لماذا (الاسلامية) زاهرة وترفض الأسر؟ (1)

2016-10-18

    ليس الاسلام كإسلام يعنى بالضرورة ما نفهمه نحن ، وأقصد بنحن فئات الناس أو جماعات المسلمين المتعددة،كلٌ لوحده، وافتراض أن الإسلام يختلف وعيه حسب الأفهام هو افتراض عقلاني لسبب أن الله خلقنا مختلفين في الشكل والجسم والنفس واللسان وبالطبع في طرائق التفكير، وإن أضفنا لذلك عوامل البيئة والتنشئة و التعليم والوعي يصبح لا مناص من القول ما هو منطقي إن الأفكار متعددة عامة ومنها ذات الفهم لمعنى الاسلام.

        إن الاسلام واحد، وحدده القرآن الكريم بكثير من الآيات الكريمة، كما أن الرسول (ص) قد عرّف المسلم وجاء الفقهاء ليعرّفوا الدين الاسلامي بالأركان الخمسة والإيمانيات الغيبية الستة، ما جعلوها قاعدة التعريف للإسلام  وأصوله العقدية المرتبطة بالقاعدة الأولى وهي التوحيد الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، مع ما يشتمله الاسلام من قيم إنسانية وقواعد.

        ما يضاف للإسلام اليوم عدا توقّف التعريف عند حد ما ذُكر هو اعتبار كل شخص أو مجتهد أوجماعة أو جهة أو تنظيم (حزبي/ديني) اليوم في الكثير منهم أنه  لمجرد أن يطلق أو تطلق الجهة على نفسها صفة (إسلامية) -وما هي بالإسلامية- تفترض أن هذه الصفة أو العلامة المسجلة تشفع لها لتطويح عقل المتلقي في الاتجاه الذي تريد، فيصبح الاسلام هو إسلامهم هُم فقط بمعنى الكيفية التي يعرّفونه بها، وتسقط التعريفات للتنظيمات الأخرى (أنظر معارك الميدان والفكر بين التنظيمات الاسلاموية في حرب أفغانستان (1979-1989) وما تلاها، ثم في الجزائر خاصة فترة العشرية السوداء (1992-2002م)، وحاليا في كل من العراق وسوريا وليبيا والسودان وفلسطين ومصر والصومال ونيجيريا...) لأن الجزئيات أو الفروع (الفقهية) عند أمثال هؤلاء تتراكب معا لتصبح هي المحدّد للتصنيف لمن لا يؤمن ب"الشريعة" – كما يرونها – أو "الخلافة" أو "الجهاد" أو"الحدود" أو"الحجاب" أو"الولاء والبراء والاستعلاء"...الخ، بتعاريفهم بالطبع ، فالمخالف عندهم هو إما خارج المِلّة (الدين) أو خارج المذهب، أو هو على الأقل ضمن فئات أخرى مرتدة أو علمانية أو من ذوي الأهواء والبدع أو أي من الصفات التي يطلقونها على المسلم الآخر، لتعنى بعُرفهم اسقاط عضوية المسلم من أمة المسلمين أو في الحد الأدنى من ربقة دينهم الجديد المتمثل بهم والمسمى ضلالا منهم (اسلامية) .

        إن الاسلام نظام كوني شامل، وناموس إلهي توحيدي يتحكم بالبشر والعالمين والكون ، ويفطر الناس عليه كما قال خير البرية عليه الصلاة والسلام  (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، وهذه الفطرة هي الإسلام كما قال ابن حجر نقلا عن ابن عبد البر، وهو النظام الميزان العادل الذي يسيّر الكائنات جميعا، لذا فهي تسبّح بحمده -أفعلها الانسان أم لم يفعل- (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (44) الاسراء)، ومن هنا تظهر كثير من التعريفات الهامة التي تعطي الدين بُعدا عالميا و كونيا متى ما كان التوحيد والاجتهاد من قواعده، وبناء عليه فإن الاسلام هو هو منذ آدم حتى اليوم وإن اختلفت التعبيرات الطقوسية و الفروع.

        أن نتفق مع الأمم الاخرى في الشعائر المنبثقة عن العقائد، وفي بعض اليقينيات الايمانية ما هي أصول أسلامنا فهذا واقع ولكن أن ننفى عن الأمم الأخرى أو الاديان الأخرى امتلاكها نظرة قد لا نقرّها لشكل الوحدانية فهذا ظلم للعقل وعدم وعي بطبيعة الاسلام الكوني، فما بيننا من متفقات الكثير سواء في الأصل أو فيما يجمعنا.

  لماذا نحن مختلفون كمسلمين اليوم؟ وأين من الممكن أن نكون متفقين مع الأديان الأخرى؟ قد يستعجل البعض للقول أن الديانات الابراهيمية الثلاثة (يقولون أنها ثلاثة ومنسوبة لإبراهيم) تتفق بالتوحيد! ما يعزل أديان أخرى تؤمن بالتوحيد على طريقتها ربما بالتعريف ما لا نتفق معه، والأصوب بفهمنا أو رأينا أننا نتفق مع معظم الاديان والأمم بكثير من (القيم) المشتركة بشريا، وكثير من طرق (التعامل) وربما بالتوحيد، وإن اختلفت التعبيرات مما لا نقره ضمن عقائدنا بالطبع، ولهم دينهم هنا ولنا ديننا، ما يجعل المساق الديني مع معظم أمم الأرض (اقترابي) وليس (افتراقي).

   يعود الاختلاف هنا –بعيدا عن العقائد- في النظرة للاحتياجات اليومية البشرية الاجتماعية وسياسات الدول ومفهوم الحرب والسلم...الخ على أساس إنساني عالمي مُباح وخاضع للنظرة المصلحية المتاحة مهما كانت المرجعيات الفكرية وما يُتيحه الاسلام حينما وضع (الشريعة) حيث تكون المصلحة، وحينما جعل الاجتهاد بالتعددية في الفروع أمرا مقبولا وشأن الناس يدخل في هذا الباب،  فما بالك بمن يطرد المسلمين الآخرين من خارج كومته أو جماعته أو مذهبه (أو طائفته) أو تنظيمية لمجرد أنه اختلف معهم؟ في هذه النظرات (الفرعية) سواء لدور الدين في الحياة والسلطة والمجتمع والحكم والسياسية والاقتصاد أو بمدى اتساعه وشموليته ورحابته، أو ببساطة لأنهم يخالفوني في (فهمي –ما أفهمه حصريا بالاسلام حتى بالجزئيات) أنا كشخص أو تنظيم (إسلامي)  لما اعتبره أصول الإسلام؟

        إن الاسلام واحد كما جاء به الله عز وجل في القرآن الكريم وعبر رسوله الكريم، ولكن اختلاف أفهام العقول قد يُعدّد التعبيرات ما دون "الأصول" العقدية وتحديدها، فإن كانت الأصول أعظمها التوحيد فنتفق مع معظم البشرية حتى لو أضفنا لها الكونية والبشرية والتعددية، وإن اقتصر فهمنا على أركاننا الخمسة وعقائدنا الايمانية الستة فميّزنا أنفسنا وهذا ما هو مفهوم وضروري ولكنه لا يتيح بالمقابل إلا الوعي أن درجات الالتقاء مع الآخر المختلف في (القيم) وأشكال (التعامل) أي في الشأن البشري الواسع (لتعارفوا) هي كبيرة جدا ما يجب أن نسعى لتصعيدها لا لتصغيرها أو البحث عن مبررات تضخيمها، ونبني عليها-كتنظيمات إسلاموية عنيفة- بأن نشحذ السيوف لنجزّ رقاب المخالفين! فبدلا من أن ندخل بهم الجنة ببذل الجهد الواسع (الجهاد) لهدايتهم نختار الطريق الأسهل فنجز رقابهم لندخل بهم الجنة؟.

        البحث في نقاط الالتقاء مع الآخر المختلف لا تلغي التميّز، فكل أمة ترغب بتميزها ونحن لنا ما نتميز به في إطار التنوع الجميل الكثير سواء في الطقوس أو المظاهر،والآخرين لهم، ولنا أن نرى فيه اعترافا بحقيقة إلهية ، وقاعدة تقدّر الاختلاف والتنوع والتعدد الذي يجب أن يكون فيه مجلبة لمصلحة الانسان وليس دمارا للروح البشرية، وفي هذا السياق يصبح التميّز عامل قوة لا عامل استعلاء واستكبار ضد الآخر، وإنما عامل استعلاء وبراء من الشر في ذواتنا ونفوسنا حيث الشيطان قريننا وحيث يصبح (الجهاد الأكبر) هو في داخلي و(الجهاد الكبير) هو بالقرآن الكريم وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً-الفرقان (52)، فما بالك من يضع العقدة بالمنشار متعمدا ليعود فيحوصل الاسلام ويقولبه ويفكرِنه (ويؤدلجة) فقط في مجموعة من الأسس أوالقواعد العشرين أو الثلاثين التي يجعلها بقدسية القرآن الكريم والدين فينفى (إسلام) أو (إسلامية) الآخرين لمجرد المخالفة.

        فيما بين البشر مساحات اتفاق واسعة أشار لها الله سبحانه وتعالي في القرآن الكريم حيث الحث على التعارف والتآلف والعمل معا في حقيقة الاستخلاف والعبادة وإعمار الأرض (ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير-الحجرات 7 ) ما يجعل من "الملتقيات" بين الناس أكثر من "المبعّدات" ، وما هو بالفعل حاصل بين الأمم، إلا في عقول القلّة التي تكمن في داخلها وتستبطن العداء لكل ما هو مختلف عنها، ظانّة كل الظن أن مفهوم الولاء والبراء والاستعلاء يعني الحرب على الناس المختلفين (سواء كانوا الكفار أو غيرهم ) وليس على ذات الفعل المتمثل بكفرهم أوضلالهم ما يجب أن نجهد معا لهدايتهم، هذا من الأمم الأخرى لا الحقد عليهم وحربهم وقتلهم.

        في المقابل يدخل مفهوم البراء والقتل حتى ضد المسلمين الآخرين ليصبح الحل في تكمين (من الكمون) الحقد وتوريثه، أو إعمال السيف في الآخرين حين (التمكين) ضاربين بعرض الحائط (الجهاد) بمعانيه المختلفة وبمعناه الأكبر (جهاد النفس) والكبير(بالقرآن)، وضاربين بعرض الحائط الإحسان، وحُسن الدعوة حتى لفرعون ومن هو جبار أكثر من فرعون كفرا وطغيانا وعدوانا؟ ومع ذلك قال الله تعالى لرسوليه موسى وهارون معا (فقولا له قولا لينا لعلّه يتذكر أو يخشى-طه (44) ) لماذا ؟ تصور الرفق والمحبة والبحث عن الهداية وإمكانية الالتقاء لعلّنا نصل إليها، تقول الآية الكريمة معلّلة (لعلّه يتذكر أو يخشى... ) ومن هنا تصبح حتى العدوانية والطغيان والظلم كمبررات للقتال تحتاج لمراحل حتى نصل فيها للإذن بدفع الظلم عبر القتال (كشكل من أشكال الجهاد) وفق الآية العظيمة (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (40 )-سورة الحج).

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر