"أوراد" حين تهدأ الخيول

2017-07-26

 

عندما يكون النقاش سلِسا لا تعكر صفوه التعصبّات من أي نوع فإنه قطعا يُسفر عن نتائج، بغض النظر عن حجم الاتفاق أو الاختلاف لأن مبرر النقاش والحوار ليس طرح الرأي لغرض قهر الآخر أو ترويعه أو افحامه وتحقيقه الغلبة، وإنما تبادل حر للآراء والمواقف التي تكون قابلة للجرح والتعديل والتطوير، والرفض أو التبني.

 

 بل ومن الممكن أن تتجاور الأفكار بمنطق الخيارات أو البدائل التي تقبلها الطاولة فيتفكر ذاك الرافض لخيار ما بعمق، وبعد جدل طويل وتقليب للأمر، يقول : ممكن! هو هنا خرج من منطقته الآمنة أو قالبه الفكري الجامد، ونشّط عقله للنظر من زاوية أخرى فمط شفته السفلى وقال ممكن.

 

 إن تجاور الفكرة والثلاث والخمس أفكار ليس عيبا إنما هو رحابة وسِعة، وتقبُل، فالطاولة التي لا تلقي بالآراء المختلفة بسلة المهملات بل تعتبرها ذخرا هي طاولة ديمقراطية حقة.

 

لا يرتبط الحوار دوما بالإقناع رغم أهميته حين تصارع الأفكار، إذ أنه أي الحوار قد يرتبط بهدف تحقيق التواصل وسبر الأغوار، وقد يرتبط بمحاولة "مشتركة" وأشدد على "مشتركة" للحصول على بدائل.

 

هذا ما كان من أمر الطاولة المستطيلة (شبه المستديرة) في مركز أوراد في رام الله من فلسطين في ظهيرة صيف قائظ، المركز الذي كثيرا ما يفاجئنا بالحث على التفكير بهدوء الخيول بعد تعب يوم طويل، لذا فإن عنوان الحوار الهام (ورشة بحثية بعنوان "بين الواقع  والمستقبل: إلى أين تتحرك القضية الفلسطينية؟) كان محفزا لعديد الأسئلة السياسية والمجتمعية وتلك المتعلقة بالمستقبل والرؤية مما طرحها د.نادر سعيد مدير المركز مفتتحا النقاش بمحاولة قياس مدى التفاؤل والتشاؤم من الوضع الفلسطيني.

 

من المنطقي في ظل سوداوية أو غموض أو تعارضات تكلّل الوضع الفلسطيني السياسي أن يكون الجواب المتوقع أن نسبة التشاؤم عميقة، خاصة متى ما ارتبطت بنظرة قيادات مجرّبة كان لها من التاريخ الكثير، وهم غالبية الحضور ولا نفتئت على أحد، لكن المثير هو أن حجم التفاؤل كان مميزا من (طائفة) الشباب من الحضور، وافترضوا بتفاؤلهم رؤية للإيجابيات دون إغفال السلبيات في إطار نقدي شامل.

 

إن مجموعة الأسئلة المفتاحية التي استخدمها وعلق عليها برأيه رئيس المركز كانت معدّة سلفا ما يدلل على رغبة حقيقية بالتوصل لجواب أو أجوبة، وبالحقيقة كانت الأجوبة أحيانا بخطين متوازيين، وأحيانا بدوائر متقاطعة.

 

يقول د.نادر سعيد في مقدمة الورشة: ما زالت القضية الفلسطينية تراوح مكانها بعد أكثر من اثنين وعشرين عاماً بعد التوقيع على اتفاق أوسلو. كما أن شكوكا مريبة تلوح في الآفاق تجاه حلم إقامة الدولة الفلسطينية والخيارات السياسية التي لا يمكن عزلها عن ظروف الحياتية اليومية والاقتصادية الخاصة بالفلسطينيين من جهة، والمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية من جهة أخرى.

 

وضمن هذا الإطار، يبادر مركز العالم العربي للبحوث والتنمية “أوراد” لتأطير نقاش جدي ومسؤول يبحث مجموعة من القضايا الجوهرية منها: واقع ومستقبل مشروع السلطة، وفرص التحرك نحو تحقيق حلم الدولة الفلسطينية المستقلة، ومستقبل القيادات والحركات السياسية الفلسطينية.

وهذا ينصب في اطار دراسة بحثية متكاملة لعرضها على الفعاليات السياسية وصانع القرار الفلسطيني لاحقاً حيث تستهدف الدراسة فئات متنوعة من شرائح المجتمع الفلسطيني بهدف الخروج بتفاصيل وتصورات كاملة عن الوضع الفلسطيني.

 

 

لا أريد أن أسجل فحوى اللقاء الهام، ما أتركه للتسجيل الموثق الذي قام به المركز الذي قد ينسب كلّ رأي لصاحبه، وكل الآراء باعتقادي كانت محترمة وناضجة وذات دلالة حتى تلك التي اختلف معها أو مع بعضها لأن الحضور كان بحق نخبة وطنية جماهيرية.

 

تطرق الحديث ما بين  أنفاس التفاؤل والتشاؤم الى غياب ثقافة العطاء وانعدام الثقة، وانعدام الكفاءة كعدو أسبق من العدو الصهيوني، والى تراجع الروح المعنوية والروح التطوعية الجماعية، وتغلغل عقلية الفردية لا عقلية المؤسسة، وتمت الاشارة لتغلب الفساد في بعض المستويات ما يؤدي لرتابة العمل والبرود، والى ردة فعل عكسية لدى التنظيمات خاصة عندما تفشل فتلجأ للقمع أو الصمت عن الفساد واسترضاء الناس بأي شكل.

 

 ولم يسلم القضاء أيضا من النقد، كما والسياسات غير المتوائمة مع الاحتياجات، وفي ظل انعدام بصيص الأمل من النظرة التشاؤمية كان للشباب من الحضور أن أشاروا لصلابة هذا الشعب الذي يجترح المعجزات من تحت الرماد.

 

 وأشاروا بقوة لتحسن الحياة، وتطور الخدمات، والاستقرار الامني النسبي مقارنة بعهود الاحتلال البغيضة. كما أشادوا بعقلية الديمقراطية والانتخابات البلدية وفي الجامعات، وأوضحوا أن هناك من المؤسسات الفلسطينية ما نفتخر بها بلا جدال مثل سلطة الطاقة والنقد والاحصاء وغيرها، وأشار البعض لمنجزات في المجتمع المدني وفي الاطار النضالي.

 

ورغم كل ذلك، وفي الرؤية أو الطروحات للمستقبل كانت النظرة تراوح بين ضرورة الوحدة الوطنية كمقدمة لاسترداد احترام الذات والعالم، وما بين فقدان الأمل في ظل تعدد المشاريع المطروحة بين الاندماجية (الفدرالية) والتعاهدية (الكونفدرالية)، أوتشكل كيانين منفصلين بين الضفة وغزة، واستمرار الضفة ترزح تحت الاحتلال، وان كان المسمى الفلسطيني كائنا ما يكون، كما تم طرح النموذج القبرصي في غزة ضمن التفكير من بعض الدوائر ضدنا، الا أن مركبات السوداوية أو اليأس المطلق ما أظنها كانت الغالبة رغم طغيان التشاؤم من جهة، ورغم سعرات النقد السلبي العالية فهي جاءت من قلوب مثقلة بالهم الوطني وعقول تحركت من أجل دفع عربة التغيير الى الأمام.

 

دعوني أعبر عما قلته، أو أغفلته، مستغلا هذه الفرصة السانحة التي أتاحها لنا مركز أوراد للتفكير حيث رأيت أن الثقافة التنظيمية/الحزبية الوطنية الفلسطينية تتخذ منحى سلبي في بعض المواضع، فعلى سبيل المثال يتم النظر لقيمة ومكانة وموقع الفرد/العضو من خلال "منصبه" ومن خلال "الامتيازات" الملحقة به وبمقدار "قربه من السلطان" أي كان هذا السلطان رئيسا لنقابة أو مؤسسة أو تنظيم، وهذه تربية وتعبئة سلبية داخلية تنخر عظام فكرة العطاء والفريق.

 

 أما ما يتداوله القادة السياسيون ردا على سؤال مدير الندوة فلقد أوضحت أنهم يتداولون بكل شيْ ومنها في 4 قضايا رئيسة: إذ يتداولون في قضايا المصالح الذاتية من الموقع والامتياز والتنافس بينهم والأسبقية، كما يتداولون بالسياسة الى حد التخمة، وأحيانا يظهر الخصم بأحاديثهم أكثر مما يظهر العدو حتى يشكل للبعض شبحا ليليا يستنزف قواه على عكس آخرين في الورشة رأوا أن لا تفكير سياسي أواجتماعي لدى القيادة السياسية.

 

 وقلت أنهم يفكرون أيضا ويتحاورون حول مايقولونه بالإعلام وحول صورتهم فيه، كما إنهم بلا شك يتداولون بشؤون الناس واحتياجاتهم لا سيما أن عددا من الحضور عبّروا عن اندراج التنظيمات بما فيها حركة "فتح" و"حماس" في السلطة ما يعني قيامها بدور البناء المُقعِد عن التحرير، أو البناء الى جانب التحرير ما هو صعب وربما غير قابل للتفكيك، أما ما لا يفكر به السياسيون ذوي المواقع المتقدمة برأيي فهو في الثقافة والفكر والشؤون التعبوية.

 

يقول مروضو الخيول التالي: (يعتقد البعض أن الصراخ يمثل الطريقة الناجحة للسيطرة على الحصان ولكن هذه الطريقة تسبب له كثير من النفور منك والإبتعاد ويمكن أن يؤذيك، الحصان لايفهم الكلمات لكنه يسمع الصوت إذا كان هادىء أم عالى ومتعصب فلابد من الهدوء فى الكلام أمام حصان هائج للتمكن من السيطرة عليه، الحصان لا يفهم كلام الإنسان ولكنه يميز نبرات الصوت العالى والمزعج له من الصوت المنخفض الهادىء، فمن أهم ما تفعله أمام حصان هائج هو التحدث بنبرات منخفضة هادئة لتتمكن من السيطرة عليه بكل ثقة وسهولة (.

ويضيفون: (لكى تتمكن جيدا من السيطرة على حصان هائج لابد من إظهار يدك أمامه ودون أن تحمل فى يدك أى شىء وذلك لتثبت له أنك لن تؤذيه، بعد أن تقترب من الحصان الهائج لا تلمسه إلا بعد أن تشعر بثباته وهدوئه من الهيجان والإنزعاج، بعد هدوء الحصان الهائج قم بلمسه بلطف، هناك أنواع من الأحصنة تكون شديدة الهيجان والإنزعاج ولا تهدأ بسهولة فيجب عليك ضرب الحصان الهائج فى هذه الحالة ضربات متتالية ولكن لا تكون قوية ولاخفيفة فى نفس الوقت.)

 

مما لم يسعفني الوقت بقوله حول الوضع الفلسطيني الداخلي المتأزم في ظل سيناريوهات المستقبل الكالحة هو أن مشاكلنا انتقلت من صيغة المشاكل إلى العقد التي تحتاج الى تفكيك ما بين المشكلة السياسية بين عقليتين وبرنامجين ومشروعين أو هكذا يريد على الأقل المتطرفون الأيديولوجيون، وما بين عقد فكرانية تحتكر الوطنية أو الاسلاموية وتنزعها عن الناس بعقلية الاقصاء، وبين المشاكل الاقتصادية والمصلحية المرتبطة بتقاطعات رجال الأعمال مع السياسيين وتدخلات الاقليم السلبية.

 

وفيما سبق أورت ترويض الخيول كنموذج يستحق التأمل في النفس سواء الحيوانية أو الانسانية فإذا كان التفكير الهاديء والنظرات واليد المفتوجة واللطف والحوار يجدي نفعا مع الخيول فكيف الحال بمن منّ الله عليه بالعقل ليكون ميزانه.

 

 وقفزا نحو الحل اعتقد أنه لا بديل عن الوحدة الوطنية التي تجر العرب والأمة جرا لاعادة الاعتبار للقضية، وتمثل دعوة الرئيس أبومازن مفتاحا يضعه بيد "حماس" لتخرج به من عزلتها فإما تمد يدها أو يتغلب فيها فكر الانقلاب والطغيان فتُحجم عن ذلك.

 

 وعموما هذا يحتاج لخطوات خمسة برأيي، أولا تهيئة المناخ بتخفيض أو الغاء لغة الخطاب التحريضي بين حركة "فتح" و"حماس"، ويحتاج ثانيا لتغيير أدوات الحل فهي قد يكون بيدها مفتاح الحل والقفل، أما ثالثا فعلى الفصائل الأخرى والقوى الشعبية أن تخرج من منطقة الانتظار وتتدخل بشكل فاعل لردم الهوة وضمان التنفيذ لأي اتفاق، ليصار رابعا الى تحقيق تنازل متبادل، وما العودة للاتفاق بين حركة فتح وحماس في القاهرة الا تنازلات عن غلو يحتاج لإرادة حل وقرار. شكرا "أوراد" فالخيول حين تهدأ تتأمل.

 

 

 

 

 

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر