لماذا (الاسلامية) زاهرة وترفض الأسر؟ (2)

2016-10-20

 

لسنا في حرب دائمة وأبدية ومفتوحة مع الآخرين كشخص أو مجتمع أو جماعات أو دول أو رأي، وما المطلوب منا تجريد السلاح لقتل المخالف مهما كان تصنيفه أو بتصنيفه ، إلا أن اعتدى علينا (ترك العادل عمر بن عبدالعزيز حتى الخوارج لشأنهم إلا إن رفعوا السيف ضد الدولة والمجتمع) كما قال معظم شيوخنا وأمتنا، ومفكرينا وحتى في هذه -أي الحرب وخوض القتال- فإن (التقدير) للأمور يحتاج لعقل راجح ورأي متزن مرتبط بالقيادة (أولى الأمر/الشورى/الديمقراطية) في الدولة وعبر الدستور والقانون، وكل هذا ما دام قد وقع في الفروع الدينية وارتبط بالعقل، وعليه فإنه ب(التقدير) ما هو شأن انساني فأنت قد تصيب وقد تخطئ.

 إن فكرة الإقصاء للآخر المرتبط بمنهج التقديس للذات سواء الذات الشخصية أو التنظيمية (للجماعة أو الفرقة أو الطائفة أو الحزب..) لم يعهده تاريخ معظم المجتهدين والفقهاء والمفكرين في التاريخ الإسلامي الفكري-ألا ما ندر- وهي دخيلة علينا من أقبية فكر فرقة الحشاشين والتنظيمات الباطنية والفكر الخارجي على الاسلام وعلى المسلمين وبدأت تتعملق وتكبر في ظل ماذا ؟ أتعلمون ؟ لقد بدأت تتعملق ليس لوجود المتشددين والأحزاب التي تسبغ على نفسها صفة (الاسلامية) دونا عن المسلمين أو دونا عن العالم، وإنما لأننا رجعنا للخلف بخطوات واسعة فقدّسنا ما كان يجب تنقيته، والأخذ منه وبحذر وفق منهج علمي، ووفق تطور العلوم العقلية والبحثية التجريبية ، ولأننا تركنا العلم وأهنّا (من الإهانة) العلماء والمفكرين والمبدعين والمصلحين والفقهاء المتنورين واعتبرنا أن هذا العلم (الدنيوي) الذي يصنع الدول والأمم والحضارات والإمبراطوريات (ومنها الحضارة العربية الاسلامية فيما مضى) ثانوي (؟!) (فالأساسي هو العلم الديني!) أمام انخراط  شذّاذ الأمة في يأس النهوض والحقد على الآخر وانعدام (الجهاد) باللحاق به، وفكرة أننا الأفضل-نحن فقط بالجنة- ويجب قتل الآخر الأقل منا-فهو بالنار-؟ إذ كيف له أن يتفوق علينا أصلا؟ ونحن أهل الحق لوحدنا؟ إضافة الى انخراط الأمة في الماضوي من التفكير الكسول دون المستقبلي من البناء، وفي إنشغال هوامش الأمة فقط في مبطلات الصلاة والمرأة الناقصة في كل شيء، و(الإسلامية) بالسيف ضد من ينكر (الشريعة) كما يريدونها أو يقولبونها، وكأنها تميمة وأيقونة لم يعد الفهم لها يعني العدل ما يبتغيه الإسلام، ولم يعد الفهم لها حيث مصلحة الناس تكون الشريعة،[1] ولم يعد الفهم هو حسن الاستخلاف وإعمار الدنيا للناس أجمعين بالفيزياء والكيمياء والهندسة والطب والأحياء....، واكتفينا بالتحول إلى شحاذين مستهلكين بؤساء نقتات على إبداعات وصناعات وأفكار ومنتجات الآخرين، وتحولنا الى مخلفات بشرية مستهلكة فقط لكنها ويا للعجب تمتلك من العزّة الفارغة التي لا تدفع للغيرة المحمودة فننهض للعمل والجهاد والعلم، وإنما دفعتنا لأن نظن كل الظن -وهذا كل الإثم أنهم يصنعون لنا فنحن الأطهار ونحن الأخيار ونحن ركّاب الجنة لمجرد أننا مسلمين أو لمجرد أننا مرتبطين بهذه الجماعة المقدسة أو المنزهة أو الاقصائية للآخر أكان مسلما أو غير مسلم؟

        إن الاسلام وحّد والبشرية بالتوحيد والعمل والقيم، وحدها بالإعمار والإنسانية والتعايش والتسامح والمحبة وتكبير عوامل الالتقاء، واستمرار الصراع بين الحق والخير ليمتحن الجميع،[2] وجعل الكون مرتبط به كليا، والمسلمين كما عرّفهم الرسول عليه السلام لهم شروط بالعبادة والإيمان والمعاملات والأخلاق (كان خلقه القرآن) تبغى تحقيق العبادة والتوحيد والإحسان والاستخلاف والأعمار، وليس الدمار بالبحث ولو عن الإبرة في أكوام القش لنجد المختلِف بيننا؟ بينما الحق هو في البحث عن المشترك للنفاذ منه فنجاهد لتكبيره وزيادة أمّة الخير، وهذا هو الفهم (الاسلامي) الواعي حيث تزدان الحديقة بمختلف أنواع الزهور ولا نقتصر على الياسمين فقط ونطرد الآخرين ممن يحملون ألوان الزهور الأخرى.

        إن (الاسلامية) وإن كان المصطلح مبتدعا وجديدا لم يتعامل به المسلمون فيما مضى[3] إلا أنه أصبح متداولا وتعرّف به كثير من القيادات نفسها اليوم كما التنظيمات برغبة التميّز للذات أو الفهم، أو لغرض الاقصاء للآخر والتقديس للجماعة، أو إيجاد مسافة عن غيرها سواء من مذاهب وطوائف المسلمين أو حتى من ذات الطائفة، بل وأيضا من ذات التنظيمات المتشابهة، (أنظر الحال في التنظيمات الإسلاموية في سوريا اليوم من عام 2011- 2015) ومبرر الاختلاف غالبا ما يكون بالشأن الإنساني الذي لا يدخل أبدا في أصول العقيدة أو الأركان،[4] ولكنه يتعملق ويتفكرن (يتأدلج) ضمن (المفهوم) الذي يخصّ ولا يعم، فيصبح هذا الشخص أو التنظيم – كما يظن بذاته – أنه (الإسلامي) وقد يقبل معه على مضض فصائل أخرى أن تحالفت معه في الشأن اليومي السياسي، وما حقيقة جلّ الاختلافات إلا سلطوية دنيوية وتتحكم بها الأهواء الذاتية وحب الرياسة والنزق.

        إن (الاسلامية) إن جاز استخدامها هي تعبير عن عقل انساني منفتح يفهم الدين السمح بسماحته ورحابته ومحبته للذات المتميزة والآخر الانساني والكوني ككل، ورغبته في البحث عن الممكن ونقاط الالتقاء وتكبير حجم "المتّفقات" بيننا وتقليص حجم "المختلفات" والانطلاق نحو قاعدة الإعمار بالعمل، لا التنظير فقط، وبالعمل لخدمه الدين نعم بخدمة الناس، لخدمة الاسلام نعم بالعلم النافع لبناء الدنيا وبناء الآخرة، لا البحث في شوائب القديم الماضوي الرّث، وبعثه بشخوصه دون تمحيص كأنه قرآن جديد نتيجة هذه الأفهام القاصرة والمتعصبة والمغلقة.

        (الإسلامية) هي قدرة كل مسلم بل وكل إنسان إن يتبحّر ، و أن يتصفح وأن يبحث (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا-سبأ46) (أفلا تتفكرون)[5] وأن يتأمل وأن يبدع، وأن يجاهد وأن يسمع فيستجيب، وأن يتعلم ما يفيده ويفيد دينه وأمته، والبشرية وفي الأخيرة "المتفقات" كثيرة ويجب تعظيمها، لذا لن نُقر أن يقتصر المفهوم من تنظيمات السوء الاقصائية أن تحبس الإسلام العظيم في فهمها أوفي معتقلها، وتفترض أن (الإسلام) و (المسلمين) و (الإسلامية) هُم دون سواهم فيما أن الحقيقة هي أن المسلمين كلنا، وفيما أن (الإسلامية) هي أنا ونحن الكلية بعقولنا مهما كان حجم اقتراب أي منا من الدين ومهما كان رأي أي منا السياسي .

        إن تقييد الفهم (الإسلامي) وربطه بفكرة محددة أو (بفهم) قاصر لفصيل أو تنظيم أو جماعة أوشخص هو احتقار واضح لخلق الله ، واحتقار واضح للميّزة والخاصية التي خصّنا بها الله دون سائر الكائنات التي تتميز علينا بالتسبيح الدائم ألا وهي ميزة العقل والميزان، أفنكون كالأنعام بل أضل! كما يقول الله سبحانه وتعالى أم نضئ مشاعل عقولنا بالفكر والتأمل والبحث والدرس والعلم وبالتبيّن والحجة والرشد "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها"(محمد-24 )

 

 


[1]    قال ابن عقيل (السياسة ما كان من الافعال بحيث يكون الناس معه اقرب الى الصلاح وابعد عن الفساد وإن لم يشرعه الرسول   - ولا نزل به وحي) وتضيف الموسوعة الاسلامية الشاملة بالقول (إذا ظهرت أمارات الحق وقامت ادلة العقل وأسفر صبحه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه ورضاه وامره)، وقال الشيخ يوسف القرضاوي:  (أما العبارة التي تتردد على كثير من الألسنة والأقلام اليوم، والتي تقول: "حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله" فلا تؤخذ على إطلاقها، وإنما تقبل فيما لم يحكم فيه نص صحيح صريح، وهذا هو مجال المصلحة التي عرفت لدى الأصوليين بـ "المصلحة المرسلة" وهي التي لم يرد نص شرعي خاص باعتبارها ولا بإلغائها، وقد اشترط للعمل بهذه المصلحة شروطا، أولها وأهمها: ألا تعارض نصا محكما، ولا قاعدة قطعية، وإلا كانت مهدرة ملغاة.)

[2]  يقول الله تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين-(البقرة-251 ) ) وفي الأخرى في سورة الحج   وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً حيث يفسر الشيخ النابلسي الآية بالقول: (هذه الآية واسعة جداً في تعدّد معانيها) ليذكر (وهناك معنى آخر للآية: ربنا عزَّ وجل رحمةً بالضِعَاف يقيم قِوى متوازنة، أحياناً تكون قوَّتان كبيرتان ؛ هاتان القوَّتان الكبيرتان ضمانةٌ للضِعاف، فلو أنها قوةٌ واحدة لأكلت الجميع، من معاني هذه الآية أن هناك توازن في القوى دائماً هو من فعل الله سبحانه وتعالى، رحمةً بالضِعاف، حتى على مستوى غير الجهاد، على مستوى الاقتصاد أحياناً شركتان تنتجان سلعةً واحدة، هاتان الشركتان تتنافسان لجلب المشترين، فكل واحدة تُحَسِّن بضاعتها وتخفض أسعارها، فهذه رحمة، التوازن في كل شيء رحمة، فهذه الآية تشير إلى معنى التوازن) ونضيف للقول أيضا حديث الشيخ د.راتب النابلسي في سورة الحج إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُل

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر