موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

جراثيم التعصب والانشطار والجسد الواهن


 

لا تظهر مشكلة أو حادثة في فلسطين سواء في غزة أو الضفة أو حتى في أراضينا بمناطق ال48 ، أكانت الحادثة داخلية أو في إطار العدوان الاسرائيلي المستمر على أرضنا وشعبنا، إلا وتجد تشتتا بالرأي حولها، حتى لو كانت الحقيقة فيما حدث شمس ساطعة، وكيفما نظرت اليها من أي زاوية فانت تعبر عنها!

 ولكنك تجد من الأعاجيب الانشطار المجتمعي حول الحادثة أو الموقف ما بين العوائل أو المناطق إن اشتملت على هذا البعد، وانشطار حزبي بغيض إن ارتبطت بأحد التنظيمات أو الأحزاب، أو ارتبطت بالسلطة ومفاعيلها سواء سلطة فصيل "حماس" في غزة أو السلطة الوطنية الفلسطينية.

كما تجد من الأعاجيب الانتقال من الحادثة من بُعدها الضيق وإطارها المكاني-الزماني المحدود أو الخاص للوصول للتعميم! فيصبح الاتهام المرتبط بالحادثة أو المشاركين فيها يطال كل الجهات ليصل الى اتهامات لمن لا علاقة له من قريب أو بعيد، لكن حالة الانفصال و التعصب والمبالغة والمتآزرة مع التهويل والتضخيم تتفاعل، فما بالك إن ارتبط هذا الخطاب بوجود مصنع مجاور لنا يصنع يوميا قبائل انشطارية من الفتنة ويدسها في جيوب الكثير منا؟

لم يعد الرأي العام الفلسطيني قابلا للتوحد بسهولة حول موقف محدد! مع احترامنا لحق الاختلاف ودفاعنا المستميت عن الرأي والرأي الآخر وهذا شان لا جدال فيه، ولم يعد هذ الرأي العام يعبأ كثيرا بما يسميه هذا الجانب الثوابت، أو يسميه ذاك الجانب بالمحددات؟!

 ولم يعد للكثيرين الذين أعمى عيونهم التعصب سواء العائلي أو الجهوي المناطقي أوالحزبي (أو دولارات المنظمات الخارجية) لم يعد لديهم أي أمل بتعديل زاوية النظر حتى لو أجروا العملية تلو العملية في أعينهم.

النخر في العظام مؤلم، والنخر في "الانتماء الوطني الجامع" أكثر ايلاما ما يهدد "الهوية الوطنية الجامعة"، وإن كنا نحسب أنفسنا بعيدين عن التفتت أو الانحسار فنحن واهمون كليا.

 لو أضفنا الى دور التنظيمات السلبي في إدارة الصراع (أو تيارات فيها) حيث تذوب المحرمات وتنطلق أصوات فحيح الأفاعي التي تتهم شمالا ويمينا وعند أقل حدث، تتهم الطرف المخالف بالردة أو الخيانة أو الكفر، وتكيل له سيل متصل من الشتائم والبذاءات  في الشوارع، وعلى الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي (والأسماء كثيرة للأسف) فإنك تقف مذهولا من التدني الذي يطال خطاب بل وسلوك مثل هذه المجموعات، التي لا تجد لها رادعا من عاقل في تنظيم أو حزب؟ أو مجتمع.

فما بالك بتلك الفئات التي جعلت من الانتماءات الخارجية لهذا الفصيل، أو لهذه المنظمة (غير الحكومية) أو الفئة أو تلك حقيقة من يسيّرها ويرسم أهدافها التدميرية؟

فمما لا شك فيه أن تدمير حركة "حماس" وتدمير حركة "فتح" وتدمير "الشعبية" وتدمير "الديمقراطية" وتدمير السلطة الوطنية والمنظمة (م.ت.ف) -على كثير علل أصابتهما- مسعى غير حميد، بل هو عدوان ومقصود، وهو مخطط له من سنوات لذلك الجالس يقهقه في بيت إيل أو تل أبيب؟ وتجد له أتباع مأجورين ممن يدعون النضالية أو النشاطية  يترصدون القمرات (الكاميرات) ليظهر كل واحد منهم وكأنه بطل الأبطال! وهو أمام العدو وحين بطش الاسرائيلي  خلف الصفوف!

عند كل نازلة، وكل عدوان صهيوني علينا، وعند كل موقف أو حادثة داخلي سواء في غزة أو الضفة لن تسر بأن تجد رأيا متقاربا أبدا! فما بالك بالسعي لرأي موحد، ولن تبتهج يوما-ربما- لتقول: ها هم موحدين كما كانوا موحدين خلف المطرب محمد عساف!

 حتى نحو النظرة لرمز الوطنية والعالمية والثورية الخالد ياسر عرفات تجد من الأصوات القبيحة واللغط الكثير، كما تجدها حول الشيخ أحمد ياسين وجورج حبش وفتحي الشقاقي وأبوالعباس، وغيرهم من المناضلين الكُثر رحمهم الله جميعا من رموز الوطنية والثورية الفلسطينية -اختلفنا معهم بحياتهم ومواقفهم أم لا- الذين هم كانوا وسيبقون في الذاكرة الفلسطينية والوعي الثقافي دلائل وقامات ورموز.

نعاني يوميا من سطوة بضعة مخربين في داخل النسيج المجتمعي يتزنرون بالمناطقية البغيضة! ولكم أن تعلموا يقينا من هو المحرك والمحرض الأساس؟

 نجد أمثال هؤلاء المحرضين المخرّصين في النسيج العائلي القبلي، وكثير من هذه العصابات تنسج خيوط التكفير، وتسير متعمدة في دروب التخوين للسلطة أو ضد هذا الفصيل أو ذاك دون خجل أو وجل ودون وطنية أو إسلامية (كلنا مسلمون واسلاميين حضاريا وتاريخيا حتى مسيحيونا) ودون أدنى قيم، بل بقلة حياء وانعدام ضمير، وما حالة مصعب حسن يوسف ببعيدة عنا، فنحن شعب مفتوح الصدر رغم كل شيء حتى أن مثل هذه الآفات قد تفعل فينا فعل التفاحة الفاسدة في الصندوق المليء بالتفاح الناضج.

ليس للتنظيمات الفلسطينية المناضلة وكلها مناضلة من بديل أن تواجه ذاتها وأخص قطعا حركة التحرير الوطني الفلسطيني-فتح الأدعى من كل التنظيمات لشد اللحمة الداخلية وبناء ثقافة الوعي والاحترام والعقل والانفتاح فيها بعيدا عن العصبوية الغريبة تاريخيا عليها.

 وأخاطب الفصيل المعارض "حماس" أن يعيدوا بناء خطابهم بعيدا عن وهم احتكار الله، وبعيدا عن وهم احتكار الصواب أو احتكار القداسة، وبعيدا عن مقياس وهم الانتخابات التي انتهى عهدها.

وللجميع أن يتخلص من وهم السيطرة على غزة للأبد، بصفتها باب الدار الأخرة أو مدخل الخلافة العظمى! وليتخلصوا من وهم غزو الضفة لأن غزو الضفة أو غزو غزة ما بين القبائل المتناحرة وفي ظل الوجود الصهيوني لن يكون الا بدعم ذلك الجالس على عرش بيت إيل!

انتم أيها القلة –وشعبنا وكل فصائله هم الكثرة-يا من تتقاتلون ما بين إمارة قبيحة، وسلطة متهالكة! أنسيتم أن نصف شعبنا ما زال يرزح في المخيمات؟ وتحت نار حروب العرب الداخلية اليوم، وما بين مقصلة الاستبداد والظلم، وحلم العودة العزيز؟!

 أنا بكر أبوبكر ابن حيفا كما تقول هويتي للاجئين، أنا وعائلتي وأمثالي بالملايين، كيف لي وان أقمت في رام الله أن أفرح! وأكثر من نصف شعبنا ينظر الينا هنا وهناك شزرا حين نختلف، ويتمنى من الأماني ما لا يسرني ويسركم سماعه؟

أفيقوا من سكرتكم جميعا، لنفق جميعا، وارتدعوا-لنرتدع- ولا تضيعوا الشعب وتقرنوا أنفسكم بقيادات مضت بلا إرث يُعتد به، لم يكن لها من سجل التاريخ الا أن نُسيت أو ألقيت على قارعة الطريق.

نعم إن في أجسادنا من المتسلقين والطفيليات ما قد يجعل العلل والأمراض تغزونا وقد تغزو في البعض القلوب والنفوس والعقول، ولكن أن تتجه قيادات في هذا الفصيل أوذاك لاستنبات الطفيليات والجراثيم واطلاقها متعمدة في جسد الشعب ظانين النصر والفوز على المخالف! وتحقيق صلاة الشكر بالنصر المؤزر على اخوانهم بالمقاطعة؟! فلا أظن مثل هذه العقول السخيفة الا أنها تنهل من مستنقع الهبل والماء الآسن.

 ان الجراثيم لا تنتقي ضحاياها، بل تتفشى بالجسد الواهن والجسد الضعيف من خلايا الدم البيضاء، فتصيب المستهدف ومن استنبتها سواء بسواء، فيعود التعصب المناطقي أو العائلي أو الحزبي/التنظيمي ليصبح سما قاتلا في ذات التنظيم، فيفترسه! وما كان يوما لتنظيم لجا للتطرف او التعصب الا الزوال.

 

إن حركة "فتح" و"حماس" و"الجهاد" و"الشعبية"... وكل الفصائل -مهما اختلفنا معها أو اختلفت بينها، ومهما حملت فيها من بذور الاستبداد، أو بذور الحاقدين لفئات فاقعة فيها، أو بذورر أصحاب الفتنة الذين نقف لهم دوما بالمرصاد- أقول أنها رغم كل ذلك، ورغم هذه العلل القابلة للبرء منها، هي تنظيمات نضالية وتنظيمات مشهود لها عامة بذلك، وتاريخها الاجمالي ناصع، وهي من يجب أن تكون معا وسويا وكافة فئات المجتمع على موعد مع الوحدة وميثاق الشرف الديمقراطي في دولة مدنية ديمقراطية ذات عمق حضاري عربي اسلامي-مسيحي عقلاني لا يستثني احدا، وكل البنادق فيه فقط نحو العدو الصهيوني.

 

 

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر