يحيى يخلف .. ودرسان!

2016-12-07

 

        ليس من هو مثلي يقدّم أو يعرّف الكاتب والروائي والأديب الكبير يحيى يخلف "أبوالهيثم"، وليس من هو مثلي من يستطيع انكار أدب ولطف ومنطق الأديب الكبير حين يتجلى في سماء الثقافة نجما ساطعا بلا منازع.

        لقد توارد على خاطري مرارا أن أكتب عن أبي الهيثم موضوعا فكريا ثقافيا وذلك في عديد المرات، ولكن تواضع القلم أمام العمالقة الذين سبقونا يجعله ينكمش ويتوب عن الصرير فيتوقف عن البوح فمن أنت؟ وأين هو!

        في المجال الأدبي – الفني الغني بالثقافة والفكر لك أن تتلفع بعباءة أبي الهيثم ، ولك أن تتحول إلى (شيعي إمامي اثنى عشري) فتقتدي به منذ عرف قلمك لون الورق، ومنذ أن ذاق لذة الكتابة على أجنحة الفراشات.

        فالرجل الذي كتب: نجران تحت الصفر ، وجنة ونار، وماء السماء ، وتفاح المجانين ، وتلك المرأة الوردة ، والكثير الكثير مما يعرفه العالم بكل اللغات، فانهم يعرفونه أيضا حين يعالج في روايته الأخيرة "راكب الريح" شقاءات (المنفى في أطواره المختلفة) ويكتب (تاريخ ما بعد فلسطين مازجا بين المتخيل والوثيقة) وذلك لهدف (بناء الذاكرة والحفاظ عليها) و(لتوسيع حدود الرواية الفلسطينية) كما يسجل فيصل دراج ذلك له.

        هذا الأديب والمثقف الكبير عرفته في تونس لأول مرة عندما كنت أعمل مع الأخ أبوماهر غنيم في مفوضية التعبئة والتنظيم هناك، عرفته حين صعد المنبر سياسيا ومثقفا ومحاورا في ندوة مهيبة أقامتها مفوضية الدراسات والتعبئة الفكرية في حركة فتح فوضع الثلاثة الكبار من قادة ومفكري الثورة وحركة فتح على المنصة: صخر حبش وعثمان أبو غربية ويحيى يخلف في تلك الندوة تعريفاتهم للمثقف والثقافة بأسلوب السياسي والأديب معا، فتعلمت منهم درسا ثمينا.

       فبحثت طويلا وتقصيت وانطلقت معهم في عالم الفكر والثقافة، وقرأنا الكثيرالكثير لكتاب وعمالقة ولا نزال ، ولا ينصرف عن ذهني اليوم قول المفكر العربي مالك بن نبي الذي رأى في السياق أن (الثقافي يعطي نفسا جديدا للفرد داخل المجتمع ويدفع في اتجاه تفجير الطاقات حتى يصبح معطاء وتواقا ومتفائلا نحو المستقبل لبلوغ الأهداف النبيلة) 

         في ابي الهيثم تتقاطع الشخصية في تراكيب متعددة، فهو المعاصر الفاعل لكل مفاصل الثورة وحركة فتح، وهو إذ تسلم عديد المهمات وعشرات المواقع المتقدمة كان جديرا ان يكون في الصف القيادي الأول، الذي فضل غيره عليه بقوة وعميق وعي وكثير تأمل وصدق انتماء.

        التقيته قبل أيام من المؤتمر السابع لحركة فتح في  شهر 12/2016 في رام الله يجالس من المثقفين والأدباء من يريد أن يتتلمذ على يديه مثلي، وكنت أتصوره سيرشح نفسه للجنة المركزية لحركة فتح والتي هو بعلمه وفكره وأدبه وثقافته أكبر منها، ودون أن أنبس بننت شفه فاجأني بالقول أتمنى النجاح لمؤتمر الحركة وأنا شخصيا تجازوت السبعين ولن أترشح للجنة المركزية ، وكان السبب وهو الدرس الذي ألهمني الكثير من الأفكار والمفاهيم، اذا قال (يكفيني فخرا أن يشار لي بالبنان من البعيد ، فيقولون هذا كادر من حركة فتح) بعبارة دللت على عمق تربوي تعبوي تثقيفي يجعل من (العضوية) في التنظيم السياسي هي حجر الزاوية بعيدا عن صخب الرتب والمناصب من حيث ما يستلزم منها أن تقدم من (مساهمات) تطوعية تعود على العضو بأن يكتسب الدور والمكانة والاعتراف من الآخرين وليس بعقلية الموظفين البائسين المحنطين الذي ينظرون عند مواقع أقدامهم ولا يستطيعون التقدم إلا متى كانت المكافأة تسبق الخطوة فيجمدون ويتكلسون وينتكسون.

        كان الدرس الأول لي من أبي الهيثم العظيم بفكره وأدبه وتواضعه والثقافة والأدب وفن القضية من أكثر من عشرين عاما ، وكان الدرس الثاني في معنى وحقيقة وأهميته (العضو) في المجتمع والتنظيم السياسي من حيث هو فعال مجدّ يضع روحه على راحته ويجاهد ويقدم بلا ثمن فيرتفع به التنظيم ، ويسموان معا.

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر