يجب أن تقاوم


يجب أن تقاوم

 

        خمول شديد ورغبة متواصلة في النوم ، شعور بالبرد الشديد وتوق دائم للتلحف والتغطي والتدثر ، يبدأ الأمر بقشعريرة تصيب كامل البدن فترتفع درجة حرارة الجسم الذي تهاجمه الحمى فتجعل من الجسم رهينها ... لا يستطيع التفكير إلا في الاستسلام للخمول ، يمتنع عنه العالم الخارجي وينغلق في عالمه الداخلي شعور المتعة بالأكل أو الشرب والتجول والتفكير، العمل ، الصحبة ، التفرج، الإنصات ، اللمس ، الشم ، التخيل ، التأمل ، الاسترخاء والجلوس ببلاهة ، التبول أو الإخراج ، التمطي أو التمدد دون هدف ، التنزه أو التسكع ، المشي أو التريض ، العشق ....

       إذا فقد كل ذلك فما هو عالمه الداخلي يا ترى الذي ينغلق عليه ؟! إنه عالم الهدوء والاستسلام والانتظار .... عندما يصاب المرء بمرض أنف العنزة (الأنفلونزا) يقولون له يجب ان تقاوم ! بالغذاء الصحي والدواء يجب أن تقاوم ... ولكن كيف تقاوم وأنت للأكل والشرب والدواء تقاوم ؟! في عالم الاستسلام يصبح كل شيء غير هام ما عدا السلامة الشخصية ويتحول الدماغ مطواعا منفذا لانعكاسات المرض دون إرادة منه ... فلا مقاومة ولا يحزنون .

       تحت لسانه طعم مائع ، سكري غريب ، يدوم يوما فيومين ، طعم يغيظ ، يشعر بالضيق ... ثم يتغير إلى مرار شديد ، ما أن يحاول القضاء على الطعم الأول حتى يداهمه الثاني ... فينتقل بين الأطعمة محاولا استعادة طعم فمه المفقود ... وطعم نظره السابق وطعم إنصاته للجمال ورقة لمساته ...دون طائل !

       تتكاثف الغيوم وتتلبد أمام ناظريه ، وخاصة متى ما ارتبط مرضه المر بمرارة الظرف النفسي الذي يمر به إثر فقدانه لمتعة التسكع عصرا في شوارع المدينة القديمة الضيقة .

       يمتشق سيفه ويخرج من باب الشقة في الدور الثالث ، مسافة طويلة ، صارخا في وجه العتمة ، يشق بسيفه قطع الظلام المتجمعة ، يعلق الدم المهراق في وجه الليل الذي يمسح بيمينه قطرات الدم المتناثرة ...يقفز درجتين درجتين ويمد سيفه عبر الشارع الفسيح مستوقفا أول سيارة أجرة ويعطي سائقها عنوان الطبيب .

 

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر