موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

محمود أبوبكر المناضل دون ضجيج (منقح)


 

 


نستطيع أن نجد  مناضلا مثابرا على العمل فقط ، بدون أي كلام كثير يسبق الفعل أو أي آلات تصوير=كاميرات تسلط على شخصه... لا بل هناك الكثير لدينا فى فلسطين منهم، ومن هؤلاء ينير هذا الدرب اسم محمود .

 (محمود على ناصر أبو بكر) أو الحاج أبو بكر العسكرى أو أبوبكر سعيد المغربى أو الختيار ولد في فلسطين من أب وأم عربيين ضمن محافظة جنين فى قرية رمانة غرب مدينة جنين عام 1925، وانتقل منذ طفولته للعمل مع اخوتة التجار فى مدينة حيفا منذ عشرينات القرن العشرين.


  عمل أبوبكر مع أخوته فى حيفا خاصة أخيه مصطفى، وكان حينها وضع المدينة المختلط فى الديانات مع وجود الاحتلال البريطانى آنذاك متوترا، وقد ساعدت بريطانيا فى إثارة الفتن والمؤامرات فيها بشكل كبير.

 التزم محمود أبوبكر مع (جمعية الشبان المسلمين) بالعمل ضد هذه النعرات المفرقة بين أبناء الشعب العربي الفلسطيني الواحد، ومع حماية العرب ومصالحهم هناك، لكن الأمور كانت تتجه نحو الاسوأ كل يوم وخاصة عندما أدرك الناس أن هناك صفقة سيكون لليهود -من القوميات المتعددة المنتشرين خاصة في أوربا- فيها دولة على حساب العرب الفلسطينيين أصحاب البلاد.

أشبال عزالدين القسام

 بوجود الشيخ القائد المناضل عز الدين القسام فى حيفا، وباستثماره مسجد حيفا الكبير أحدث حراكا ثوريا، فلقد كان يعطى دروسا دينية في المسجد، وفى الليل يقوم باعطاء عدد من الدروس الوطنية والعسكرية الاولية ولقد حققت هذه الدروس متغيرا متميزا في النضال الفلسطيني ما جعل هناك ما يشبه التنظيم، ما عُدّ معه القسام "أبو التنظيم" في فلسطين، وكان أبوبكر من أوائل الاشبال الذين التزموا سرا مع القسام.


 أخذت الامور بالتسارع في فلسطين، وقرر الثوار مع القسام خوض معركة مبكرة مع الاحتلال البريطانى كان بعدها استشهاد القسام الذى اتخذ من بلدة رمانة بعد حيفا مكان انطلاق وتجميع للثوار وقد كان من ضمنهم أخو محمود أبوبكر، وهو القائد القسامي منجد أبوبكر


انخرط الثوار فى أكثر من معركة مع القسام، واستمروا حتى استشهد رحمه الله ورحم من استشهد معه ، وأصيب القائد منجد، وتم نقله للعلاج ومن ثم جرى اعدامه فى عكا مع اخوتة الثوار فى العام 1937م، وقد كانت جنازة منجد عرس وطنى مهيب شهد له الجميع.

 

منظمة "الكف الأسود"


 محمود أبو بكر وبعد استشهاد أخية منجد استمر فى العمل النضالي التطوعى مع المجاهدين، فكان ينقل الرسائل والسلاح من جنين لحيفا وبالعكس وذلك لمواجهة ما سيكون من مؤامرة على شعبنا أفصحت عن نفسها بقبح الاحتلال، وحتى العام 1948م كان هذه السنوات توسم بالمعارك الخفية، والاضرابات والمظاهرات ضد الاحتلال البريطانى ووعد بلفور المشؤوم، وضد تدنيس القدس، وضد معسكرات عصابات "الهاجاناه" الارهابية الصهيونية.

 

 تشكلت منظمة "الكف الأسود" التى كانت تدافع عن الأرض وحقوق العرب الفلسطينيين في وطنهم، وكان محمود أبوبكر من أوائل من انضموا اليها... حتى أتى اليوم المشؤوم عام  1948م، واشتدت المعارك ضد قرار التقسيم فى أكثر من بلدة ومدينة، وبقى القتال ضد الاحتلال الصهيوني الذى استولى على الأرض وأعلن قيام دولة اليهود على أرض فلسطين بعد انسحاب مخطط ومبرمج من قبل البريطانيين مع اليهود، فكانت النكبة .


في العام ال 1949 انتقل أبوبكر من حيفا الى جنين، وأعطى من قبل الجيش العراقي رتبة ملازم شرف، ولطالما أشار محمود أبوبكر في مراحله المتقدمة للضابط العراقي (اللواء لاحقا) محمود شيت الخطاب باكبار واعزاز تواصل مع اتزازه بنضالهم، واستمر فى القتال حتى دخلت الأردن وتسلمت الضفة. وكان محمود من قادة الحرس الوطنى فى غرب جنين وقتها، الا انه لم يعجبة الوضع هو وعدد من رفاقة وخاصة المناضل الكبير أبو مصطفى الاسمر .


 اللقاء مع ياسر عرفات

فى سنة 1958م كان القائد الرمز ياسر عرفات (ابو عمار) قد تحصل على بعض الأسماء من الذين هجّروا من حيفا ويافا وغيرها، وقدِم الى مدينة جنين ليلتقى مع المناضلين القديمين ومنهم كان أبوبكر وأبو مصطفى الاسمر وسليم أبوزيد وغيرهم، وكانت هذه خطوة من أوائل الخطوات في العملية المتواصلة على طريق تأسيس حركة فتح، وخاصة من الجانب العملى والعسكرى بعد دعوات عربية كانت تقول أنه لا يوجد هناك من يحرك الوضع على الأرض، حيث كانت الاحزاب الموجودة فى ذلك الوقت مشلولة وكل همها الكلام ثم الكلام فقط.

في القدس

 اجتمع الرمز أبو عمار مع محمود أبو بكر وأبو مصطفى الاسمر، ومن ثم مع سليم أبوزيد، وانتقلوا معا للاجتماع مع قادة آخرين فى مدينة جنين وقباطية وطوباس، وبالفعل استمر القائدين أبوبكر وأبو الاسمر فى التنقل مع الرمز أبوعمار حتى وصلوا القدس، واجتمعوا هناك وناموا فى أحد بيوت أبو السعود وبالتحديد عند خالة الاخ الرمزأبوعمار.

 وبعد ثلاثة أيام من عدة اجتماعات متتالية فى القدس توزع القادة الى المناطق الفلسطينية لكى يوحدوا صفوف المناضلين ضمن إطار واحد وبسرية، وبالفعل تم ذلك.

 حتى عاد ابو عمار بعدها فى أوائل سنوات الستينات من القرن العشرين   ليجدد العهد، ويرسم بدايات التأسيس الفعلي لحركة فتح في محطة هامة من المحطات، لكن الاستخبارات الاردنية آنذاك شكت فى محمود أبوبكر وسجنته، وبعد عدة واسطات خرج من المعتقل، وبعد عدة محاولات مريرة قبلت المخابرات الاردنية أن تصرف جوازسفر للقائد أبوبكر لكى يغادر بلا عودة، وبالفعل كان الأمر أصلا معدّا من قادة حركة فتح وأول المؤسسين على اللقاء فى الكويت.


 ذهب أبوبكر للكويت، وتوالت الاجتماعات هناك للتحضير والانطلاق وبناء التظيم، وبالفعل انطلقت حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح عسكريا فى أول الرصاص من قبل جناحها العسكرى العاصفة لكن الاستخبارات الاردنية استمرت بمضايقة عائلة أبوبكر حتى أبعدوهم فى العام 1966 الى الكويت.


استمر القائد محمود أبوبكر فى قيادة اللجنة العسكرية بالكويت آنذاك وبقى طيلة سنوات الستينات والسبعينات فى هذا المجال العسكرى والتنظيمى.

العمل النقابي بعد العسكري، والاصلاح

 انتقل محمود أبوبكر الى العمل النقابى فى الاتحاد العام لعمال فلسطين، وكانت هويته التى احتفظ بها منذ اقامته طوال طفولته وشبابه فى مدينة حيفا دوما بين يديه ، وهي الهوية التي تظهر بها صورته وهو يتدرب على المصارعة الرومانية لتمثل دليلا هاما على وجود أقدم اتحاد فلسطينى رياضي فى فلسطين.


استمر أبوبكر فيما بعد كعضو لجنة تنفيذية فى الاتحاد العام للعمال والذى كان له دور مهم فى نشر حقوق الفلسطينيين أمام العالم وبناء العلاقات الدولية ، وكان أبوبكر أحد المستشارين العسكريين للرمز أبو عمار أيضا في موقعه الجغرافي التنظيمي النضالي.

 

 

 محمود أبوبكر كان من النسّابين العرب القلائل المعدوديين على الأصابع، وكان له حضورا مميزا فى جميع المجالس فى الدول العربية، وفى كل الاجتماعات السياسية والنقابية، وكان فيما بعد رئيس لجنة الاصلاح فى منظمة التحرير الفلسطينية بالكويت، ومسؤول الشؤون العشائرية (فترة الثمانينات من القرن العشرين).    

 

وفاته عام 1998


 استمر أبوبكر فى عملة الوطنى والنضالى والجهادي حتى استشهد رحمه الله، وكانت وفاة شهيد الواجب القائد أبوبكر عام 1998م ، إذ كان بعد العودة للوطن في العام 1994 قد تقلد رتبة عميد في الأمن الوطني الفلسطيني والتوجيه السياسي، وقد كان أيضا عميد آل أبوبكر (في جنين ويعبد ورمانة وزبوبة وفي كل أماكن تواجد العائلة) وعميد المناضلين الفحول ممن علا صوت عملهم في دوائر النضال الصامت ولكنه الحاسم،ودفن قرب ضريح أخية منجد الموشّى بأبيات من الشعر الراقي، فى قرية رمانة.

 رنة صوته وحركة عينية والدأب صفاته  

يُعد القائد محمود أبوبكر من الرجال القلائل الذين كانوا يعملون بايمان عميق و بدأب شديد والتزام ومواظبة  لا تعرف الكلل أو الشكوى والسلبية.

كان الحراك الذي يقوم به الحاج محمود أبوبكر في نطاق التعبئة الوطنية والاستقطاب وبناء التنظيم السياسي والدعوة للفكرة الثورية يتملك كل كيانه، تسمعها في رنة صوته وفي حركة عينيه وفي رفعة يديه، وفي اختياره العمل بعيدا عن الأضواء او حب الظهور، إذ كان فعله هو ما يتكلم عنه غالبا، رغم أنه كان في مجالسه متحدثا لبقا ومنظرا لفكرة الثورة والنضال يجمع في وعائه الإسلامي المستنير والوطني.

 

 

العمق العربي والاسلامي

 لم تخلُ أحاديث أبوبكر أبدا من العمقين معا، فلطالما تمثل بآيات عطرة من القرآن الكريم ومن الحديث الشريف، ولطالما كان عزالدين القسام وأبوعمار وأشعار العرب على لسانه، لأنه اعتقد جازما أن طريق تحرير فلسطين طريق طويل يحتاج فيه لتكاتف العربي والاسلامي وبالطبع الوطني المسيحي.

كان محمود أبوبكر متوازنا في علاقاته مع التنظيمات الأخرى غير حركة فتح، فكما شكل نواة صلبة لحركة فتح والعمل الفدائي الذي رفد وساند فعل ونشاط خليل الوزير (أبوجهاد)، فانه كان يفترض أن وحدة الثوار في كافة التنظيمات واجبة ولو على المباديء وفكرة النضال بغض النظر عن المدارس الفكرية.

اتسمت علاقاته بقيادة حركة فتح المركزية بالسلاسة وهذا ما كان من طبيعة علاقته بياسر عرفات وخالد الحسن تحديدا، واستطاع محمود أبوبكر أن يبنى الكثير من الخلايا والكوادر التنظيمية الصلبة فترة وجوده بالكويت وبالتعاون مع معتمد الاقليم الأخ القائد سليم الزعنون وأبوعلي المطري وأبوسمير العلمي وعبد الاله قاسم وعلي الحسن وغيرهم الكثير.

 استطاع محمود أبوبكر أن يُعلي من قيمة التنظيم ومفهوم التطوع والنضال وفكرة الذات المندمجة في المجموع أو ما يطلق عليه اليوم عمل الفريق عبر حلقات نقاش وتدارس للأدبيات، وما تمخض عنها من مشاركات نضالية ميدانية في كل مواقع النضال للثورة في لبنان والوطن وحتى العودة له.

لقد كان محمود أبوبكر شجاعا مقداما في قول الحق، وكان لا يهاب أن يطرح وجهة نظره بصراحة حتى لو لم تعجب القائمين على الأمر، فشكل سلوكا واضحا وفكرا بعمق التحدي، وعملا لم يستطع أمامه مخالفوه الا أن يُكبروه.

الرجل الذي ارتبط بسجادة الصلاة والدعاء والفكرالنضالي، كان الى ذلك يؤمن بتفجير كل الطاقات واستثمارها للعمل في الوطن وخاصة الطلبة والشباب، وكان له أدوار مفصلية في بناء كادر المرأة التي اعتبرها شريكة النضال فلم يكن ممن يحجمون عن التعامل معها أو ابعادها.

 

أبناؤه

تزوج محمود أبوبكر من رسمية أبوقياس، وأنجب منها أولاده الذكور بكر وشكري وياسر وعمر وعمار وعلي، ومن الإناث بكرية وحمامة السلام وحلمية وزينب الذين تشربوا فكر الوطنية الممزوجة بالوعي القومي والبناء الذاتي الديني العميق، فانخرط غالبهم بالعمل الوطني ما بين شهيد وأسيرومناضل في موقعه.

السعي الكافي

محمود أبوبكر الذي لم تكن للاقليمية المناطقية الضيقة تعني له شيئا، شكل إطارا متآلفا من كل أبناء الوطن، فطالت علاقاته المتينة فلسطين من صفد الى الناصرة الى جنين فنابلس وحيفا ويافا وغزة ورفح والخليل وبيت لحم وخانيونس وبئر السبع، بل وارتبط بالعلاقات العربية المتجذرة بحبه النسب العربي الذي ارتبطت به عائلة أبوبكر.

محمود أبوبكر عمل بلا ضجيج، لكن عمله الصامت هذا أسمع من يرون النضال فعلا حافيا ومن يرون النضال سعيا كافيا، ومن يرون الجهاد سيف مسلط وكلمة شجاعة، ومن يرون النضال ايمان بالله والوطن لا يتزعزع، ويرونه صرخة حق وسعي عنيد لخدمة القضية والناس.

 وضع محمود على ناصر محمود نصار خضر جابر أبوبكر رأسه في قبره مرتاحا أنه أرضى الله سبحانه وتعالى أولا، وضميره وأمه المجاهدة زينب ثانيا، وقدم لربه ولقضيته ووطنه ما كان تعطيرا لسيرته الحافلة وأرثه الثري. 

2017

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر