موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

هي لا ترضى!


 

 

         أجاور ذاتي والتجئ لقوقعتي، فلا أطيق سماع الصراخ أو الأنين، اتحفظ دوما من صخب الذئاب وشكوى الثعابين الرقيقات الفاتنات، فحين ارتطم بالحائط تكون الدنيا قد أشاعت ذكري... والمنايا قد تجاوزتني.

        كنت لها الطالب المجدّ الجَسور أجاور ذاتي والتصق بكثير من الذكريات والنوايا وجميل الصور لأنني حين أصطدم بالذئاب اقاوم، ولكنني لا أطيق العواء... وحين تداهنني الثعابين بملمسها الفتان وأنينها الكذاب... ارتقب الألم وكثير من الأقفال على شذرات البهجة والمسرات التي اشتهي استدعاءها.

         خارج القوقعة لا تجد ألا حطام النوايا وزجاج الأنين، ولا تسمع إلا غضب الحسد وشكوى التشفي أو ردح الليالي القاتمات ورغبات النفس الممزقة.

         لا ترضى! حتى لو اشتعلتُ حيا، أو تحولت لصراف آلي لا ينضب، إنها لا ترضي حتى لو كان من العواطف والنداءات بعدد حبات المطر أو أوراق الشجر، لا ترضى... فلست عندها إلا قنطرة أو إجازة مرور للرغبات الحبيسة والحسيسة واللزوم اللذيذ. هي لا ترضى ولا تتوقف عن الشكوى والتذمر والأنين ولا تكل من العواء ولا عن الفحيح.

         هي لا ترضى، حتى لو اشتعلت ،من رأسك حتى أخمص قدميك، لتنير لها درب السعادة الموهومة... فسعادتها في شقائك ، وشقوتك عندها مطلب أثير وسعي محموم لا يهدأ حتى يشتعل.

         عندما يكون مصدر "الرضا" الحسيّات المادية المرتبطة برغبات وشهوات فإن القائمة مفتوحة، وعندما تكون النفس وضيعة أو مغلّفة بعُقد النقص فإن الجسور مهما مُدت أمامها لا تكفي... فدوما هناك المزيد، ودوما لسان حالها:هناك الأفضل منى.... وما عليك أنت إلا الاحتراق.

         لا ترضى تعني أنها لا تكتفي، لأنها تعتصر منك سر الحياة، وتركب مركب أفكارك الهادئة فيضطرب، وتهدّ انفاسك الثقيلة... وتُشقي روحك التي لطالما أمِلت بالسمو... فتتيه فرحا، هي لا تكتفي ولا ترضى فدوما هناك المزيد، ودوما هناك ما يشقيها ويزعجها ويؤرقها ويؤلمها ويغضبها... فلا ترتاح من غضب إلا بانزعاج ، ولا وتلتذ بالأرق ولا تقبل انحسار الوجع.

        فهي لا تعيش إلا في سلسلة متلاحقة من الغضب والحقد والألم والنظرة الفارغة... التي تعمل كشاحن يومي لبطاريتها البائسة، التي سرعان ما تنفذ، وما عليك أنتَ إلا ان تنسحق وتحترق وتذوب يوميا حتى تستطيع هي أن تكدّس الغضب والانزعاج والإزعاج واليأس والغرق الذي تعود لتلتقيه في وجهك من مختلف الزوايا وبكل الصور.

         هي لا تكتفي فلا ترضى وهي لا ترضى لأنها تقارن فهي دوما في محيط القلق غارقة، لا تعرف للطمأنينة أو السعادة طريقا... تلعق أصابعها المغمسة بالسكر لعل الايام معها تحلو ولكنها لا ترضى ، وهي لا ترضى لأنها لا تكتفي ، وهي لا تكتفي لأنها لا تقوى على البهجة ولا تجد للحب أو العطاء او السكينة معنى.

         هي لا ترضى من الحياة ...إلا ببيت كبير كبيت فلانة أو بأثاث لا يقارن أو بقصر منيف، ومع ذلك لا تكتفي فهي تبغض من لديه قصر أجمل أو أكثر اناقة. وهي لا ترضى أن تكون أقصر أو أطول أو أحدث أو أعتق أو أوثق أو أجمل أو أنسب أو أحسن ...فدوما هناك من لديه الأكثر في كل ذلك؟! وهي إليه في سعى محموم يحركها الحسد والغضب وشعور النقص والقلق والنظرة المتحسرة.

        هي لا تكتفي وتظل أنت الشاحن الذي يشتعل حتي حد الاحتراق ليزودها بطاقة الغضب الذي يأكل جسدها ليل نهار فلا يبقى منها.... إلا ظل امرأة.

       أجاور ذاتي والتجئ لقوقعتي، فأنا لا أطيق سماع الشكوى الباكية ولا مطالب الموتى الأحياء وأكاذيب الأنفاس الباهتة والنظرات الرمادية... أطلب هدوء الأكفان وراحة التابوت...واتحفظ دوما من صخب المفترسات ورقة الفاتنات.... ارتطم بالحائط يوميا ممنيا النفس بالخروج... لكن المنية دونها لطالما تجاوزتني.

 

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر