح لنا ببعض التسهيلات أو التساهلات اللفظية التي لا تصل لحد الاعتراف التاريخي بالظلم العظيم الواقع على فلسطين وعلى الشعب الفلسطيني عبر النكبة عام 1948 التي يجب أن تكون البداية الحقة في أي عملية تصالح حقيقي إن كان هناك نوايا صادقة وسعي أكيد للحل.

      في فندق "الرتنو" في رام الله أواخر شهر آب/أغسطس الحالي للعام 2016 طرح عدد من الاخوة الكرام مبادرتهم المسماة (دولتان.وطن واحد) وعليها نقول:

 

 

       المشكلة العربية الفلسطينية-الاسرائيلية وهي قضيتنا الرئيسة ليست دينية مطلقا وإلا لتم تأبيد الصراع ، وإنما هي مشكلة احتلال استيطاني غاشم تم ضمن مصالح غربية أوجدت منطقة عازلة وأوجدت فيها سكان وتم صناعة تاريخ قديم لهم، وتأسس لهم قانونيا وسياسيا منذ العام 1917 ثم 1922 ثم 1948 ضمن دولة في فلسطين في ظل الاهمال والإقصاء المقصود والفظيع لأصحاب الأرض.

        ملخص كل ما سبق أنني بهذه المبادرة أعطي موافقة للطرف المحتل وصك براءة سياسية عن كل اعتداءاته واحتلاله وافتكاكه لبلادنا فلسطين من أيدي مواطنيها، و فوق كل ذلك أعطيه مجانا اعترافا ثقافيا وتاريخيا بروايته الكاذبة حول (الشعب) و(الوطن) و(الأرض) و(القومية) و(القدس) ووجود المستوطنين، وهي المفاهيم التي لم تثبت أبدا إلا في اوهام اليمين الاسرائيلي فقط دونا عن سائر خلق الله.

المنطق الحقيقي للحل هو بالمراكمة على حراكنا السياسي المقرون بالفعل الميداني الذي فتح لنا الآفاق وبفكرة حركة فتح الأصيلة اللاحقة على الدولتين وهي الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين لكل الأديان، وعليه فإن أي حديث مغاير أو مكمل يجب أن يبدأ من القرار 181 أي قرار التقسيم الذي تم لأرض فلسطين وليس لأرض "اسرائيل" قط ، ما يجعل من التوصيف الوارد في المبادرة (فلسطين/أرض فلسطين) توصيفا فاسدا و مجحفا تاريخيا وسياسيا بل وقانونيا، وفي الرواية الحقيقية لأنها أرض فلسطين فقط، مهما تسمت من قِبَل الدولة القائمة عليها اليوم.

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر