حركة فتح ما بعد عاصفة المؤتمر! 1/2

2016-12-10

 

 

حين تتصارع الأفكار فإن تلك الأفكار التعِبة المجهدة منها سرعان ما ترتبك أو تستسلم، وتركب خيل السباق الأفكار التي تختار لها من الجياد الأصيلة.

 

تقف الأفكار الأصيلة لكنها (التطهرية) حائرة لا تدري السبب في التراجع؟ فلم يتم تبنيها! أهو لخطأ في ذات الأفكار المحمّلة بالقيَم وأسس النظام ونسيج العقل وخريطة المرور؟ أم أن الخطأ في (حملة المشاعل)؟ أي حملة الفكرة الصلبة حين تتجاذبهم أحلام السلطة الوردية أو اغراءات السلطان القرمزية، أو عصاه الغليظة!

 

ولربما تحتار الأفكار التطهرية الى ان تنكمش أو تُهمّش. (الافكار التطهرية بتعريفنا هي تلك الأفكار التي ترى ذاتها صحيحة لأنها مرتبطة بالقيم والاخلاق والجماهير والوعي، ولكنها تفتقد الأسلوب الثوري في التعامل).

 

حين يبدأ الاستعراض لا تستطيع هذه الأفكار أن ترسم لذاتها خطا مقروءا، إذ تكتشف أنها حتى لو كان لها خط واضح ومقروء فإن المستهدفين من الجمهور لا يقرأون أصلا! فهم قد طلّقوا عقولهم، وأجّروا أدمغتهم، فأصبحوا أجسادا بلا أرواح، أو فتات صخور كواكب أصابتها لوثة كونية فتشظت وتناثرت...فرِحة!

 

كان الحوار حادا وثقيلا بيني وبين أحد الأخوة الأصدقاء حول حزب جبهة التحرير الجزائرية، وهو إذ حاول أن يفلسف المآل الذي وصل اليه الحزب من صراعات شديدة وتباينات خطرة -استخدم فيها المال والبلطجية والسلطة- وهو الحزب المناضل الذي أطلق شعلة الثورة الجزائرية، فإنه حاول التمييز بين ثلاثة اتجاهات رئيسة في الجبهة، الأول هو السلطوي الاستبدادي، والثاني هو الاتجاه الجذري الثوري كما أسماه لكنه التطهري، والثالث هو الاتجاه الإمّعي (من الإمعة الذي يميل حيث تميل الريح فلا عقل ولا رأي ولا تدبير) الذي يتصبب عرقا وهو يجري خلف السلطوي الاستبدادي، ويغيّر قِناعه فيبدو بقناعات مغايرة عندما يقف في مواجهة الاتجاه الجذري محاولا التمظهر برداء التلاميذ الذين ينهلون العلم، لكن عقولهم كالسنابل الخالية تسبح في خيالات اللذة المشوبة بالبِطنة، وبريق العيون حين تلمع على باب رب الأرباب، أو عندما يلمح طيف خدمِهِ أو زبانيته.

 

كان الحوار جادا وحادا بيني وبين الصديق لأني رفضت المقارنة الاستنساخية للتجارب خاصة بين النتيجة التي وصل لها التنظيم الثوري الجزائري حين تحزّب، وبين حركة فتح الحائرة دون توازن بين التنظيم الثوري وعقلية الحزب السلطوي.

 

كان المؤتمر السابع لحركة فتح في نهاية العام مؤتمرا براقا ومثيرا، ومضللا بنفس الوقت، فبريق المظهر وكم الاثارة التي ترافقت معه لربما طغت على كثير من الغموض والتضليل، عبر سيل الخطابات التي قدمها أعضاء المؤتمر مُغفِلين أومؤخرين عرض الفكرة أو الانتقاد والمراجعة ليقدموا ذواتهم كأولوية طغت على الأهداف الحقيقية لعقد المؤتمرات، ومع ذلك ظهرت مجموعة من الايجابيات الهامة التي لم يكن ليتوقعها الكثيرون في مقابل تكريس عدد من الأبعاد السلبية.

 

 كان من المتوجب علينا أن نصارع ونقاتل ونعمل بشدة داخل الحركة، وإن بطريقة موسى وهارون مع الفرعون (فقولا له قولا لينا) لتغييرها، ولكننا فشلنا فشلا ذريعا أو لم نستطع أن نقدم النموذج الذي يحتذى به، فانبطحنا أمام الأنا العليا فينا.

 

في المؤتمر السابع لحركة فتح تصارعت الأفكار مع المصالح، والمصالح الآنية مع تلك الآجلة، كما تصارعت الأجيال بقسوة، كما كان للمناطقية دورا انتهازيا، بل وكان الصراع شديد الوطأة بين خط السلطة/الحزب، وخط الثورة (تري مثله بوضوح في كافة الفصائل الفلسطينية أيضا) حتي أسفرت المعركة عن فوز أحدهما على الآخر ربما بالضربة القاضية.

 

ان من ايجابيات المؤتمر السابع لحركة فتح أن كرّس ضرورة عقد المؤتمرات وربما دوريتها لاحقا، كما كرّس قدرة حركة فتح على تجاوز الأزمات والصعاب سواء الخارجية (الضغوط) أو الداخلية (التمرد،والتجنح،والمشاكسة) فعلى الرغم من كثير أخطاء وعثرات شابت التعامل مع المتمردين إن شئت، فإن حركة فتح التي ترفض التجنح أو الانشقاق أو التشرذم اعتادت التسامح مع الاستبداد فيها اتقاء للفتنة او التشرذم وذلك على حساب الديمقراطية والنظام (القانون)، ولربما كان هذا امتدادا لعمقنا التراثي الحضاري العربي الاسلامي الذي يعتبر (الفتنة أشد من القتل) فيوالي السلطان الفاجر ولكنه القوي اتقاء للفتنة، وفي سياق أن دفع الضرر أولى من جلب المنفعة حتى في الشأن العام والأمور السياسية.

 

تمكنت حركة فتح أن تظهر موحدة رغم أنف الحاقدين، ورغم أنف الشامتين المنتظرين بلهف لتشظي حركة فتح، او حماس او الشعبية، ليصعد ألعوبة الامريكي أو الاسرائيلي بديلا عنهم،ظهرت موحدة ما يحسب لها باحترام وحُسن تقدير، إذ أمسك الرئيس أبومازن بالزمام وقاد الخيول بكفاءة -اتفق البعض مع منهجه أو اختلف- فإنه كان معلّما قطع بعمله هذا رقاب الفتنة، بل وأسكت بعض ألسنة الحق ذاتها فلم تواجهه خوفا وطمعا وليس رجاء، الا ان الكامن تحت السطح البارز لجبل الجليد كثير مما لا يستطيع المؤتمر السابع أو آليات وطرق الإدارة الخائبة، والقيادة الحالية أن تتغافل عنه أو تتجاوزه أبدا... ما يوجب عليها البدء سريعا بورشة عمل لحلّه من أسفل الى أعلى.

 

استطاعت حركة فتح التي جدّدت لغالب قيادتها السابقة دون جهد كبير، أن تكرس احتراما للقدماء والروّاد بعقلية الدراويش والمريدين التي تميزها حتى الآن، ولكنها لم تستطع أن تخرج من إطار الأنا والشخصنة والارتباطات الضيّقة، فلم تفرز ارتباطات متمحورة حول الفكرة أو الرأي السياسي أو الموقف الصلب،كما ان معظم من شارك بالمؤتمر افترض بذاته قامة متساوية لزملائه حتى لوكان زميله متقدما عليه بآلاف الخطوات، فوقع المحذور والمحظور إذ تنافس الصغار على الموقع المظنون به الكثير مما هو هراء ووهم، فنجح تكتيك الكبار، وتعملقت الأنا وروح الاستبداد فينا.

 

نجحت حركة فتح بتقريب الأبعاد بين التجارب النضالية الرئيسية (تجربة القواعد/التنظيم بالداخل أو بالخارج/الانتفاضة والمقاومة/المعتقلات) وربما بشكل جزئي، ولكنها لم تحقق اندماجها مطلقا كما كان للتجربة الحديثة وهي الخامسة اي تجربة (السلطة) ان تسيطر وتهيمن حتى على هواء المؤتمر...تقريبا بشكل كلي.

 

مع كثير ايجابيات ارتبطت بالصورة، خاصة تلك التي وقف فيها الاخ الرئيس ابومازن مع أعضاء اللجنة المركزية المنتخبين، ومع خطابه الشامل كرئيس دولة، ومع تقديمه والمؤتمر التقدير للقادة المؤسسين (أبوماهر وأبوالأديب وأبواللطف)،ومع شفافية الانتخابات المشهود لها، إلا أن السلبيات تأبى الا أن تطل برأسها ما يحتم علي أخوتنا باللجنة المركزية (واختنا دلال سلامة) أن يعيدوا حزم أمورهم وطرق ادارتهم وطريقة تعاطيهم مع أصل الحركة، ومع قلب الحركة، وعيون الحركة.

 

إن أصل الحركة فكرة التحرير لفلسطين، وقلب الحركة النابض هم الأعضاء، وعيون الحركة هم الجماهير، فبدون القدرة على اعادة تجديد وبلورة الفكر الفتحوي النهضوي التقدمي نسقط في فخ الجمود والتكلس والتراجع، ونصبح أسرى الاستبداد والسلطوية والاجتهادات الشخصية، وهيمنة الفرد الإله فقط في أي موقع كان.

 

 وهذا يقتضي منا أن نتعلم أن نحني الرؤوس في الصلاة فقط لله عز وجل دون غيره (يا داوود انا جعلناك في الارض خليفة فاحكم بين الناس بالعدل.....اني وليت عليكم ولست بخيركم فان أحسنت فأعينوني وان أسأت فقوموني)، ويقتضي ان نؤمن وننضبط ونلتزم ب(النظام الداخلي) والقرارات المتخذة أصولا، وبقيادتنا ما أحسنت، وأن نلتزم بقيمنا الجامعة، وبالنقد الشخصي للأداء في داخل أطرنا فقط.

 

لقد فشلنا بالمؤتمر أن نضع ضوابط نظامية تكبح جماح اللجنة المركزية إذا أساءت، أو أخطأت في مواضع كثيرة فنقوّمها، وفشلنا بتكريس أداة رقابة فاعلة، بل ان المؤتمرين -وانا منهم- لم يكلفوا أنفسهم أن يحاسبوا أعضاء اللجنة المركزية على كثير أخطاء تراكمت عبر السنين في منهج السياسة وتشابك دهاليزها، وفي الإدارة، والانتخابات المختلفة، وفي التنظيم ومخرجات العمل، ووقفوا مبهوتين مبهورين، فسقطنا عند حدود الخطابات واستجلاب الأكف اللاهبة بالتصفيق التي طغت على الحس النقدي لدينا، هذا الحس النقدي الذي كان مجاله الحقيقي في هذا المؤتمر، وفي المؤتمرات الحركية، والاجتماعات عامة لا في الدواوين والمقاهي، أو على صفحات التواصل الاجتماعي التي تتحول لنزيف أفئدة، وردح، وسخرية وسوداوية، وأدعية دون قطران.

 

ان عبقرية السقوط هي النتيجة الحتمية لاستراتيجية الفشل، ولا تأتي استراتيجية الفشل الا في حالة الترنح ما لا يحتاج من اصحاب العبقرية هذه نتيجة افتقادهم الوعي والرؤية الصحيحة الا دفعة قوية نحو الهاوية.


ان عبقرية النصر هي النتيجة الحتمية لاستراتيجية المقاومة، ولا تبرز استراتيجية المقاومة الا في حالة الوضوح مع الذات والجماهير وحين امتلاك الرؤية الصحيحة،ما لا يحتاج من اصحاب العبقرية الا دفقات متصلة لا تنتهي الا بالنصر، النصر الذي هو مبرر الصمود والرباط وهدف تراكم الدفقات.

 

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر