موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

مضامين التعبئة الفكرية في "الاخوان المسلمين" و"حماس"-(5)التقية والتبرير


 

في الحلقات السابقة في مضامين التعبئة  الداخلية في تنظيم او جماعة (الاخوان المسلمين) وفصيل "حماس" الفلسطيني التابع للجماعة، تحدثنا عن المظلومية ولعب دور الضحية، ثم تحدثنا عن فكر المؤامرة عليهم مع إنكار الآخر، ثم في الحلقة الثالثة من الحلقات العشر تحدثنا عن القداسة والولاء، وفي الرابعة من 10 حلقات تحدثنا عن الحصرية مقابل الإقصاء (مدرسة الفسطاطين)،  وفي الحلقة الخامسة هذه نتحدث عن التُقية والباطنية والتبرير كما يلي:

 

 

 يعتبر الشيعة أن التقية جزء أصيل من المذهب ويدللون عليها بالكثير من الأحاديث، ويعتبرون أن اتقاء شر الآخرين بإظهار خلاف المبطن هو آلية دفاعية واجبة (ورد عن المعصوم المهدي المنتطر كما في روايات الشيعة: أن التقية ديني ودين آبائي) . ولربما انتقلت التُقية لتتحول من أسلوب مؤقت أو حيلة دفاعية أو وسيلة لاتقاء شر واقع الى أساس مذهبي نتيجة الاضطهاد الذي عانته تيارات الشيعة المتعددة من السلطات عبر العصور المختلفة كما هي مروياتهم الكثيرة ، والتي تُعلي من حجم الاضطهاد وتضخيمه، وتغالي فيه، وفي الدلالة عليه خاصة منذ عصر اسماعيل الصفوى في فارس الذي شيّع أهل البلاد قسرا، وأدخل على الشيعة كل المظاهر الحديثة التي لا يعترف بها التشيع العلوي كما يفصل بينهما المفكر الكبيرعلى شريعتي ود.على الوردي وأحمد الكاتب وغيرهم الكثير.

 

 ما يهمنا من هذه المقدمة هو أن مفهوم (التقية) هو مفهوم أسلامي شيعي عقدي، وإن نسبوه للقرآن في تأويل لبعض الآيات وهذا شأنهم وطريقهم في التفكير،  فان كان له مسوغاته كما في المذهب الشيعي، فما مسوغاته أو ما  يشبهه لدى الاخوان المسلمين؟ (1)

 

 استطاع الإخوان المسلمين كما ذكرنا أن يرسموا لهم صورة ذات ظلال حزينة وكئيبة (يمكن الرجوع لكتاب زينب الغزالي المُغالي حول عذابات الاخوان وعذابها تحت عنوان: أيام من حياتي كمثال) وساروا في طريق بلا معالم، وبخسران للعالم حال عدم وجودهم في سياقه ، وخاضوا تشكيكا في (اسلامية) المسلمين بدونهم ، فرفعوا أنفسهم كجماعة أو في الحقيقة كفرقة أو"طائفة" الى مستوى أرقى وأجل من مستوى الناس ، فكانوا طبقة فوق الطبقات ، وطليعة تطل من مركبها الباذخ على بحر الجماهير باستعلاء ، وحاولوا بذلك أن يحققوا التماسك التنظيمي من جهة ورد سهام المخالفين (فهم الأعلون)، لذا يجب (ألا يحزنوا)،أذ أن الابتلاء كما ذكرنا ناتج عن اضطهاد وتعذيب وحرمان من "استاذية" العالم ، ما هو امتحان من الله وما صبرهم إلا وصولا "للتمكين" أو الشهادة، والمؤامرات في هذا الطريق كثيرة.

 

 في هذه الحالة الشعورية الناجمة عن حقيقة التعبئة الداخلية أساسا لا بد من ايجاد آليات دفاعية ضد المخالفين أو ضد السلطة أو المجتمع الذي يمدون له حبل المودة من جهة من خلال المساعدات الاجتماعية والمالية، ومن خلال وجه الداعية  المشرق، و(ينعزلون) بمن يناصرهم بآليات التنظيم والتعبئة بعيدا في (صندوق) محكم يتلقى فيه الأتباع ما لا يجب أن يخالطه الثوابت ، ومن هذه الاليات استخدام (التقية) (2) أو الكذب والتبرير.

 

 تزعم غالب القيادات التي خرجت من الاخوان المسلمين أمثال أبو العلا ماضي (رئيس حزب الوسط الاسلامي) ومختار نوح وثروت الخرباوي أن تنظيم الاخوان المسلمين ، ومثله "حماس" ، لا يتورع عن استخدام التقية داخليا (داخل التنظيم) وخارجه فتصبح الممالأة والمداراة والتزلّف صفة مقبولة، كما يصبح الكذب والتزوير فعلا مُجازا. (3)

 

  قال مجدي علي من "الاخوان المسلمين" ما هو منشور على موقع اليوتيوب المرئي «نقبل الديموقراطية التي توصلنا الى الحكم من خلال الانتخابات لكن عند اي انتخابات الشرع يعطينا الحق في تزويرها وفق قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات»؟

 

  ويحدثنا ثروت الخرباوي في كتابه (سر المعبد) عن حادثة تزوير في الاخوان المسلمين في الانتخابات الداخلية لمجموعتهم في نقابة المحامين بالتفصيل ، كما يحدثنا عن لجوئهم للكذب، ويشير بوضوح وبالأدلة بالصوت والصورة لحادثة مع مرشدهم مصطفى مشهور الذي يرفض النقد قطعيا.

 

ويقول القيادي السابق في الاخوان  سامح عيد (كانت الأوامر تصدر لنا بحبس القيادات الجامعية الموكل إليها أمر الترشيحات، وقد شاركت فى إحداها حتى يوافقوا على ترشيح طلاب الإخوان، ولا مانع أيضا من تشويه سمعة المنافسين من أجل العمل على إسقاطهم فى الانتخابات) مضيفا في لقاء له نقله موقع آفاق في 1/8/2013 (كذلك لا مانع من الكذب ما دام فى صالح الجماعة تماما كما حدث فى موقعة الجمل وإعلان البلتاجى من على منصة التحرير بأن هناك خمسة آلاف إخوانى قاتلوا فى هذا اليوم، حيث سأل بعد ذلك الأخ أنور عبد العزيز، من البحيرة الشيخ صفوت حجازي، عن هذا الأمر فقال له : كنا نحاول أن نطمئن الناس فقط.( 

 

يقول الكاتب الاخواني الملتزم محمد بن مختار الشنقيطي منتقدا ممارسات "الاخوان" في مصر من ممالأة او مداراة أو تبرير للنظام ما هو في سياق (التقية) حين وافقوا أثناء الثورة المصرية على مفاوضة اللواء عمر سليمان: ((ولعل من الدوافع التي يمكن أن تكون وراء هذا الموقف الإخواني الغريب:


أولا: الاعتياد على السقوف الواطئة التي اعتاد عليها الإخوان مع الأسف، بحيث لم يعودوا قادرين على الخروج منها إلا بتحول ذهني كبير يوازي التحول الثوري الهائل في مصر اليوم.


ثانيا: التعود على الهوية المنفصلة عن المجتمع جراء ثمانين عاما من العمل التنظيمي والسياسي في الظل، وتلك ظاهرة معروفة في تاريخ العمل السري)) (4) مضيفا ((أن الإخوان بهذا الموقف قد أضروا كثيرا بصورتهم لدى شعبهم الثائر)) ومعقبا بالقول: (إن أسوأ ما يهدم الثورات هو الأنانية السياسية لدى مكوناتها، والتفكير في تحقيق مكاسب لجماعة أو حزب بعينه بعيدا على المصلحة العامة للشعب التي سالت من أجلها دماء الشهداء. ومشاركة الإخوان في المفاوضات مع عمر سليمان دون موافقة الشباب الذين أشعلوا الثورة، وإعلانهم النتائج في مقر كتلتهم البرلمانية بدلا من إعلانها في ميدان التحرير، وتحركهم القانوني لإطلاق سراح سجنائهم.. كلها بوادر مؤسفة تدل على عجز عن إدراك عظمة الثورة وأرجحيتها على أي مصالح خاصة)).

 

 

 وهكذا من الممكن الرجوع لعديد الحوادث التي سطّرها الإخوان السابقين لتبرز أمامنا الحقيقة الجلية التي نقترح تعميمها والتي تقول أن التفكير السياسي في الحركات الاسلاموية ومنها "الاخوان" و"حماس" فيها من النسبي والمختلف عليه الكثير ، وفيها من التبرير والتراجع (تراجع الإخوان عن قرارهم بعدم ترشيح رئيس لمصر ، كما تراجعوا عن وعودهم العلنية بأن يكون عدد مرشحيهم للمجلس النيابي محدودا،....)، والتزوير، ما يجدونه مبررا ومسوغا شرعيا ما هو أشيه بالتقية ، ومرتبطا بتغير الأحوال ما يعني أن استخدامهم للتقنية (إظهار عكس ما يبطن) أصبحت ممارسة قد تجد تجلياتها الأخرى من خلال تعدد الخطابات أوالألسنة، وكما هو الحال اليوم في "حماس" التي إن آمنا أن لا خلافات فيها كما يقول بعضهم فان الاختلافات العلنية تكون بالعقل منظّمة ومتفق عليها، لذا فتغير الألسنة والمواقف والخطابات حول الحديث الواحد أو الموضوع الواحد تصبح سياسة متبعة ، ما يجعلنا نؤكد على اختلاف التعبئة الداخلية المتشددة والاقصائية عن الخطاب الدعوي الليّن (يمكن الرجوع لكتاب درب الأشواك لعماد الفالوجي المنشق عن حماس)، وعن الخطاب السياسي المتلون الذي أصبح من سمات كثير من التيارات الاسلاموية، فيزهو مُزهرا أمام الناس وينكمش في السر ليعمق التشدد والغلو. (5)

 

 نكرر ان عقلية التبرير أو التزوير أو التقية تتفق وتتعانق مع عقلية القداسة والمظلومية والابتلاء وتؤدي الى رفض النقد والمراجعة في رباط محكم. (6)

 

 

الحواشي

 

 

 

 

(1) يقول الشيخ الكليني في كتاب الشيعة الشهير (الكافي)  ج 2 ص 217:  قال أبو عبد الله (عليه السلام): سمعت أبي يقول: لا والله ما على وجه الارض شئ أحب إلي من التقية، يا حبيب إنه من كانت له تقية رفعه الله، يا حبيب من لم تكن له تقية وضعه الله، يا حبيب إن الناس إنما هم في هدنة فلو قد كان ذلك كان هذا)، وتجد مثله  العشرات في ذات المرجع و لدى الشيخ المفيد والشيخ المظفر، ولدى الشيخ الصدوق من كبار الشيعة حيث يقول في كتابه ( الاعتقادات في دين الإمامية) ص 108: وسئل الصادق عن قول الله عز وجل : "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" قال : "أعلمكم بالتقية".

 

(2) السيد شرف الدين الموسوي من أئمة الشيعة يقول في التقية : ( إن اخواننا من أهل السنة ـ أصلح الله شؤونهم ـ يستفظعون أمر التقية، وينددون بها، ويعدّونها وصمة في الشيعة، مع أن العمل بها عند الخوف على النفس أو العرض أو المال مما حكم بوجوبه الشرع والعقل، واتفقت عليه كلمة اولي الألباب من المسلمين......) وبعد أن يستدل عليها من القرآن والأثر كما يرى، يبررها بالقول (مُني الشيعة بملوك الجور، وولاة الظلم، فكانوا يسومونهم سوء العذاب يقطعون ايديهم وارجلهم، ويصلبونهم على جذوع النخل، ويسملون أعينهم، ويصطفون أموالهم....) (فاضطرت الشيعة وأئمة الشيعة عندها إلى التقية مخافة الاستئصال)-موقع عقائد الشيعة الأمامية عل الشابكة.

 

 

(3) يقول ثروت الخرباوي القيادي السابق في "الاخوان" في كتابه (أئمة الشر- الأخوان والشيعة أمة تلعب فى الخفاء) الصادر عن دار نهضة مصر، القاهرة، 2013 عن الاخوان المسلمين  مشيرا لاستخدامهم التقية : ( للتَّقية قصة مع الإخوان، وهذه القصة مستمرة منذ عهد الشيخ المؤسس حسن البنا الذى يطلقون عليه الإمام إلى وقتنا هذا، لم يتخل الإخوان عن «تقيتهم» هذه فى أى لحظة من اللحظات، آمن حسن البنا بها واعتبرها أصلا من أصول العمل الحركى للجماعة، وتَقية الإخوان لا تختلف عن تَقية الشيعة فى شىء، فهم يعتبرونها وسيلة من وسائل «التمكين»، يسلكون سبيلها ليتقوا «الأعداء»، ويتوسعون فيها حتى أصبحت أصلا، تَقية الإخوان والشيعة هى هى، لا فرق بينهما، وهى تختلف قطعا عن «التَّقية الشرعية» فالتَّقية الشرعية هى مجرد فرع من الفروع، بينما هى عند الإخوان والشيعة من الأصول، والتَّقية الشرعية تستخدم مع الكفار لا مع المسلمين، ويقول سيدنا سعيد بن جبير فى ذلك «ليس فى الإسلام تَقية إنما التَّقية لأهل الحرب»، بينما الشيعة والإخوان يستخدمون التَّقية مع غيرهم من المسلمين، والتَّقية الشرعية إنما تكون باللسان فقط، بينما تَقية الإخوان والشيعة إنما تكون باللسان والأفعال.)

 

 

(4)- من مقال الاخواني الملتزم محمد بن المختار الشنقيطي عام 2011 تحت عنوان: "الإخوان المسلمون والسقوف الواطئة" المنشور في شبكة فلسطين للحوار التابعة لفصيل "حماس".

 

(5)-كتب يونس الأسطل من قيادة "حماس" الاسلاموية الفلسطينية الذي أفتى بأجازة قتل منتسبي الأجهزة الأمنية الفلسطينية في غزة عام 2007في تعميم له  في 25/11/2011 (ويكاد صلحنا مع حركة فتح والمجموعات الملتصقة بها في مكة  يحاكي صلح الحديبية ، فقد وقع كل منهما  عند البيت العتيق، ولم نستطع في عامنا ذاك  أن نحج البيت ... فحيل بين حجيج القطاع  وبين ما يشتهون  من اداء  الركن والفريضة! ) ثم يمضي في عملية التشبيه والمقارنة فكتب :(إذا كان القضاء على سلطة قريش  قد تراخى لعامين  لأنها احترمت  الصلح طيلة تلك الفترة  فان القوم هنا – ويقصد فتح والسلطة –لم يحترموه شهرين ' ...ثم مضى حتى كتب '  ثم كان الخلاص منهم في  ثلاثة أيام كما قيل لثمود  قديما : تمتعوا في داركم ثلاثة أيام  ذلك وعد غير مكذوب، ثم أخذتهم  صيحة واحدة  فكانوا  كهشيم المحتضر!!) 

 

 (6)- وفي إطار التقية يقول جمال الطويل من قيادات حماس بالضفة  (أخاطب السيد الرئيس نحن معنيون أن نلتقي معك كي تسير فعاليات ضد سياسات الإحتلال العنجهية حتى نهدأ المخاوف.) ويقول مضيفا في لقاء الاقصى يوم 4/10/2013 (أردنا التواصل مع مؤسسة الرئاسة والناس الذين حملوا الرسالة نرجوا أن يكون فيهم خير، حملوها بأمانة أن هؤلاء الجماعة لا يعملون شيئا ضد السلطة)

مضيفا (نحن معارضة إيجابية وعندما رأينا أجواء إيجابية من الأخ الرئيس ذكرنا ذلك للناس والناس الذين إنتدبهم الأخ الرئيس في لقائنا تمنوا علينا ان تكون وقفة أمام المسجد قلنا لهم تكرمون، أنتم ترون ان تكون هذه وقفة نحن نقول" ماشي الحال " نحن ضد أي صراع داخلي.)

بينما في نفس اليوم وعلى ذات القناة يقول ايهاب الغصين الناطق باسم "حماس" في غزة حول مقال اللحام ان نية عناصر من غزة عمل تفجيرات في سيناء، معلقا بالاتهام كالعادة ولكن أنظر كيف يعرّف الرئيس إذ يذكر اسمه مجردا وهذا مقبول، ثم يقول "من يسمى الرئيس؟!" في مقابل السيد الرئيس بلسان الطويل أي على عكس ما قاله جمال الطويل نفس اليوم، والفرق أن هذا في غزة حيث "التمكين" وذاك في "دار الحرب" في الضفة حيث صراحة الالتفاف والتقية، يقول الغصين:  (ما حدث رسالة صدرت من ناصر اللحام توجهت مباشرة لمحمود عباس يقترح بها أن يتم التحدث بهذه الرواية، الأمر هناك تحريض مباشر لمن يسمى (؟!!) رئيس دولة فلسطين....)

وكمثال آخر يقول مشير المصري الناطق باسم "حماس" من غزة على فضائية أقصى أيضا، في 18/9/2013 عن الرئيس أبومازن (يعيش محمود عباس في حالة نوم مغناطيسي ويجب هز ذلك الرجل من قبل فريق التسوية حتى يعود إلى المربع الوطني، وعليه في "آخر حياته" أن يعود من حالة التيه والضياع الى شعبه).  

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر