أكذوبة "الهيكل" وحقيقة البراق

2017-06-05

 

 قصة "الهيكل" الذي يتغنى به المنتمون للديانة اليهودية اليوم، ومن والاهم من أدعياء الانتساب للعهد القديم، يأخذ طابعا سياسيا انتهازيا بل وحزبيا يستخدم في صراعات القوى، بمعنى أنه يوظف توظيفا استعماريا لسرقة الأرض وادعاء امتلاك ما لا يثبت وما لا يصح لا تاريخيا ولا قانونيا ولا سياسيا ضمن قيم الأمم اليوم أبدا.

 

 إن البعد الديني والتاريخي المزور في الفكر الصهيوني، وفي الفكر الاستعماري الغربي الذي صنع نكبة شعبنا، ولدى اليمين الاسرائيلي اليوم يطال تزويره كل شيء، ويشنق الحقيقة عمدا، وفي ذلك بما يسمونه "الهيكل" المشكوك به أصلا من اتجاهات عدة، ومنها جغرافيا، إذ لا دليل من أي حجر أوذرة تراب على وجوده جغرافيا بأي من مناطق بلاد الشام، وليس فلسطين فقط.

 

 بمعنى آخر إنه لو صح جدلا وجود  شيء اسمه "الهيكل" (باليمنية الهيكل هو البناء العالي وهي مستخدمة حتى اليوم) فان علماء الآثار حتى الاسرائيليين منهم (راجع "اسرائيل فنكلستاين"، و"زئيف هرتزوغ") لم يجدوا أي دليل مطلقا على وجوده لا في القدس ولا في فلسطين.

 

 وان ارتبطنا براوية التوراة حول الهيكل (المعبد) فإنها روايات متناقضة مع بعضها كما الحال في الروايات التاريخية الأخرى بالتوراة (مثل السبي البابلي والفلستيين والتيه في سيناء ودخول أريحا، وقصة مصر ...الخ) التي قال عنها-عن الروايات- العالم والباحث بالآثار الاسرائيلي"اسرائيل فنكلستاين" أنها تدخل ضمن الأساطير والأحلام والآمال في قصص التوراة، مضيفا أن لا حظ لها من الحقيقة.

 

 هذا ومن المفيد دوما الإشارة إلى أن أصل قبيلة بني إسرائيل أنها قبيلة جزيرية أي من الجزيرة العربية، وتحديدا من جنوبها حسب معظم علماء التاريخ اليوم الأجانب والعرب، كشأن كل القبائل مثل: الكُنانيين=الكنعانيين، واللخميين، واليبوسيين (بني بوس) والفلستيين (عبيد الاله فلس، وليسوا القادمين من اليونان أبدا) والاسرائيليين القدماء (قبيلة بني إسرائيل) العرب المنقرضين الذين لا علاقة لهم لا قوميا، ولاجينيا وراثيا، ولا قبليا بسكان فلسطيننا اليوم المتسمين بذات الاسم (يراجع الكاتبين اليهوديين الهنغاري "أرثر كوستلر"، وحديثا "شلومو ساند" حول أصل المنتمين للديانة اليهودية بالعالم ) 

 

من المفيد التذكير دوما أن رواية  ما يسمونه"الهيكل" مرتبطة بحقيقة أنه جغرافيا لدينا ولدى العديد من البحاثة أمثال المفكر العربي فاضل الربيعي وفرج الله صالح ديب وكمال الصليبي وأحمد الدبش وغيرهم الكثير، هو بعيد عن الرواية المتداولة بلا سند أوحق حيث أن  الجغرافيا ومسرح الأحداث التوراتي-بعد تنحية الخرافات والمبالغات المتعلقة بالأحداث المعتادة- هو كان في مكان جغرافي آخر غير فلسطين أي بوضوح في اليمن القديم 

 

لنفهم جيدا أن وجود أي إشارة دينية أو تاريخية، ومنها الإشارة "للهيكل" مثلا، لا يؤسس لحق لأحد في المكان المشار له، أي مكان وجود الهيكل، ولأن القبيلة المشار لها كصلة به هي قبيلة بني إسرائيل العربية اليمنية المنقرضة، أي من العرب البائدة كقوم لوط وقوم نوح وقوم ابراهيم وقوم عاد وثمود وغيرها من الأقوام، والتي إن هاجر البعض منها ومن قبائل عربية أخرى شمالا وصولا لفلسطين، فهي أي هذه القبائل العربية كانت هجرتها بعد نهاية مرحلة التوراة وأحداثها، أو في أواخرها كما تفيد معظم المصادر، ببساطة هي قبيلة منقرضة لإرث غير محدد مكانه.

 

إن أهمية الإشارة للجغرافيا المختلِطة على الكثيرين، وعدم صحة وجود أي حجر ينطق بوجود أي شيء له صلة بقبيلة بني إسرائيل العربية المنقرضة، بأهمية ألا نجعل من (النسب الديني!-لا يوجد شيء كذلك) مسوغا للادعاء أو لسرقة أي أرض لها صفة مقدسة لأي دين، وإلا أصبح من حق المسلمين الماليزيين والاندونيسيين والصوماليين مثلا المطالبة بمكة.

 

 هنا نحدد أنه لا يحق لأي معتنق للديانة اليهودية بالأمس أو اليوم الادعاء أن له صلة ببني إسرائيل العرب اليمنيين المنقرضين من ناحية قومية أو جينية-وراثية أوقبلية، ما ثبت علميا فساد هذه الصلة لمن يدعيها، وكذلك الأمر الادعاء بأرض أوحائط.

 

نقول أنه لا حق لأي كان اليوم الانتساب للمكان أي مكان يراه مقدسا أو محرما على غيره، بمعنى الامتلاك له (أكاذيب أرض الميعاد أو الأرض المقدسة، وأكاذيب الشعب المختار)، وإلا لجاء كل مسيحيي العالم ليقيموا في فلسطين فهي مقدسة لهم فيما لا شك به أبدا كما هي مقدسة للمسلمين، ولنا في حروب الفرنجة (الغزاة هم من أسماها الصليبية) ضد المنطقة نموذجا قديما.

 

 وعليه لا حق لمعتنقي أي ديانة وعلى رأسها الديانة اليهودية اليوم المتشكلة من أقوام مختلفة عدة، الادعاء بملكية المكان (احتلاله واستعماره)، أو أن قداسته تؤهل لملكيته وسرقته وتأسيس دولة عليه.

 

 يمكننا القول أن اليهودية الأصل كديانة هي فكر الإسلام، والإسلام من حيث هو الإيمان بالوحدانية والتسليم لله، هوأصل كل الديانات السماوية منذ آدم وكل الأنبياء، واليهودية هي الديانة التي تم تشويهها من أحبار/كهنة اليهود الذين حرّفوا الكلم عن مواضعه عمدا، ما أثبته القرآن الكريم، ولمن يريد غير ذلك، ما أثبته-أي التحريف- علماء الآثار والبحاثة وعلماء التاريخ اليوم.

 

 إن البحوث تقطع الشك باليقين بأن "تعددية الأقوام والأجناس" المنتمية للديانة اليهودية لا شك فيه مطلقا، لذا نقول أنه منذ فجر هذه الديانة في جنوب الجزيرة اعتنقها إضافة لقبائل من العرب -وليس فقط من قبيلة بني إسرائيل- جماعات أوقبائل من الفرس والكرد والترك...الخ، أي  أنه ما كانت اليهودية ديانة مغلقة أبدا مرتبطة بقوم أو قبيلة أو قومية محددة، أو أنه امتزج بها الدين بالعنصر البشري المحدد، ما هو خرافة يتم استغلالها اليوم للادعاء أن اليهودية قومية.

 

تعددية الأقوام المنتسبة لليهودية ليس فقط منذ انسياح اليهود الروس في أرض أوربا بعد مذبحة روسيا ضدهم على اتهام مقتل القيصر عام 1881ميلادي، بل أقدم من ذلك ما يؤهلنا للإشارة إلى  القرن12 الميلادي حين اعتنق الخزر(القبائل الوثنية المقيمة بين البحر الأسود وبحر قزوين، من جنوب روسيا واكرانيا اليوم) الديانة اليهودية لمقاومة ضغط السلطان المسيحي والسلطان الإسلامي. 

 

عودة لما يتعلق تحديدا بحائط البراق الإسلامي فهو الحائط المتشكل كجزء ضمن الحائط الغربي للمسجد الأقصى المبارك الذي يضم المسجد القبلي وقبة الصخرة والمباني الداخلية والباحات بمساحة 144 ألف متر مربع، أي انه حائط يشكل جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى (قد يسميه بعض العرب والمسلمين الحرم الشريف أي ان الحرم الشريف هو ذات المسجد الأقصى، او ببساطة كل مادار حوله السور)، ولا صلة تاريخية أو جغرافية أو دينية حقيقية لمعتنقي الديانة اليهودية من أي بلد بالعالم به أو بغيره اليوم في القدس أو بفلسطين.

 

يهمني الإشارة في الختام لمقال الأخ حنا عيسى الذي أفاض في تاريخ البراق في العهد العثماني وفترة الاحتلال الانجليزي وغيره، ما أنصح بضرورة الاطلاع عليه، وله ولكل من وقف مدافعا منافحا عن الحق كل المحبة والتحية والتقدير.

أما مقال حنا عيسى فهو كالتالي

 

 

الدكتور حنا عيسى – أستاذ القانون الدولي  يسرد الرواية الفلسطينية العربية الاسلامية العالمية بالتفصيل  الواقعي والموضوعي والتاريخي والعقائدي :

 

 

حائط البراق جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى المبارك

 

حائط البراق: هو من أشهر معالم مدينة القدس المحتلة، وهو الحائط الذي يحد الحرم القدسي من الجهة الغربية، أي يشكل قسما من الحائط الغربي للحرم المحيط بالمسجد الأقصى المبارك، ويمتد بين باب المغاربة جنوباً، والمدرسة التنكزية شمالاً. وللحائط مكانة دينية كبيرة لدى المسلمين حيث يرتبط الحائط بمعجزة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام " الإسراء والمعراج"، ومنها جاءت تسمية الحائط "حائط البراق" نسبة للدابة التي ركبها محمد عليه الصلاة والسلام عند إسرائه ليلاً من مكة إلى المسجد الأقصى، حيث ربط البراق في حلقة على هذا الحائط، ودخل إلى المسجد حيث صلى بالأنبياء ثم عُرج به إلى السماوات العلا  لقوله تعالى: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله"، كما يعتبره المسلمون جزءا مهما من المسجد الأقصى الذي يمثل أولى القبلتين وثالث أقدس المساجد عند المسلمين بعد المسجد الحرام في مكة والمسجد النبوي في المدينة المنورة.

 

يبلغ الطول الأصلي للحائط ،ثمانية وخمسين مترا، ويبلغ ارتفاعه عشرين مترا، ويضم خمسة وعشرين مدماكا من الحجارة السفلية منها هي الأقدم، ويبلغ عمق الحائط المدفون تحت سطح الأرض نحو ثلث الحائط الظاهر فوقه، أما الرصيف الموجود أمام الحائط حاليا فيرتفع عن مستوى سطح البحر نحو سبعمائة وثمانية أمتار، وبعد الاحتلال الصهيوني لمدينة القدس عام سبعة وستين، تم إجراء حفريات في المنطقة المواجهة للحائط بهدف إظهار الجزء المخفي منه وكشف طبقات الحجارة المطمورة، وأتضح أن الحائط القديم يتكون من سبع طبقات حجرية يعود تشكيلها إلى فترة حكم هيردوس الأدومي ما بين عامي سبعة وثلاثين وأربعة قبل الميلاد، وهناك أربع طبقات حجرية يعود تشكيلها إلى العصر الروماني الأول، أما الحجارة في القسم العلوي من الحائط فقد أقيمت في العهد البيزنطي، فيما أقيمت أقسام أخرى بعد الفتح العربي الإسلامي لبيت المقدس، استمرت الحفريات التي قام بها الصهاينة قرابة عامين، وتسببت في هدم العشرات من العقارات والأبنية الوقفية بحجة كشف الساحة أمام الحائط، الذي أصبح طوله عند الصهاينة نحو ثلاثمائة وستين مترا ،ويرون أن طوله الكلي يقع على امتداد الجدار الغربي للحرم القدسي ،والبالغ طوله نحو أربعمائة وواحد وتسعين متراً.

 

الاطماع اليهودية بالحائط

 

اعتبارا من النصف الأول من القرن التاسع عشر، بدأ اليهود يزعمون أن حائط البراق، الذي يحوي في أسفله حجارة عظيمة، هو البناء المتبقي من معبدهم الخرافي، وأطلقوا عليه اسم حائط المبكى (يطلقون عليه الآن اسم الحائط الغربي) حيث يبكون حزنا على هيكلهم المزعوم. وسمح لهم المسلمون بزيارة الحائط من باب التسامح الديني، إلا أنهم جلبوا أدواتهم، وأبواقهم، وحاولوا تحويل المكان إلى ما يشبه الكنيس اليهودي، ومنذ ذلك الحين، اتخذ الصهاينة الحائط والساحة المقابلة له منطلقا لحفرياتهم حول وتحت المسجد الأقصى المبارك، وبينها نفق الحشمونائيم الذي يبدأ من ساحة البراق باتجاه الشمال حتى باب الغوانمة، ونفق آخر باتجاه الجنوب يصل إلى بلدة سلوان المقدسية، وحفريات وأنفاق يعتقد أنها وصلت إلى ما تحت ساحات المسجد الأقصى مارة تحت جدرانه. كما يسعون حاليا لإزالة طريق باب المغاربة وتركيب جسر جديد في ساحة البراق يوصل للباب، وتوسيع ساحة البراق بضم الجزء الجنوبي من الحائط الغربي والواقع جنوبي باب المغاربة، وذلك في إطار مخطط لإقامة كنيس في هذه الساحة يتصل عبر نفق بالمسجد الأقصى المبارك.

 

إن الحائط الغربي أصبح جزءاً من التقاليد الدينية اليهودية حوالي سنة 1520م نتيجة للهجرة اليهودية من أسبانيا وبعد الفتح العثماني سنة 1517م" ، ويعني ما ورد في المرجعين الأمريكي واليهودي أن العثمانيين في عهد السلطان سليمان القانوني هم الذين منحوا اليهود حق التعبد والصلاة عند حائط البراق أو الحائط الغربي للحرم القدسي الشريف من قبيل التسامح الديني مع اليهود بعد طردهم من أسبانيا أواخر القرن الخامس عشر الميلادي. ومع أن الأطماع اليهودية لم تكن واضحة في ذلك الوقت، لكن الذي يؤخذ على بعض السلاطين العثمانيين أنهم رغم إصلاحاتهم لم يكونوا على قدر كافٍ من الوعي بقدسية هذا المكان الذي شهد حادثة الإسراء والمعراج، والذي كان أول قبلة للمسلمين. وخلال الحكم المصري للشام 1831- 1840 كان يُسمح لليهود بالاقتراب من الحائط والبكاء عنده مقابل 300 جنيه إنجليزي سنوياً، لكن إبراهيم باشا أصدر مرسوماً في مايو 1840 حظر فيه على اليهود تبليط الممر الكائن أمام الحائط، ورخص لهم بزيارته فقط على الوجه القديم. ورغم موقف السلطان عبد الحميد من عدم الموافقة على هجرة اليهود إلى فلسطين، لكنه بالنسبة لليهود المقيمين في فلسطين أصدر عام 1889م فرماناً يمنع فيه التعرض للأماكن التي يؤدي فيها اليهود طقوسهم أثناء الزيارة. مما يعنى التسامح مع اليهود الذين يتمتعون بالجنسية العثمانية.

 

يدعي اليهود أن الحائط جزء من الهيكل، لذلك يقومون بالبكاء والنياح بالقرب منه، وهو ما يفنده التاريخ وتبطله الدراسات والأبحاث، فالموسوعة اليهودية تقول إن اليهود لم يصلّوا أمام هذا الحائط إلا في العهد العثماني، ومن جهة أخرى، ليس هناك أي أثر يثبت وجود الهيكل اليهودي أو ما يمكن أن يمت إليه بصلة، وأن علماء الآثار والمنقبين اليهود أنفسهم أو الذين استقدمهم اليهود وصلوا إلى صخرة الأساس في المكان ولم يعثروا على أي دليل مادي مهما كان صغيراً يؤكد صحة الروايات اليهودية. ففي أيام الدولة العثمانية، سمحت السلطات العثمانية لليهود المقدسيين أداء بعض الطقوس الدينية قبال الحائط ولكنها حظرتهم من حط المقاعد قبال الحائط أو أية مبادرة أخرى لجعل المكان مصلى يهوديا دائما. وفي 1887 قام أدموند دي روتشيلد، من يهود فرنسا، بمحاولة فاشلة لشراء الحائط وجعله ملكا يهوديا. في عام1911  قام متولي الأوقاف أبو مدين الغوث بالاحتجاج حين قام أفراد من الطائفة اليهودية، الذين جرت عادتهم بزيارة الحائط وقوفًا، بجلب كراسي للجلوس عليها أثناء الزيارة. وبناءًا على ذلك أصدر مجلس إدارة لواء القدس تعليمات تنظم زيارة اليهود للحائط، وتمنع جلب أي مقاعد أو ستائر عند الحائط. بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى واعتماداً على وعد بلفور الذي يعد بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، أخذ اليهود يسعون إلى اكتساب حقوق واسعة لهم في هذا المكان عن طريق تغيير الحالة الراهنة التي كان عليها الحائط قبل الحرب. وفي يناير1914 قام الأديب اليهودي دافيد يالين بمبادرة أخرى لشراء الحائط. وعندما وضع صك الانتداب على فلسطين الذي صودق عليه من قبل عصبة الأمم في 1922 تضمنت مواده الثمانية والعشرون عددًا من المواد المتعلقة بالأماكن المقدسة كان أهمها المادة 14التي تنص على ما يلي: "تؤلف الدولة المنتدبة لجنة خاصة لدرس وتحقيق وتقرير الحقوق والادعاءات المتعلقة بالأماكن المقدسة والحقوق والادعاءات المتعلقة بالطوائف الدينية المختلفة في فلسطين وتعرض طريقة اختيار هذه اللجنة وقوامها ووظائفها على مجلس عصبة الأمم لإقرارها ولا تعين اللجنة ولا تقوم بوظائفها دون موافقة المجلس المذكور." لكن هذه اللجنة لم تعين. وطوال السنوات 22، 23، 25، 26، 28، كان هناك محاولات يهودية لجلب مقاعد عند الحائط لكنهم في عام 1928 حاولوا استخدام خزانة ومصابيح وحصر وستائر للفصل بين الرجال والنساء، وأرسل مفتي فلسطين رسائل إلى حاكم القدس ينبهه إلى تلك المخالفات، وصدرت التعليمات من الإدارة المنتدبة في أكثر من موقف بمنع اليهود من جلب كراسي أو ستائر إلى الحائط. عينت اللجنة سابقة الذكر في عام 1930 بعد أن أوصت لجنة التحقيق في أسباب انتفاضة البراق عام 1929 بسرعة تعيينها.

 

وليس هناك دليل على المكان الذي بُني فيه الهيكل، فبينما تذكر بعض المصادر أنه بنى خارج ساحات المسجد الأقصى، تذكر أخرى أن مكانه تحت قبة الصخرة وتذكر المصادر اليهودية أنه تحت المسجد الأقصى، وطبقاً لما ذكرته المصادر التاريخية، فقد تم بناء الهيكل وهدمه ثلاث مرات، فقد تم تدمير مدينة القدس والهيكل عام 587 ق.م على يد نبوخذ نصر ملك بابل وسُبى أكثر سكانها، وأعيد بناء الهيكل حوالي 520-515 ق.م وهُدم الهيكل للمرة الثانية خلال حكم المكدونيين على يد الملك أنطيوخوس الرابع بعد قمع الفتنة التي قام بها اليهود عام 170ق.م، وأعيد بناه الهيكل مرة ثالثة على يد هيرودوس الذي أصبح ملكاً على اليهود عام 40 ق.م بمساعدة الرومان. وهدم الهيكل للمرة الرابعة على يد الرومان الذين فتحوا مدينة القدس عام 70م ودمروها بأسرها.

 

ولكن اليهود اخدوا بالسعي لتثبيت حقوق واسعة لهم في هذا المكان عن طريق تغيير الحالة الراهنة عليه، حيث بدأوا تحركهم عام 1919م بما قدموه من عرائض رسمية ونشروه من مقالات، ووصل الأمر إلى نشر صور لهيكل يهودي جديد مكان مسجد الصخرة ونشر صور لهذا المسجد يعلوها العلم الصهيوني والكتابات العبرانية، وأخذ اليهود يساومون على شراء المنطقة الوقفية الواسعة المحيطة بالحائط، وعرضوا أرقاماً باهظة للشراء ،وعندما وضع صك الانتداب على فلسطين الذي صودق عليه من قبل عصبة الأمم في 24 يوليو 1922  تضمنت مواده الثمانية والعشرون عدداً من المواد المتعلقة بالأماكن المقدسة كان أهمها المادة 14التي تنص على ما يلي:

 

"تؤلف الدولة المنتدبة لجنة خاصة لدرس وتحديد وتقرير الحقوق والادعاءات المتعلقة بالأماكن المقدسة والحقوق والادعاءات المتعلقة بالطوائف الدينية المختلفة في فلسطين، وتعرض طريقة اختيار هذه اللجنة وقوامها ووظائفها على مجلس عصبة الأمم لإقرارها، ولا تعين اللجنة ولا تقوم بوظائفها دون موافقة المجلس المذكور، ولفترة تقرب من العام اعتباراً من سبتمبر 1928 حتى أغسطس 1929 الذي حدثت فيه انتفاضة البراق حدثت مشادات واحتجاجات وتجاوزات كلامية وكتابية وسياسية بين العرب واليهود في فلسطين وخارجها. وشكلت لجنتان إحداهما عربية للدفاع عن البراق والأخرى يهودية للدفاع عن المبكى، ودعت لجنة الدفاع عن البراق لعقد مؤتمر إسلامي عام في أول نوفمبر 1928 حضره مندوبون عن فلسطين وسوريا وشرقي الأردن ، حيث احتج المؤتمر على أية محاولة لإحداث أي حق لليهود في مكان البراق، وشكل المؤتمر جمعية عرفت باسم "جمعية الأماكن الإسلامية المقدسة".

 

ثورة البراق...

 

انفجرت قضية البراق في يوم 15 اب 1929 عندما أقام المتطرفين الصهاينه القادمين من تل ابيب بمظاهره في القدس مدعين بأن الحائط ملكاً لليهود وفي اليوم التالي تجمعت الجماهير العربيه وأقاموا مظاهره كبيرة في نفس المكان وأكدوا على حقهم به، فبدأت الاضطرابات وانتشرت لجميع انحاء فلسطين في مواجهات عنيفه، تمكنت حكومة الانتداب البريطاني من اخمادها بعد اربعة ايام حيث سقط فيها 116 شهيداً  وجرح حوالي 232 مواطن وقُتل 133 يهودياً، والحاق الاضرار بالقرى والممتلكات، وفي 17/حزيران من عام 1930م أعدمت سلطات الانتداب البريطاني في سجن عكا قادة ثورة البراق: عطا الزير، محمد جمجوم، وفؤاد حجازي، ونتيجة هذه الفوضى والاضطربايات اجبرت وزارة المستعمرات البريطانيه على تشكيل لجنة للتحقيق في اسباب الاضطرابات وتقديم توصيات لمنع قيامها مرة اخرى.

 

وافق مجلس عصبة الأمم في 15 مايو (أيار ) 1930 على تشكيل لجنة دولية ثلاثية من غير المسلمين وغير اليهود، لدراسة موضوع حائط البراق أو المبكى والحقوق المدّعاة عليه من قبل المسلمين واليهود، وقد مارست اللجنة عملها منذ 19 يونيو ( حزيران) 1930 وأصدرت تقريرها في أول ديسمبر ( كانون الأول ) 1930 م، وجاءت النتائج التي توصلت اللجنة إليها قاطعة في شأن الحق العربي على حائط البراق، فقد انتهت اللجنة إلى ما يأتي: "إن حق ملكية الحائط وحق التصرف فيه وما جاوره من الأماكن المبحوث عنها في هذا التقرير عائد للمسلمين، ذلك أن الحائط نفسه هو ملك للمسلمين لكونه جزءا لا يتجزأ من الحرم الشريف، كما أنه ثبت للجنة .. أن الرصيف الكائن عند الحائط حيث يقيم اليهود صلواتهم هو أيضا ملك للمسلمين"، "إن الحائط نفسه لكونه جزءا لا يتجزأ من الحرم الشريف هو وقف بلا ريب". "أما فيما يتعلق بالحائط نفسه فالأمر مختلف فيه، واللجنة تميل إلى قبول قول المسلمين بشأنه، أي أن حائط المبكى برمّته مقدس للمسلمين لأنه المحل الذي نزل فيه النبي صلى الله عليه وسلم ومر به ثم ربط براقه فيه".   وعندما أرادت اللجنة أن توجز قرارها قالت: "للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي، ولهم وحدهم الحق العيني فيه لكونه يؤلف جزءا لا يتجزأ من مساحة الحرم الشريف التي هي من أملاك الوقف، وللمسلمين أيضا تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام المحلّة المعروفة بحارة المغاربة المقابلة للحائط لكونه موقوفا حسب أحكام الشرع الإسلامي لجهات البر والخير . إن أدوات العبادة و ( أو ) غيرها التي يحق لليهود وضعها بالقرب من الحائط إما بالاستناد إلى أحكام هذا القرار أو بالاتفاق بين الفريقين لا يجوز في حال من الأحوال أن تعتبر أو أن يكون من شأنها إنشاء أي حق عيني لليهود في الحائط أو في الرصيف المجاور له ".

 

وأسفرت المظاهرات او اطلق عليه اسم "ثورة البراق" عن انشاء جمعية "حراسة المسجد الاقصى" التي انتشرت فروعها في معظم المدن الفلسطينية، واشترك المسيحيون مع قادة الحركة الوطنية للدفاع عن الاراضي الفلسطينية، للتحذير من الخطر المحدق بالاقصى المبارك، ومحاولات اليهود بناء الهيكل على انقاضه. وكانت الجمعية تصدر البيانات تباعاً وكان لها دور هام في تصاعد هذه الأحداث حتى انفجار الانتفاضة في 15 أغسطس 1929.

وخلال الشهر التالي للانتفاضة فكرت السلطة المنتدبة في تطبيق المبادئ التي وردت في الكتاب الأبيض لعام 1928 بشأن الحائط، وأبلغت ذلك إلى رئاسة الحاخامين في اليوم الأول من اكتوبر 1929، غير أن هذه التعليمات لم ترض اليهود لأنهم كانوا يحاولون الحصول على مزيد من الحقوق عند الحائط، ولم ترض العرب الذين كانت بعض هيئاتهم مثل جمعية حراسة الأماكن المقدسة ترفض قبول المبادئ المقررة في الكتاب ولتي تقول بأن للطائفة اليهودية حق التوجه إلى الحائط في جميع الأوقات لإقامة الشعائر. ونتيجة للضغوط اليهودية أصدرت الحكومة بياناً جديداً في اكتوبر 1929 يتضمن تراجعاً عما جاء في كتابها الأبيض، لكن تهديد العرب بالإضراب العام جعلت الحكومة تجمد الوضع على ما هو عليه حتى يعاد تنظيم قوة الشرطة ويتم حماية المستعمرات اليهودية المكشوفة. 

والاعتداءات تستمر..

 أعدت منظمة يهوديةً مجسما كبيرا لحائط البراق، على أنه “حائط المبكى اليهودي ”، في متحف خاص في حي بروكلين في مدينة نيويورك الامريكية وقد نظم حفل افتتاح رسمي شارك فيه وزير اسرائيلي ، فيما تعهدت شركة الطيران الاسرائيلية “إلعال” بنقل ” أوراق الامنيات ” التي ستوضع في المجسم ببروكلين ، لوضعها بين حجارة ” المبكى” في القدس المحتلة ، وهو ما يكرّس أسطورة ” المبكى” والهيكل المزعوم.

هذا وكانت “منظمة حباد” – احد التيارات الدينية اليهودية المتشددة – وفرعها في نيويورك افتتحت انشاء مجسم لحائط البراق ، على انه ” حائط المبكى اليهودي” ، وذلك في ” متحف الاولاد اليهودي” الواقع في حي بروكلين بمدينة نيويورك الامريكية، وأنشأ المجسم في صالة ”البيت الاسرائيلي” الذي يحكي الرواية التوراتية التلمودية.

وصادقت سلطات الاحتلال على مخطط لبناء ضخم في ساحة حائط البراق بالقرب من جسر باب المغاربة بالقدس المحتلة يطلق عليه اسم "بيت هليباه"، لاستخدام المستوطنين الذين يدنسون حائط البراق بالإضافة للسواح الأجانب حيث سيتضمن قاعات استقبال ومركز معلومات ومعرض للآثار، حيث ستصل مساحتة قرابة 3700 متر مربع ومكون من ثلاث طوابق بالإضافة إلى طابقين تحت الأرض. وأكدت مؤسسة الاقصى للوقف والتراث أن المخطط يدور عن بناء ضخم سيُقام في أقصى الجهة الشمالية الغربية من ساحة البراق – غربي المسجد الأقصى، يتضمن بناء متحف تهويدي، وصالات محاضرات وأخرى للعرض، مكتبة وأرشيف، مركز معلومات، وسيسمى المبنى " بيت هليباه – المركز لتراث حائط المبكى"، وأشارت المؤسسة إلى أن هذا المبنى سيقام على أنقاض مباني وآثار اسلامية عربية في الموقع، وسيشكل خطراً مباشراً على بناء المسجد الاقصى المبارك ومحيطه، خاصة حائط البراق وجواره، كما سيتم من خلال هذا المخطط طمس معالم اسلامية وعربية، وتزييف وتحريف للتاريخ".

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر