شداد يقفز عاريا من مستنقع الأوحال!

2017-04-16

 

 

ومازال يسأل! وكأن عقله قد اختل؟... لماذا تركتم ابني عاريا؟ وكانوا هم من جردوه من كل عيونه والأعطار والشرايين الصغيرة. ويعود ليسأل لماذا تركتم ابني بلا كِساء؟ وهم الذين سرقوا منه سعادة النوم ونعمة البسمة التي لم تفارق وجهه، ومزقوا من يساره الشعور بالنصر حين يعانق ظل زيتونة وفي رفقة الصيصان حين تجنح الدجاجات بعيدا.

 

يسأل أبوشداد المختل عقليا -أو يكاد- لماذا قطعتم يد ابني وسملتم عينيه؟ لماذا قطعتم سُرّة ابني أساسا؟ ولا يكاد يذكر أن سُرّته قد قطعت بُكرة ؟

 

يا أبا شداد ألا تحسن الانصات! لقد قطعت سُرّته منذ الشهقة الاولى ومنذ التقطيبة الاولى وعندما تعابس الجبابرة وقرروا أن لا فائدة من قطعة لحم ميت!

 

أنت تتساءل! وتسير في حنايا الشوارع المرعبة الممزقة المبللة بزيت الوجبات السريعة الفاسد، ولا تكاد تدرك أن الأزمان دول، وقد دالت دولة ابنك منذ سبح، وليس منذ تركوه يخرج الى الصحراء وحيدا بلاجدار.

 

عندما تركوه عاريا بلا غيمة تظلله وبلا ابريق ماء يتوضا به ليصلي على نفسه صلاة الجنازة! كان قد أدرك الفرق وفهم، وعندما يفهم المرء اما وإما!

 

في السؤال رغبة في البحث عن الاجابة، وليس للسؤال معنى في حالتين: عندما يكون الجواب معروفا، وعندما يأبي المسؤول أن يجيب لنزق أو قلة حيلة أو للؤم استبطن حوائط بئر يوسف المكلوم.

 

شداد كان قد مزق أحلام اليوم التالي، وصباحات أيام كثيرة فسار في البلاد بلا درع حمايته... بلا أحلام، وبلا ترنيمة أغنية قديمة أوحتى دعاء معتق كتب في الزمن الماضي على جلد غزال.

 

شداد ترك وراء ظهره إرثا طويلا من الانحطاط والوضاعة وخسة المحيط، وترك أقباسا من التبرير الذي وضع نفسه فيه طائعا طيّعا مطيعا، ولم يكن حينها قد أدرك أنه في المستنقع لا يكون للنظافة معنى، ويكون للقذارة درجات.

 

في المستنقع يتسخ السابح والغاطس والمبحر وذاك المتشمس على أي من ضفافه.

 

كان شداد قد علم نفسه فن الرسم وأتقنه، فطفق يخرج يوميا من أوحاله ليرسم الورود على حوائط المستنقع، وعلى رداء أحلامه الواسعات آملا بيوم يصحو فيه والدنيا قد انقلبت، فتنغرس الورود في أرض نظيفة ونرسم المستنقع على حوائط الخيال الماضي.

 

ما كان له أن يرسم، والقذارة طاغية ورائحة العفن تخترق منخريه وصولا لقمة رأسه فيدوخ مرارا، ويقع فيقف ليعود فيسقط، لكنه كان يقاوم ويواجه محاولا أن يهزم الوضاعة والحِطّة ومكنة التبرير، وأنى له أن ينتصر.

 

في رحلة القراصنة داخل المستنقع غطسا أم سباحة أم إبحارا لا يوجد منتصر، ولا يمكن أن تجد صخورا معطرة بالآيات من الذكر الحكيم أو نوبات صحو لشيخ ثملٍ أدمن الحفلات الصوفية، كما لن تجد نوبات نباهة لعقول أدمنت حشيش القذارة، ورائحة أفيون الدسيسة الخارج من أفواه لم تعرف الا شهيق المستنقعات والزفير.

 

 القراصنة والأقزام من حولهم أدمنوا شم العرق المتدفق بين الابطين أو المضمخ بصملاخ الأذنين، وعصارة الجوارب.

 

تائها في صحراء واسعة لا تبتعد كثيرا عن مستنقع الظلمة والفساد والقذارة مازال أبوشداد يسأل لعله يجد من كائنات الفلاة جوابا.

 

في يوم الأحد الماضي الموافق لعيد القيامة عندنا غاب شداد عن الشاشة، إذ كان يتبرك به أشقياء الفضائيات وولاياها الكاسيات العاريات...في يوم لم تشرق فيه شمس على أمة بوذا المعظم غاب!

 

في ذاك الأحد المركب بين يومين صادف حالة من التبرج ميزت المحتفلين المتزيننين بالأفخر من العطور والأفخم من الملابس والأدسم من الطبائخ ...ويرسمون على الجدران ألوان الفرح ورجاءات الأيام القادمة.

 

في ذاك اليوم السعيد، التعيس لشداد بالذات، غاب شداد إذ خرج من المستنقع فلم يجد يومها بدا من تجفيف ملابسه التي لا تجف أبدا فلم يجد مناصا أن يخلعها كلها، كما خلع حينها فقط كل أحلامه أوهامه، ووقف وسط اللامكان واللاشيء واللامعنى مجردا عاريا حتى من جيوبه الأنفية.

 

يسير أبوشداد على خطى ابنه، متتبعا آثار أقدام رسمتها الصحراء قبل العاصفة لعلها قُبلُ الحَجَل لتراب الأرض! أم هي علامات درب أغنام أبوجميل، أم لعلها من أثر الصيد الذي هرب بالأمس من بندقية صياد القرية...لم يعد يعلم لكنه مازال يبحث ويتساءل! فشداد قد غاب بلا عودة عاريا حتى من شعر يديه.

 

عندما ينبري في ركن غرفته الوحيدة في مخيم الحزن والكآبة يدرك أن المعادلة قادرة على انتاج الحدث، وكان يدرك أن الصراخ في الاموات لا يجدي تماما كالصراخ والفم محشو بقاذورات المستنفع.

 

الاستحمام بالمستنقع بلا جدوى ومع ذلك فتح أبوشداد المختل عقليا -أو يكاد- صفحة جديدة وتساءل مع جيش المجانين لماذا لم تتركوا ولدي يسبح في بحر أحلامه! فاختطفتهم منه سعادة الآتي وفجر الفراشات المتخيلة مقابل تدفق مجارير فضلاتكم في مستنقع آثامكم والفجور؟

 

ولدي نعم هو ولدي الذي جعل من النار أيقونة الجِد وأنيس الوحدة، والذي جعل من ظِلال الحنّون ورياحين التلة البعيدة مداميك قصره المعلق في تلافيف دماغه والاحلام...وقع معكم في مستنقع الرذيلة والقسوة والصديد.

 

لعله للحظات أو سنوات قد أصبح واحدا منكم، أو هكذا توهمتم إذ رأيتم منه كثير فرح وسنوات رخاء، وعددا لا ينتهي من منشورات السعادة التي كانت له اللحاف الذي يتغطى به ليلا، وكانت له دفء ليالي الشتاء القارسة في مستنقيع مجاريركم الآسنة حيث تنغمرون حتى العنق وتزغردون وتقيمون مر الأفراح!

 

مازال أبوشداد المختل عقليا -او يكاد- يشد شعر صدره،وهو يسير وحيدا في صحراء قلب ابنه، لعله يستدرجه لظهور أو لعله يقتبس من نور احلامه أو هامه قليلا من الظلال أو الامل أو النور، ذاك النور الذي عاش به فركب موج البحر الزاخر بعد أن طلق المستنقع ثلاثا وقطع الفيافي وقفز عاريا دون أن يلقي على سبعين عام  مضت نظرة وداع.

 

لماذا تركتم ابني عاريا وحيدا؟ لماذا دعوتم كل الوشاة والزناة والعلوج للاحتفال بعيد المستنقع بهذه الفخامة والضخامة وسِماط الاكل الكثير فقط بعد عيد القيامة يوم الأحد الماضي حين خلع ابني رداءه وسار عاريا ليقز ناجيا من عهر زمانكم والأوحال الكثيرة؟

 

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر