موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

بعد العشر العجاف، من يظلم غزة اليوم؟ 1/2


  إن اللوم سهل والأسهل منه أن يتم توجيهه للآخر، أن اللوم ووضع المسؤولية كاملة لما وصل إليه الحال أو تدهور المآل على كتفي شخص واحد دون سواه، مهما علت منزلته أو مرتبته أومنصبه، لا أظنه إلا اجتزاء وابتسارا وتهوينا وخروجا عن الموضوعية.
وإن محاولة تحميل المسؤولية عن التدهور السياسي والاجتماعي لعامل وحيد أوحد أي لذات الشخص -حتى لو كان الرئيس- وتنزيه الذات الشخصية أو الفصائلية أو المجتمعية أو غيرها من العوامل عن المسؤولية لهو البطلان بعينه.

الانقلاب في غزة يتجاوز الأسماء
 يشهد القاصي والداني أن ما كان له السبب في تدهور الحالة، ولنحدد المقصود بوضوح وهي الحالة الفلسطينية في غزة من انقلاب أفضى إلى انقسام سيؤدي لانفصال، يتجاوز الشخص والمنزلة والأسماء، ليرتبط فيه المحلي مع الإقليمي المنتفع، ومع العالمي الانتهازي، بل ومع الإسرائيلي صاحب المصلحة الأولى الذي تسعى لإرضائه شمالا وجنوبا العديد من الشخصيات من طباخي السم لدى الإطراف الوطنية المتنازعة.
إن عشر سنوات من الانقلاب الدموي، ومحاولات رأب الصدع لم تؤتِ أكلها، وكانت النتيجة أن استطاع الاسرائيلي تفتيت المجتمع وتفتيت النظام السياسي، بل وبناء قاموس خطاب جديد يضع فيه الفلسطيني الغزي مقابل الفلسطيني بالضفة، بل ونجد من يلحّن لهذه النغمة ويلعب عليها قاصدا متعمدا، ومتهما.

المقاومة والفضل!
 لعلك ترى الراحة العسكرية والأمنية والسياسية لدى الاحتلال الإسرائيلي نتيجة هدوء المدافع في غزة، ومن غزة باتجاه الاحتلال ضمن هدنة طويلة و(تعاون-حسب مصطلح حماس) أو"تنسيق أمني" حافظ للأمن الاسرائيلي من قطاع غزة، ومنع أي رجم لحجر عبر السلك في تنسيق التفافي غير مباشر، يقابله هدوء آخر بالضفة بتنسيق أمني محكوم باتفاقية علنية.
إن كانت المقاومة الشعبية السلمية خيارا فلسطينيا منذ العام ، فهي أصبحت خيارا لكل الفلسطينيين حتى لدى فصيل "حماس" في غزة بعد سنوات عشر عجاف، وفي ظل شرعنة جديدة لذلك بالوثيقة الجديدة. 
فهل نقول أن الفضل في تبني هذا الخيار يعود وفق المثل القائل "رب ضارة نافعة" أي يعود للحروب العدوانية الصهيونية على غزة؟ التي ركّعت وطوعت وسهّلت؟ وفتحت في العقل طاقة لفهم الموازين على حقيقتها؟ 
أم أن الفضل يعود لاستحكام الحصار، وانكشاف أصحاب الشعارات الخلابة التي لا تطعم من جوع ولا تحمي من خوف؟ 
أم يعود تبني المقاومة الشعبية دون سواها لسقوط راية الكفاح المسلح وأخرها لدى حماس بعد ثبوت استغلال المحاور الإقليمية للرصاصة والحجر والتنهيدة؟
أم أن الفضل لتبني المقاومة الشعبية ما لا نعترف به أبدا يعود بالحقيقة لبُعد النظر والقدرة على رؤية المتغيرات والفهم المسبق للمستجدات، وهو ما ميز قيادة حركة فتح، ووعته حماس بعد سنين عشر، واثر عديد اللطمات والطعنات والوعود الكاذبة من القريب والبعيد، فكانت وثيقتها إيذانا بنزع ثوب مرحلة ولبس ثوب جديد؟

الثلاثية الشيطانية والرباعية الظالمة
إن إلقاء التُهم جزافا مقرونة بالثلاثية الشيطانية من: "التشهير والتخوين والتكفير" هي مما أدمنته عديد التنظيمات الفكرانية (الأيديولوجية) عامة، ومنها ما أدمنته أبواق سلطة تيار حماس الانقلابي في غزة، والتي لا تكف فضائيتها ومواقعها عن بثه في وعي الأطفال والشباب، كما في وعي المصلين بالمساجد، ومازالت تسير عليه دون نقد للذات أو المراجعة للخطاب أوالاعتراف بالخطيئة أبدا، لذا فكل عمل يأتي من سوانا باطل حتى لو كان يفيض عسلا أويسعى لخير، وما الجديد في ذلك ونحن أبدا أهل الحق ومن هم سوانا أهل البدع أو الباطل؟

 
في غزة يحاول التيار الانقلابي الحمساوي أن يدمج متعمدا في وعي الناس بين أربعة هي: المواطن الفلسطيني الغزي، والحمساوي، والمقاومة، والإنسان المسلم، ليصبح الكل واحد فحين تتحدث عن المقاومة أوالمقاوم فأنت تتحدث قصرا عن الحمساوي، والحمساوي يعني أهل غزة، وعندما تتحدث عن المعاناة لحماس فهي معاناة أهل غزة بمعنى تقاسم المعاناة والمسؤولية بينهما لا فرق.
 تتغنى حماس بالإسلام الحصري، وبالمقاومة، لتربط بينهما وبين غزة وبينها، فلا نستبين الفرق بين الأربعة، لذا تتحدث حماس عن نفسها كأنها الممثلة لله، و/أو الممثلة لكل أهل غزة وبذات الوقت الممثلة للمقاومة في خلط ما استقام يوما.
 يعني كل هذا بالوعي الشعبي أن حماس فقط هي من تحمل غزة وهي فقط من تحمل المقاومة وتحمل معاناة كل أهل غزة على كتفيها كما تحمل الدين، وبالتالي يقف الأربعة كلهم في واحد مقابل السلطة والرئيس والضفة والتنسيق الأمني في معادلة معيبة وفي لعبة مكشوفة يقصد بها تشطير الوعي الوطني باستجداء أهلنا في غزة، والتحريض المستمر لطرف شعبي على آخر، وتحميل المسؤولية لطرف واحد مع تعمد إغفال دور "حماس" الرئيس من جهة، وإغفال المسؤول الحقيقي والأول عما آلت له الأمور في القطاع وهو شارون.

شارون أبوالانقلاب والكراهية
شارون هو الذي زرع بذرة الانقلاب والانشقاق والشقاق والكراهية والحقد بين الأخوة بإعادة انتشاره أو تموضع قواته المحتلة من غزة المحتلة مع الضفة حتى اليوم، إذ بدلا من أن نعي وقوعنا بالفخ والمكيدة نصّبنا سلطة موازية بغزة بعد الانقلاب الدموي عام 2007، وبدعم إقليمي بائس، وظننّا  كتيار انقلابي في حماس إمكانية الجمع بين حدة النظر وقصر النظر، أو بين فن تحقيق المكاسب من حيث هي السلطة، وفن التضحية من حيث هي الثورة؟
في غزة نحكم كفصيل بشكل واضح بلا شريك ولو شكلي، ونؤمم المساجد للفصيل، ونكمم الأفواه ونحجب ما نريد، ونمنع المقاومة كليا عبر الحدود، ونرسم للناس حد الفقر بسيل الإتاوات والضرائب بلا قانون، ونرجم الفرحة وندعو للكراهية فمن ليس معنا كفصيل فهو يكرهنا وهكذا تسرى الإشاعة السوداء أن أهلنا بالضفة يكرهون اخوتهم في غزة كالنار بالهشيم؟!
 نكبل أبناء شعبنا في غزة بالصبر (هو بالحقيقة اليأس) عزفا على وتر التطويع للآيات لمصلحة حزبية فتصبح كل مآسينا من خارجنا ونحن "الأربعة معا" الصابرون.
لا نطلب من أهلنا الفلسطينيين في غزة أن يسامحونا على ما نفعله بهم، فليس لهم الكلام أوالشكوى أوالقول إلا ما نقول كما حال فرعون مع قومه، حتى الاحتجاج منهم على عدم وجود أي هواء أو نور يبدد الظلمة، أوانتخابات في أي نقابة أو مؤسسة أو بلدية أو جامعة يدخل في ذات الباب، أي باب الهواء المسدود وهو باب الحكم الاستبدادي للفصيل حيث يصبح المنع هو القانون والإباحة هي الاستثناء فنعكس الشريعة ونلغم الفكر ونفجر الرؤوس.

 

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر