موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

وعاء الوسطية والتيارات الماضوية 2


نشوء التنظيمات والأحزاب

كان الفصل الكبير والمتغير الرئيس في الفكر العربي الاسلامي هو نشوء التنظيمات أوالجماعات السياسية التي ترفع لواء الدعوة في ثوب السياسة أو العكس، ما كان مخالفا كليا لكل مذاهب المسلمين أو المنظّرين أوالمفكرين الذين كانوا يتعاملون مع عموم الأمة، وليس برسالة موجهة خصيصا لجماعة “مؤمنة” أو جماعة محصنة أو جماعة مخصصة دونا عن سواها ما أثمر عقلية جديدة مهدت البيئة لاحقا لتعبئة وتحريض وتفكير حصري اقصائي.[8]

وكان المتغير الكبير الآخر في نفس سياق نشوء الجماعات مع الأفكار الكبرى هو انتشار مفهوم (ولي الأمر/الأمير) وطاعته وجوبا بغض النظر عن حجم صلاحه من عدم صلاحه، ما شرّع للاستبداد وشرّع للظلم وشرع للطغيان الذي أشار له عبد الرحمان الكواكبي في كتابه الشهير طبائع الاستبداد قبل 100 عام.

إذ استطاع الفكر[9] المتجدد أن يستوعب الكثير من الأفكار الوافدة ويدمجها في مناهج التفكير الاسلامية ، فإن صدمة التفوق الغربي التي فاجأت العقل السلفي الماضوي لم يتم استيعابها فاضطر هذا العقل للنهل مما يؤكد هويته من ذاك المخزون المرتبط بالموروث والتاريخ الاسلامي بغثّه وسمينه.

 

بروز نواة التطرف المعاصر

حصل التلاقي بين الفكر الماضوي السلفي والفكر الإخواني الحركي والفكر المنشق على الاخوان والتكفيري منذ العام 1979 [10]ليتم تأسيس ما أصبح لاحقا يسمى (السلفية الجهادية)

إن هذه الإطلاله اللازمة هي بضرورة نقض العنوان من جهة وإلقاء عبء الاثبات بمنطق الوسطية أو الاعتدال أو التسامح على ذات فكر المسلمين الإنساني بتياراتهم وفعلهم الذي يقول بالكثير المتناقض.

 

ما هي الوسطية؟

إن الوسطية والاعتدال والتسامح نسيج عقلاني يعبّر عن نفسه بكثير من التعريفات التي منها أن (الوسطية تعني الاعتدال و الاستقامة والعدل والتوازن ويقال أنها تتغير بحسب الاجتهادات ولا تصلح أن تكون مصدرا للتوافق السياسي أو الفكري أو الاجتماعي وذكر البعض أن الوسطية مصطلح غامض وأنكر أن يكون لها تعريف مطلق لأنها اصطلاح نسبي)[11[

والوسطية مأخوذة من الوسَط الذي هو بمعنى: العدل أو الخيار، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [البقرة:143[

وعند فقهاء المسلمين (الوسط هو الخيار والأعلى من الشيء، والوسط من كل شيء أعدله، وأصل هذا أن خير الأشياء أوساطها، وأن الغلو والتقصير مذمومان)

ويقول د.محمد راتب النابلسي أن “كلمة وسط كلمة دقيقة جدا، الوسط أي بين المادية المقيتة وبين الروحية الحالمة،بين الحاجات الملحة والمُثُل البعيدة، بين الفردية الطاغية وبين الجماعية الساحقة، بين العقلانية الباردة وبين العاطفية المتأججة”.[12[

إن الوسطية مطلوبة ، وهي الاعتدال في كل الأمور الدينية والدنيوية كما يذكر الشيخ أبوسعيد الجزائري، فقد قالت عائشة رضي الله عنها:‘‘ ما خُيّرَ رسول الله صلى الله عليه و سلم بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما،فإن كان إثما ،كان أبعد الناس منه ‘‘ و إن الإسلام الذي بعث الله به رسوله محمد صلى الله عليه و سلم قد رفع فيه الحرج في التكاليف الشرعية،فلم يكلف الله أحدًا فوق طاقته ،و لم يأمره بما يزيد على وُسعه، قال تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها )(الطلاق8)

الوسطية أو الاعتدال كما هي كل المفاهيم والتعريفات والمصطلحات قابلة للتأويل[13] ، ونسبية القياس فكل تنظيم أو فكر اليوم يستطيع أن يدعى أنه ممثل “الوسطية” على اعتبار فهمه الخاص للمصطلح، أو علي اعتبار أنه ممثل الاسلام حصريا-وهنا المشكلة الحقيقية- وكل الفكر الانساني الناشيء عنه.

 

في جميع الأحوال فإننا نستطيع القول التالي:

1- إن الاديان ذات المنبع الواحد منذ النبي آدم تدعو حُكما للوحدانية وما ينبثق عنها من قيم سامية منها التسامح والاعتدال والوسطية .

2- إن اختلاف أفهام الناس ، ودخول السياسة والمصالح في تفكير الناس أدى لمجموعة مختلفة من مناهج التفكير (3 مناهج هي : عقلي متجدد أو نقلي غير نقدي ماضوي، وحديثا المتطرف الماضوي).

3- سببت صدمة تخلف الأمة مقابل صحوة الغرب بعد أكثر من 400 عام من سُبات فكري وفقهي تحت الحكم العثماني سببت نشوء عدة تيارات فكرية منها ما نهل من النبع الإسلامي ومنها ما دمج، ومنها ما ارتبط بالغرب كليا دون مرجعية حضارية إسلامية.

نعيش اليوم بين مجموعة من التيارات الفكرية الاسلاموية الكبرى أشهرها الاخوانية والسلفية والتقليدية ، ومن (ذات البيئة) وتأسيسا على ما مضى من تاريخ حصل التلاقي بين (الحركة) و(الفكرة الماضوية) و (البيئة الراعية) لينشأ فكر التطرف والتكفير على قاعدة فاسدة في تفسيرها بعقلهم هي ما يدعونه من إقامة شرع الله وإعلاء شأن الاسلام وإعلان الإمارة (الخلافة) الاسلامية التي أصبحت ركنا أساسيا (دينيا) في خطاب الحركات الاسلاموية الحديثة.

 

تقسيم التيارات

وفي عُجالة يمكننا النظر للأفكار الثلاثة الحديثة المذكورة لنوضح أن الفكر الاخواني باعتباره في دائرة النظر رغم أنه احتكاري إقصائي للآخر وتنزيهي تقديسي للذات، إلا أنه لا يمكن اعتباره متطرفا كليا أو وسطيا أو متهاونا بل يمتلك تيارات عديدة أشهرها ثلاثة برأينا هي: التيار الرسمي والوسطي، والتيار المتطرف المرتبط بسيد قطب، والتيار التجديدي وفي غالبه من المنشقين أو المستنكفين.

وكذلك الأمر يمكننا النظر للفكر السلفي الماضوي الذي ينقسم أيضا بشكل محدد الى 3 اتجاهات : التيار السلفي التقليدي (مع ولي الأمر وضد الفتنة وضد الحزبية)، والتيار السلفي الحركي (يسمح بتشكيل أحزاب وتنظيمات)، والتيار السلفي المتطرف (ما دعي لاحقا السلفية الجهادية وأشهرها اليوم القاعدة وداعش)، ومن هنا بإمكاننا أخذ شعاع من كل من التيار السلفي الماضوي و الاخواني المتطرف والمرتبط بالبيئة الخصبة لنقول أن المسلمين ارهابيين أو متطرفين بالحكم الغربي الجغرافي.

كما يمكننا النظر من زاوية التيار التقليدي في الاخوان والسلفي التقليدي، والبيئة المتسامحة لنطلق على المسلمين (وعلى الاسلام) صفة التسامح والاعتدال والوسطية ، وفي كل التوصيفين لنا من التاريخ والأحاديث والآيات كثير من السند.

ما نريد التأكيد عليه هو أن الدين الاسلامي كدين برئ من أي تهمة لا نكلف أنفسنا عناء الدفاع عنه، فمن ضلّ فعليه ضلاله، ومَن اهتدى فلنفسه لا يمن على الله بشيء، وإنما اختلاف الأفهام والمناهج والمدارس هي التي تعكس نظرات الآخرين لأحوالنا .

ومن هنا نعيد أننا ننزه الدين الاسلامي عن أي توصيف محدود لم يوصف نفسه به على لسان القرآن الكريم أوالرسول عليه السلام.

والثابت الآخر هو: نعم يوجد في الأمة الاسلامية والمجتمعات الاسلامية والحركات الاسلاموية جماعات نهضوية تجديدية، مقابل جماعات ماضوية تقديسية فيهما المتطرف غربا أو شرقا .

وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (الأحزاب:71) يقول الشيخ راتب النابلسي في شرحه الآية الكريمة: ) سماه الله فوزاً عظيماً، أي يكفي أن تكون في طاعة الله، يكفي أنك لا تقترف الزنا، و لا تشرب الخمر، ولم تكن سبباً في إزهاق روح إنسان، يظل المسلم بخير ما لم يسفك دماً، يكفي أن تجتنب الكبائر، و أن تجتنب الصغائر، و أن تكون مطيعاً لله، مطبقاً لمنهجه، متصلاً به، متوجهاً إليه، راجياً رحمته، خائفاً من عذابه، هذه نعمة سماها القرآن فوزاً عظيما.ً)

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر