استغلال أماكن العبادة في ثقافة التنظيمات الاسلاموية ح6 من الثقافة الاسلاموية

2017-01-15

 

 

في سلسلة من الحلقات حول (الثقافة الديمقراطية لدى التنظيمات الاسلاموية) بدأنا   بالحلقة الاولى حول مفهوم الديمقراطية كما نراه، لننتقل لاحقا حول الكيفية التي تعامل بها الاسلامويون مع المفهوم في الحلقة الثانية حيث نرى الخلط والرفض وتذبذب القبول والتمنع، وفي الثالثة تحدثنا عن تناقض العنف مع الديمقراطية وفكر قطب والمقدس وفي الرابعة حيث التطور البطيء والثبات اما بالخامسة فعن آليات الجذب الدعائي/الاعلامي والتسويق النفسي ، وفي السادسة نتحدث عن استغلال اماكن العبادة والتشويه والطعن المقدس للآخرين.

 

 

استغلال أماكن العبادة  

        يتم ببساطة استغلال المساجد من كافة التيارات الفكرية لأنها تفترض (وصيتها) على الدين، وبالتالي على الناس، وما دام المسجد هو قناة التوصيل الأساسية التي تخاطب الجمهور السلبي المنصاع فإن الاستيلاء عليها يصبح هدف أساس لا لعبادة الله وليس للعلم وليس للدعوة وليس للوحدة (كما يرى الشيخ عبد العزيز عودة في غزة في تعريفه لوظيفة المسجد بأنها للعلم أو الدعوة أو الوحدة) وإنما كمنصة جاهزة ومنبر للدعوة الحزبية/السياسية، مهما تغطت برداء الاسلام الفضفاض والذي ينقشه كل حزب بألوانه وخطوطه المختلفة.[1]

        إن نموذج الاستغلال للمساجد في فلسطين – كما هو الحال في دول العالم الأخرى حيث تتواجد الاحزاب الاسلاموية – كان بارزا ما قبل دخول فصيل "حماس" بالانتخابات، كما كان أكثر ظهورا بعد  دخولها الانتخابات التشريعية حيث تحول الاستغلال للمساجد من دعوات مبطنة على المخالفين بالويل والثبور وعظائم الأمورالى دعوات صريحة ارتبطت بافتكاك حماس للمساجد في غزة من أيدي التنظيمات الأخرى وبالقوة وخاصة تنظيم الجهاد الاسلامي والسلفيين ما بعد الانقلاب الدموي على غزة عام 2007. [2]

إن مجرد صعود قائد سياسي من فصيل ما وبشكل دائم  (كل جمعة) على منبر الرسول ليلقى خطبة فهو استغلال حزبي-سياسي بشع للمساجد بلا شك، فما بالك عندما يصعد أكبر قائد حزبي لفصيل سياسي أو أحد طاقمه على هذا المنبر ، أنه سيتحول قطعا لدعاية حزبية صريحة تبتعد عن (المساجد لله) لتتحول الى (المساجد لدعوة الحزب) أو (المساجد للأشخاص) تماما كما دأب قادة حماس على الفعل لعشر سنوات حتى الآن.

السياسة والمنبر

        يعتلي اسماعيل هنية نائب رئيس المكتب السياسي ل"حماس" (ورئيس الوزراء الفلسطيني سابقا) أحد منابر مساجد غزة كما يعتلي غيرها من زملائه فيعبرون عن مواقف حزبهم السياسية ليحرضوا الناس على تبنيها باعتبارها من الاسلام فهم يتحدثون على المنبر، وما أشد شناعة واستغلالا من ذلك أنظر فقط كمثال لما يقوله هؤلاء: (قال إسماعيل هنية، نائب رئيس المكتب السياسي لفصيل حماس، خلال خطبة الجمعة في غزة في 5/8/2016 "ندعو إلى التمسك بإجراء انتخابات مجالس الهيئات المحلية للبلديات في موعدها المقرر في أكتوبر المقبل" قائلا "أمام الدعوات لتأجيل أو تعطيل أو إلغاء انتخابات البلدية فإننا ندعو للذهاب لهذه الانتخابات بقوة وبمنافسة شريفة".)[3] وما شأن عباد الله في المسجد بموقف حماس بالموافقة من عدمها وهل لو كان الموقف غير ذلك ماذا سيكون الفعل بالطبع مغايرا، ما يعني العبث بعقول المصلين لمصلحة حزبية ليست بالضرورة تعني كل المصلين.  [4]

وقال القيادي في فصيل "حماس" إسماعيل رضوان خلال استغلال السياسة للمساجد في خطبة وصلاة الجمعة من مسجد فلسطين في غزة بتاريخ 22/7/2016 منظرا لموقف فصيله الذي قد لا يتفق معه به المصلون :(فخامة الرئيس أردوغان حفظه الله ورعاه وقف مع القضية الفلسطينية وأن الشعب التركي ضحّى بدمائه في سفينة مرمرة من أجل شعبنا الفلسطيني فجاء لكسر الحصار)....وهكذا.

        لقد استطاعت "حماس" منذ استيلاءها على السلطة في غزة بقوة السلاح عام 2007 من تأميم المساجد لصالحها من الفصائل الأخرى، ومن لم تلتزم بذلك كحالة الشيخ عبد اللطيف آل موسى كانت المواجهة العسكرية وقصف المساجد وقتل الشيخ ورفاقه هو الحل، حيث وقعت مجزرة دموية في مسجد ابن تيمه في رفح على ادعاء "حماس" أنها تواجه تيارا سلفيا متطرفا، بينما يشير رفاق الشيخ الى مشاكل مالية لهم مع حماس، عوضا عن سعي حماس لانتزاع المسجد من جماعة الشيخ عبد اللطيف آل موسى الذي طالب في خطبته قبل مقتله بيد "حماس" طالبها (إن أرادت البحبوحة والسلامة عدم الإقتراب من مسجد بن تيمية).[5]

        بغض النظر عن حقيقة تصفية الشيخ ورجاله داخل المسجد في مدينة رفح بشكل عنيف ووحشي، أو في بيته بعد قصف المسجد في 14/8/2009 فإن الحقيقة الناصعة أن سيطرة "حماس" تمت، وهي التي تجوب غزة تفتش على المخالفات وتجبر الناس على دفع الضرائب الباهظة والإتاوات ، وتجوب الخط الفاصل بين قطاع غزة والداخل الفلسطيني (اسرائيل) لتمنع أي (معتدي) بإطلاق النار أوصاروخ أو حجر ضد العدو، بعد كل حرب من الحروب العدوانية الثلاثة للاحتلال الصهيوني على غزة،  ولم تنفع مع "حماس" في ردعها الصلوات للجماهير في العراء لعدة أسابيع، فاستقر الوضع في المساجد لدعوة "الاخوان المسلمين" فقط.

فتاوى "حماس" والتحريض :

        لم تكن الديمقراطية لدى غالبية التنظيمات الاسلاموية لتعني إلا قنطرة يعبرونها للتمكين الأبدي، والتنفيذ وهو المرحلة الثالثة بعد مرحلتي التعريف والتكوين ، لذا فإنه يصح استخدام (التقية) أو الفتاوى للتخلص من المخالفين فهم المنافقين أو العصاة أو العلمانيين أو الكفرة أو أتباع الغرب الصليبي او المتآمرين الخونة الذي يجود فيهم حد الحرابة.[6]

        في الفتاوى و (الرؤى) الخيالية رأينا العجب العجاب في مصر فترة حكم الاخوان المسلمين ، ورأينا من "حماس" التهليل لوصم المخالفين بأنهم (خونة) أو (كفرة) أو (منافقين) مع ما يستتبع هذا الوصف من رحلة لدمائهم تماما كما كان التحريض السابق على الانقلاب عام 2007 والذي لم يتوقف حتى اليوم على لسان محمود الزهار وصلاح البردويل وفتحي حماد بشكل أساسي.(أنظر دراستنا في التعبئة الداخلية للإخوان المسلمين وحركة حماس).

        ونموذج فتاوى يونس الأسطل في "حماس" صارخة إذ ينسب له أنه أفتى بقتل ملازم فما فوق في قوات الأمن الوقائي في غزة إبان الانقلاب عام 2007 وإن لم نعثر على مصدر يؤكد المعلومة، فإننا عثرنا في مواقع "حماس" على نفي لها، لكنه في الشريط (يوتيوب) الموزع على الشابكة يقال ما هو أشد من ذلك في استحضار للآية الكريمة (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك)  حيث يأتي الرد المعاكس من احد مفتيي حماس (لأن بسطت إلي يدك لتقتلني... ساقطع عنقك.)

        وكي لا نذهب بعيدا في التاريخ القريب فإن المذكور في شهر 8/2016 قد كفّر الديمقراطية علنا مُرجعا الامر إلى أنه (لا حكم إلا لله) وكنا قد رددنا عليه في ورقة منفصلة شارحين معنى الاستشهاد المنبوذ من الامة المنسوب للخوارج في مقولة (لا حكم الا لله).

        ما أريد قوله أن الفتاوى مقترنة بالتعبئة الداخلية لفصيل حماس الذي يتلوّن في طرق طرحه للأسف أي في خطابه (وثقافته) فيقول لشعبنا في فلسطين ما يظن أنه يستسيغه من (دعوة اسلامية ومقاومة) ويعطي للعالم موافقة على التفاوض والاعتراف وعلى الدولة الفلسطينية في حدود 1967 (انظر لقاء خالد مشعل مع صحيفة DNA)[7] وفي المقابل يعطي الاسرائيلي أمنه على الحدود استنادا لاتفاق 2012 تحت رعاية الاخوان المسلمين ابان حكمهم مصر فيمنع ويعتقل ويطلق النار على (المجاهدين) الذين يجرؤون على اطلاق الصواريخ من غزة!

        لا تكف حلقات الاخوان المسلمين الداخلية على التعبئة ضد المخالفين (انظر كتاب عماد الفالوجي عضو المكتب السياسي السابق لحماس[8] ، وأنظر عن الاخوان المسلمين المحامي مختار نوح والمحامي ثروت الخرباوي ، ونائب المرشد العام السابق للاخوان في مصر د.محمد حبيب) وفي جميع الاحوال تنطلق التعبئة من زاويتين رئيستين الأولى: هي التلميع والتضخيم، والثانية هي التشويه والمغالاة، فحيث يقع الحدث من قِبَل الاخوان أو أي من فروعها مثل حماس يتم تضخيمه إن كان ذو تأثيرات ايجابية أو العكس إن كان سلبيا، ويتم تلميع القائمين عليه عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت متنفس الاسلامويين عامة.

 

 

 

التشويه والطعن المقدس

        اما التشويه فهو لتصريحات الآخرين أو مواقفهم أو مقالاتهم عبر الطعن في ذات الشخوص وخلفياتهم لا النقد لذات الموضوع أو الرأي بل وينطلقون بالتشويه لحقل ملئ بالمخاطر يدوسونه بلا تأنيب ضمير هو حقل الردح والشتم والبذاءة وحقل التكفير وحقل التخوين  على الاعلام ومنصاته المختلفة (تابع قناة أقصى التابعة لحماس – غزة، أو تابع تصريحات صلاح البردويل القيادي في "حماس" بشكل أساسي ، وأنظر غيره الكثير).

        إن الترابط بين التشويه والمغالاة أو التطرف في التعامل مع الآخرين يقابله كما قلنا تلميع وتضخيم (على درجة التقديس أحيانا) للشخصيات الاخوانية وما يقوله وتفعله فلا غنى عن (الامام) حسن البنا و(الشهيد) فلان والأستاذ أو الدكتور فلان في تنويه يسبق اسمه فالإمام هو (المرشد) وأعضاء مكتب الارشاد هم الأساتذة لاسيما أن الاخوان المسلمين يسعون إلى (أستاذية العالم).[9]

        إننا من الممكن أن نرى التعبئة الداخلية في "حماس" والاخوان المسلمين تتناقض مع الثقافة الديمقراطية في أكثر من نقطة وإن لخصناها دون شرح يمكننا القول أنها كالتالي أولا: المظلومية والضحية، ثانيا: المؤامرة وعدم الاعتراف (الإنكار)، ثالثا: القداسة والولاء ، رابعا:الحصرية مقابل الإقصاء (الفسطاطين)، خامسا : التُقية والتبرير، سادسا : خلط السياسي الحزبي بالدعوي العقدي، سابعا : السمع والطاعة (كالميت بين يدي المغسل)،ثامنا : الممانعة والمقاومة، تاسعا : حاضنة للفكر المتطرف والتكفير، عاشرا: التميّز وعقلية العُصبة أو الطائفة.[10]

 

 

 

 

 

 


الحواشي


 [1]  رفض الشيخ راشد الغنوشي في كلمته أمام المؤتمر العاشر لحزب النهضة في تونس عام 2016 استغلال المساجد لأهداف حزبية او سياسية وطالب بتحييدها.

[2] أنظر أبريل غزة- موقع أمد: (في مدينة غزة حماس استولت بقوة السلاح، على 14 مسجد منذ 8 سنوات تقريبا". ويقول القيادي في حركة الجهاد الاسلامي خضر حبيب" صراحة هذا امر محزن ومؤسف للغاية، نحن لدينا ارشيف كامل عن الاعتداءات على المساجد من قبل الاخوة في حماس" ).

[3]  أنظر موقع (نقطة واول السطر) http://www.noqta.info/page-99842-ar.html

[4]  أنظر عمل الدول المستقرة، فيما قاله وزير الأوقاف المصري في الرد على سؤال الصحفي في "الوطن": هل وافقت الوزارة على تخصيص مساجد للتيار السلفى أو غيره للاعتكاف أو التهجد خلال شهر رمضان؟ فكان رده: (على الإطلاق، لن نسمح لأى تيار أو فصيل أو حزب باقتحام أو احتكار المساجد فى الاعتكاف ولا فى صلاة العيد، فالمساجد لله بعيداً عن أى توظيف سياسى أو حزبى، والحمد لله منعنا غير المتخصصين من اعتلاء المنابر أو إلقاء دروس بالمساجد، وأؤكد أن زمن الاستغلال السياسى للمساجد قد انتهى ولن يعود ولن نسمح به واتخذنا لذلك عدة إجراءات حاسمة لعدم السماح لغير المؤهلين أو المتخصصين باعتلاء المنابر أو اعطاء دروس.)-صحيفة الوطن المصرية بتاريخ 20/6/2016

 

[5]  أنظر موقع http://negrine.montadarabi.com/t4930-topic وأنظر أيضا موقع المسلم http://www.muslm.org/vb/archive/index.php/t-388995.html

[6]  يمكنك النظر لما يسميه محمد بن عبدالوهاب (نواقض الاسلام العشرة) ( ) والتي يتم الاحتفاء بها اليوم وتستغل وكانها من جزء من العقيدة او الايمانيات القطعية ما لم يثبت مطلقا، حتى أنها ترد في مواقع التنظيمات الاخوانية وليست السلفية فقط.

https://www.paldf.net/forum/showthread.php?t=1143828

[7]  صرح مشعل لموقع هندي في قطر اسمه (دنا انديا DNAINDIA  ) في لقاء له مع افتخار جيلاني في 26/7/2016 أنه مستعد في مرحلة ما للاعتراف بدولة (اسرائيل)، والقضية مرتبطة بموافقة الشعب ضمن استفتاء، كما أعلن امكانية التفاوض مع العدو، بينما الأهم فيما قاله هو موافقته "المتكررة" كما قرأنا بوضوح على دولة في حدود 1967. والرابط هو

 http://www.dnaindia.com/india/report-we-are-a-national-resistance-movement-not-a-terrorist-organisation-khalid-mashal-2238099

 [8] حول التعبئة الداخلية الصارمة داخل الاخوان المسلمين ضد المخالفين يراجع كتاب عماد الفالوجي عضو المكتب السياسي السابق لحماس : "درب الأشواك، حماس، الانتفاضة، السلطة". ويراجع كتيبنا https://ar.scribd.com/document/207246581/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%81%D9%83%D9%8A%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%A8%D8%A6%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%B3-%D8%A8%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D8%A8%D9%88-%D8%A8%D9%83%D8%B1-2014

[9]  رغم تبرؤ عدد من الإخوان المسلمين من فكر سيد قطب التجهيلي والتكفيري فأنهم في موقع موسوعة الإخوان يدافعون عن فكره ويبجّلونه فهو (عملاق الفكر والأدب الإسلاميين)

 [10]لمراجعة دراستنا حول الموضوع http://www.slideshare.net/bakerabubaker/207246581-2014 

 

 

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر