موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

وعاء الوسطية والتيارات الماضوية 4 والاخيرة


 خاتمة

ونختم بالقول أن الاعتدال والوسطية والتسامح هي قيم حض الله عليها الإنسان ليتبعها مع أخيه الانسان وفي المجتمع، مع مجموعة (منظومة) من الأخلاق والتأملات والتفكرات الواردة في الكتاب والمطلوب اتباعها، وهي كذلك موجهة للإنسان لأن الدين هو “الحق” وهو “الهدى” ، والحق واجب الإتباع.

ولكن الوعاء والوسيلة والأداة المنفذة لتعاليم الدين (أي الإنسان العاقل) ما كان على هذا الانسان بعد الإيمان، أن يتبع القوة والجبر والقسر والعدوان على الآخرين، وإنما كان عليه فريضة التفكر والتخيّر (اختيار الوسيلة الأكرم والأمثل والاوقع تأثيرا) وتأدية فريضة الدعوة للخير بالوسائل الثلاثة التي حددها بوضوح رسولنا الكريم في حديثه الموصوف بتغيير المنكر (يده،لسانه،قلبه).

ومن هنا فإن الاعتماد هو: على مدى قدرة الإنسان على 1-تمثل وتشرب وتفهّم تعاليم القرآن الكريم والدين-والأديان عامة مبتغاها التوحيد لتحقيق التحرر- و2-حُسن نقلها للآخرين (وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) (الكهف19( (فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) (طه 44 )[17] (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(النحل 125)

وصدق القائل (هو الذي أرسل رسوله بالهدى[18] ودين الحق ليظهره على الدين كله،وكفى بالله شهيدا) (الفتح-28)

*بكر أبوبكر،كاتب ومفكر وأديب فلسطيني 

الحواشي

[1] الدين وسطية واعتدال وتسامح.، هو العنوان الرسمي الذي قدمت به الورقة لمؤتمر عقد حول موضوع الوسطية في الدين الاسلامي، في فلسطين.
[2] من المعلوم أن الديانة اليهودية كمثال طالها التحريف والتخريف فاحتوت كتناخ (التوراة وملحقاتها) على أكاذيب وقصص وخيالات وأحلام وآمال وخزعبلات رُكّبت على التاريخ والدين (أنظر في ذلك كل من زئيف هرتزوغ وإسرائيل فلكنستاين، وشلومو ساند، وكيث وايتلام)، ودحض علم الآثار والعلم البحثي الحديث مرويات التوراة، إذ لم تقع الأحداث المذكورة فيها في بلادنا فلسطين أو القدس-قدسنا مطلقا، وإنما في فضاء جغرافي آخر، وللاطلاع أكثر على كتابات فاضل الربيعي وأحمد الدبش وفرج الله صالح ديب
[3] يقول الله تعالى (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) (الشورى 13) ويقول د.محمد عمارة أن التوحيد ثورة تحريرية تعتق الانسان بكل طاقاته من العبودية لكل الأغيار.
[4] يقول الله تعالى (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (الاحزاب 72 )، ومن تفاسير معنى الأمانة أو (الميزان) لدى المسلمين أنها العقل.
[5] العقل جهاز إدراكي موجود في الإنسان، الفائدة منه التمييز بين ما ينفعه وما يضره من خلال النظر في الأشياء والوقائع والأشخاص والنصوص،أي هو أداة التفكير والوعي والتمييز،أما النقل فهو بالدرجة الأولى الوحي بشقّيه القرآن والسنة ثم ما تعلّق به من أقوال العلماء وأقوال الصحابة والتابعين تحديدًا، وللنقل – عند علماء الدين – عدة اصطلاحات كالوحي والخبر والأثر والسمع.
[6] لا يجد أتباع المدرسة النقلية السلفية الجامدة اليوم إلا (المعتزلة) في التاريخ الاسلامي ليشوهوا منطق العقل عندهم، ويضيفون الفلاسفة والصوفية وغيرهم، رغم النتاج العلمي الهام لكل هذه التيارات.
[7] لقد قرّر ابن تيمية من قديم أن” العقل الصريح لا يُعارض النقل الصحيح، بل يشهد له ويؤيده لأن المصدر واحد فالذي خلق العقل هو الذي أرسل إليه النقل، ومن المحال أن يُرسل إليه ما يُفسده”.
ورغم وضوح هذه العبارة وحصافتها فإنّ أتباع ابن تيمية في هذا العصر أشدّ الناس اتهامًا للعقل وتبرمًا من المدرسة العقلية القديمة والحديثة، وأكبر تشنيع لهم على خصومهم الفكريّين اتهامُهم بالعقلانية والاعتزال ولو كانوا من العلماء الراسخين والدعاة المجاهدين.(الكاتب عبدالعزيز كحيل في يقظة فكر)

[8] منذ الخلاف الكبير بين الصحابة علي ومعاوية انشقت الأمة الاسلامية بين الأفكار السياسية السلطوية، وتكاثرت “الفِرَق” التي كانت تعتقد أنها تسعى لتثبيت الدين الصحيح عبر كسب السلطة بالدعاية لعائلة محددة أو فرقة معينة دونا عن غيرها، فظهر أدعياء الحصانة من أنبياء مزيفين ومن أئمة معصومين أو مقدسين، وإن كانت معظم الفرق المغالية “المتطرفة” قد انقرضت الا أن ما يحصل في عالمنا اليوم ونحن في العام 2014 يمثل ردة ونكوصا لمرحلة “الخوارج” بحيث تحول الفكر النصي النقلي الى بيئة خصبة مفرخة للنوع الثالث وهو الفكر الماضوي المتطرف.
[9] يعمل العقل المسلم لتحصيل العقل والمعرفة ادوات “النظر” و”التدبر” و”التعقل” و”البينة” و”البرهان” و”الجدل” مما وردت نصا كمصطلحات في القرآن الكريم بعشرات الأيات لتعني التفكير والحصول على اليقين والايمان. وقال الإمام المتكلم أبوعلي الجبائي (إن الواجب الاول على الانسان هو النظر=التفكر) بينما قال أبوهاشم (إن الواجب الاول على الانسان هو الشك)-د.محمد عمارة في كتاب معالم المنهج الاسلامي، دار الشروق، طبعة 2009، ص58 لذا فالتفكر فريضة شرعية
[10] في هذا العام 1979م حصلت 3 متغيرات كبرى منها توقيع الصلح بين مصر والاسرائيليين في كامب ديفد، وفي العام هذا احتل الاتحاد السوفيتي أفغانستان، كما انتصرت الثورة الايرانية على الشاه ما أسهم في ارتفاع مد التيار الديني كثيرا.
[11] فيحاء القواسمي، الوسطية في الاسلام والقرآن، بحث صدر عام 2009
موقع الشيخ د.محمد راتب النابلسي على الشابكة[12] [13]يقول د.محمد عمارة (الوسطية الجامعة أهم سمات وخصائص الإسلام بشرط أن يفهمها المسلمون فهما صحيحا، وأن ينقلوها للآخر كما أرادها الله عز وجل) موضحا أن (الإسلام تميز بأنه حدد حدود لدور الفرد في الكون في إطار واسع وشامل هو الاستخلاف،والتي تجمع بين عناصر الحق والعدل من الأقطاب المتقابلة فتكون موقفا جديدا مغايرا للقطبين المختلفين ولكن المغايرة ليست تامة ، فالعقلانية الإسلامية تجمع بين العقل والنقل والإيمان الإسلامي يجمع بين الايمان بعالم الغيب والإيمان بعالم الشهادة والوسطية الإسلامية تعني ضرورة وضوح الرؤية)

وتتحدد ملامح الوسطية الجامعة (بأنها تعتمد على كتابين هما كتاب الكون “الطبيعة” وكتاب الوحي وهي بذلك تجعل المسلم يبني حضارة لا تنفصل عن الله وعن السماء بل تجمع بين عناصر العدل والحق من كتاب الله المسطور والمتطور.)

مضيفا (أن مكانة الإنسان في المفهوم الإسلامي والرؤيا الإسلامية للوسطية لا تقوم على تمجيد الإنسان أوتحقيره بل تقوم في الأساس على أنه سيد في الكون وليس سيد الكون. أما الملمح الثالث من ملامح الوسطية الجامعة فهو أن مصدر المعرفة الإسلامية هو الكتاب الكون والوحي، وأدواتها هي الحواس والعقل وعالم الغيب، كما أن الوسطية الجامعة تجمع بين العقل والنقل، وأن العقلانية في الإسلام ما هي إلا عقلانية مؤمنة )

[14] رابط الموضوع على شبكة الألوكة الاسلامية: http://www.alukah.net/sharia/0/38180/#ixzz3Gwy4PY8v
[15] قسّم الراغب الأصفهاني (502هـ/ 1108م) «الجهاد إلى ثلاثة أضرب:
1- مجاهدة العدو الظاهر. 2- مجاهدة الشيطان. 3-مجاهدة النفس.

وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) (الحج:78)، (وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ) (التوبة:41)، (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) (الأنفال:72) ، وقال الأصفهاني [: «جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم، وجاهدوا الكفار بأيديكم وألسنتكم»(3).

ويقول د.محمد عمارة «إن الجهاد الإسلامي ليس هو ما نطلق عليه – ببساطة – مصطلح الحرب المقدسة، فالجهاد «هو كل سعي مبذول وكل اجتهاد مقبول، وكل تثبيت للإسلام في أنفسنا، حتى يتمكن في هذه الحياة الدنيا من خوض الصراع اليومي المتجدد أبداً ضد القوى الأمارة بالسوء في أنفسنا وفي البيئة المحيطة بنا عالمياً، فالجهاد هو المنبع الذي لا ينقص، والذي ينهل منه المسلم ويستمد الطاقة التي تؤهله لتحمل مسؤوليته، خاضعاً لإرادة الله عن وعي ويقين.. إن الجهاد بمثابة التأهب اليقظ الدائم للأمة الإسلامية، للدفاع بردع كافة القوى المعادية التي تقف في وجه تحقيق ما شرعه الإسلام من نظام اجتماعي إسلامي في ديار الإسلام» .

[16] هذا موقع الشيخ بن باز الرسميhttp://www.binbaz.org.sa/mat/8591
[17] و”ليتلطف” جاءت في أهل الكهف، أما “فقولا له” فكان الأمر الرباني للنبي موسى وهارون في كيفية مواجهة فرعون
[18] أنظر جمال التفسير لابن كثير للآية، ولكلمتي الهدى والحق إذ يقول في الهدى أنه العلم والحق هو العمل، ويقول د.محمد راتب النابلسي عن الحق هو الثابت والباطل هو الزائل.

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر