لقاءٌ تأخر ثلاثين عاما!

2017-06-29

 

 

ما كنت حالما ولا واهما ولا كنت في حلم يقظة، لقد كان ما سأقصه عليكم في ليلة العيد، بعد أن أعلن المفتي انقضاء عدة رمضان ودخول العيد

نزل عليّ ملاك الرحمة هابطا من السماء بلا حبل ولا سلم، نزل بهدوء وكياسة الفراشة، يخيرني بين طلبٍ قديم وآخر جديد؟

اخترت القديم، بلا تفكير.

بعد أن تجلى بثوبه الأبيض النقي ووجهه البشوش، قال: لك أن تطلب ولي أن ألبي، يوم من القديم أو يوم من سنوات القادم الجديد.

 قلت له: أريد العودة ليوم واحد من عام ، أعيشه فانتعش.

قال: احذر،إن الثمن باهظ....فكر ثانية وأطلب، يوم قديم أم يوم جديد؟

قلت: وكيف يكون الثمن باهظا؟

قال:إن عودتك للماضي تعني أن تفقد من سنينك المقدرة القادمة بمقدار الرجوع، ثلاثون مضت بثلاثين قادمة متوقعة...ولكنك ستعيش اليوم للعام القديم كأنه سنة.

قلت: أعودةٌ ليوم مضى من عام بثلاثين قادمة أو ، إن قدر الله؟

قال:نعم، هذا إن كان مكتوبا لك أن تعيش الثلاثين القادمة، ولاحظ أنك اليوم بالخمسين من عمرك.

قلت: دعني أفهم بوضوح ثانية، يعني إن كان مكتوب لي سنة أو عشرة أو حتى عشرين سنة قادمة، ستعني موتي مباشرة بعد عودتي من اليوم القديم الذي أعيشه كأنه سنة.

قال: نعم، وحتى لو كان مكتوب لك عاما إلا يوم حالي فستعود من يومك القديم إلى قدرك وقبرك.

تأملت بصمت مطرقا ما بين متهيب ووجل تدغدغني مشاعر الحماسة للقديم وتشدني كتل الحنين من جبال الحاضر : يوم واحد من عام تمنيت أن أعوده فأعيشه حياتين معا، وفي المقابل سأفقد معه عمري القادم! كله، فهل أنا حِملُ ذلك؟

 يوم قديم ، ذكرى يوم جميل مضى-وكل ما مضى جميل مع الأحباب أوالأجوار والأصحاب- أن أعيشه بعقل اليوم متأملا إياه في شخصيتي القديمة والجديدة معا؟

هل تراني قادر على الاختيار؟ يا لهذه السنين التي تهد ظهري وتقهرني ببطء اتخاذ القرار؟

قال: لمَ لم تختر الجديد، حيث المستقبل؟

قلت: لم نعد نجد من القوة الكافية للاندفاع للأمام إلا باستحضار القديم،ففيه كانت القوة اللازمة ومنه نستمد العزم، ومنه ننتعش بأنفاس حلوة نتمنى أن نعيشها اليوم كما قد حصلت بالأمس... ولكن لا مجال لذلك.

استرسلت وهو يصغي: كنا نخجل استدعاء الذكريات في مرحلة الشباب، حتى قبضت الحياة على أرواحنا بيديها ولم تفلتها إلا حين استقوينا عليها أحيانا بقدرة الاسترجاع لذكرى القديم، فكيف تريدني أن أتنفس، وعليل الهواء قد نفد مع القديم؟

قال:احزم أمرك.

تناجيت متفكرا مع نفسي، فالأمر جد خطير: يوم واحد مكبسلٌ في عام مما مضي من ما قبل ثلاثين عاما... أتراه أفضل! أتراني فيه أجمل، أتراه يستحق؟

استطردت: حينذاك في ذاك اليوم القديم كنت أحس بصدق.

أحس بصدق حين أبكي الدمع يبلل خدي، وحين أشكو لأمي أو صديقي عبوس يومي أو أمسي، وحين أحزن على فراق أو قسوة أو خداع أو فوات أوان أو فشل، وحين أفرح بليلة جميلة أونهار بهي لعبت فيه مع أنداد تجمعوا لعيش اللحظة كاملة بلا نقصان.

أحس بصدق حين أشهق وحين أعشق، وقد عشقت من الأشياء والأحياء والأموات الكثير، وأحس بصدق حين أضحك كثيرا، وحين أجفو وحين أعفو.

أحس بصدق حين تغمرني السعادة كالشلال الهادر من قمة رأسي إلى أخمص قدمي، فكيف لا تريدني أن أعودها...فيُقضى عليّ بعدها؟

عندما أضعت قلمي الرصاص بالمدرسة حزنت بصدق، وعندما خفت من ضياع حقيبتي كان الخوف صادقا، وعندما نقصت من علاماتي علامات كدت أتميز غيظا.

 عندما تخطيت سنتي الجامعية الثالثة تنهدت بعمق، وعندما تجاوزت فصلا دراسيا مفضلا رحلة إلى المجهول كنت فرحا ولم أقلق...بصدق

وعندما قال لي محمد نكتة من نكاته الكثيرة اللذيذة كثمرات التوت البري لم أتمالك نفسي من الضحك من اللذة مرارا وكلما طافت بي الذكرى...لقد نسيته اليوم! نسيت الضحك!

فرحتُ بصدق عندما ذهبنا في رحلة قصيرة لإحدى الجزر القريبة من الشاطيء، إذ كنت أفيض فرحا عندما سقطنا بالماء أو دُفعنا له، وعندما تراشقنا بالماء، وعندما ركضنا وراء بعضنا بعضا وضحكاتنا تطاول السماء، وعندما غنينا لأم كلثوم وفريد وعبدالحليم ونجاة بلا حسيب ولا رقيب.... وعندما تمددنا على رمال البحر فنظرنا للمستقبل القادم بفرح غامر...كالشلال.

أحسست إحساسا صادقا لم أعد أحس مثله اليوم... لما حادثتني حبيبتي بحلو ملافظها وجمال مبسمها وفرحة عينيها الصادقتين، ورجفة يديها الرقيقتين... فلم استطع حينها أن أنزع رأسي من تحت الشلال!

قبل عاما كان محمد وأحمد ومحمود، وكانت هي وتلك وأولئك سياجا أتزنر واتمنطق به مختالا

حينها في ذالك اليوم القديم لم تهدّني الأنواء ولا المصاعب

في ذلك اليوم القديم خُضت البحر واثقا كأني النبي موسى... وهو ذات البحرالذي لا أستطيع اليوم أن أضع قدمي فيه.

كانت الذكريات بالأمس عارا، وأصبحت اليوم موقد نار، وشعلة حياة متجددة، وضياء يوم لا ترغب سُحب الكآبة المتراكمة المتراكبة فيه أن تزول

بالأمس البعيد زرعت الأمل والرجاء والود وبساتين عشق كثيرة

واليوم عندما أطل على حديقة قلبي لا أجد إلا (قاع صفصف خاوية)

ألا يمكنني أن أتزود بالوقود بالعودة للمحطة القديمة؟ بلا مغارم؟ ولا خسران؟

دعني أعود ليوم واحد فقط لعلني أتجدد وأنشط، ولعلني أعيد الاعتبار لكثير من المشاعر التي ذبلت أو تآكلت أو ماتت ؟

لم ينطق الملاك ببنت شفة مترقبا خياري، فماذا تظنون؟

كانت هذه المقدمة التي شدت انتباه الحضور حتى حد البكاء من ناصر في حفل ضم لقاء لمجموعة من الأصدقاء القدامى من طلبة الجامعة تأخر لثلاثين عام،وقام فيه الداعي للحفل بالترحيب بزملائه من أصقاع الأرض.

فذاك القادم من كندا وتلك من أمريكا، وذاك من مصر وأخيه من بلاد الشام، وأولئك من الخليج العربي ومنهم قدم من ألمانيا،

وللمفاجأة لم يغب ذاك الصديق القادم من استراليا وبالطبع زوجته وأطفاله.

قال محمد مبتسما: وماذا قلت للملاك؟

قلت بابتسامة واسعة: أصررت، وطلبت منه اليوم القديم.

قالت حزينة: وهاهو قد تحقق.

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر