موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

سرير من تراب!


سرير من تراب!

 

        فتح عينيه ونظر فزعا في اللاشيء أمامه ، هذا إن كان هناك أمام أو خلف أصلا في مثل حالته ؟؟! لم تساعده عيناه ، فالظلمة والرطوبة واللزوجة ، وصوت الصمت الهادر ، ورائحة الطين المنتشرة في كل مكان ، و حركات الكائنات الصغيرة توتر الأعصاب ، والحواس الطبيعية في سبات ربما يستعيض عنها الميت بالقدرة على "الإدراك" بشكل أو بآخر .

        كان يرقد في اللحد وحيدا حيث سجي جثمانه للتو . بماذا يفكر الانسان عندما "يودع" الدنيا وما فيها ، عندما يودع الأحباب والأهل ، الأصدقاء والعائلة ، الزوجة والأبناء، عفوا !! وليس للفلسطيني بالطبع فرصة هي بالحقيقة ترف "ليودع" أي كان !! لأن الرصاصات أو الجنازير أو المعاناة أو القهر لا تدع له مثل هذه الفرصة المترفة!! بالنسبة له "ليودع" حتى آخر صورة لرام الله أو عينيها أو رفح .

        بماذا يفكر الميت عندما يلحد بعد أن يودع الأحياء المنتظرين ، أو بعد أن لم تتح له فرصة الوداع الأخيرة ؟! ربما يبكي وربما يندب وربما يتحسر على فرص كثيرة أضاعها في حياته ؟! لاحت له ، تبدّت له ، أشارت له ، دعته ولم يقتنصها فضاعت، ربماولكن.

        هل تراه يتحسر على قرارات اتخذها أو لم يتخذها بالعمل أو السفر أو الشراء أو الزواج من ثانية وثالثة حيث الصبا أو الجمال أو الجاه يخلف بنت العم ، أو عدم الزواج من أصله والانقطاع للزهد والعبادة ، أو للصعلكة والسياحة ، أو التسكع والحرية.

        أم هل تراه يتحسر على سويعات قليلة اخترق فيها قلب الحزن الفلسطيني المخيم ، وانتعش حبورا ، وهو يلتقط ثمار التوت أو الخوخ أو التين من الجوار حيث أشجار فلسطين تبتسم لأهلها دوما !! أم تراه يتوق للّحظات القليلة السعيدة التي كان يقف فيها في المطبخ ليصنع صحن الحمص أو الفول ويقدمه ساخنا لأطفاله الصغار.

        هل تراه كان يفكر بأن يعيد الكرة ويتغلب على خوفه وحنقه وانتظاره وقلقه ورغبته بالانتقام ويتخطى أحد حواجز الاحتلال بعد ساعات صلب طويلة في قيظ  الشمس ؟! يتخطى الحواجز التي تدرب جنودها على التلذذ بتعذيب الفلسطينيين وإذلال العرب ؟! يعيد الكرة فيقطع الحاجز ليغيظ الجنود على الأقل ؟؟! أم هل تراه يتحسر أو يبكي أو يأسف على تخطيه الحاجز دون أن يُنْفِذ رصاصة في صدر الإرهابيين الساديين الذين يقهقهون عاليا من ألم المريض وتباطؤ الشيخ ، ورعب الصغير وتهادي الحمام .

        عندما ألحد عبد الجواد كان قد ترك خلفه أمّا زيتونة ، وبضعة أخوة يتخبطون ، وخطيبة مخضرة كالدالية ، وأطفال له حملتهم أحلامه فقط ، وكان قد ترك ذاكرة مثقلة ومخيلة جافية ، ودماغ قلِق ، فعبد الجواد لم يتحمل سعادة أن يكون له بيت وزوجة وأطفال كجميع خلق الله أو حيوانات الله ، ولم يتحمل التخيل أن يرتبط بابنة خالته التي تربت معه منذ الصغر ، وربما لم يتحمل  منظر المستوطنة الواقفة كحريق ليل مباغت ، والمنغرسة خنجرا في الجسد في القريب من بلدته.

        لقد أصبحت الذاكرة والمخيلة_أو هكذا أرادوها_ أن تكون مرهونة بإرادتهم ، بإرادة الاحتلال ، قلِقَ عبد الجواد ، وربما لم يتحمل عشرات من مثل هذه الصور فداسته دبابة انقضت عليه من باب المنجرة ، هكذا بكل بساطة ؟!!

        كان عبد الجواد يرى في صدر أمه وفي عينيّ محبوبته مروج فلسطين وبرتقالة ، جبال الجليل وأغنية، سفوح جبال الخليل ودير البلح، ولكنه ترك كل ذلك ومات ؟! ربما هو الآن في لحده يأسف على لحظة يأس طالته مع عطونة هواء الاحتلال ، فتمنى الموت فيها وحصل ، قبل أن يفعل الكثير ؟!  في عينيها قبل انطفاء بريق أيامه لم يرَ سوى دبابتين ودمعة ، طائرتين وزفرة ، رصاصات كثيرة ولون احمر، وترك في النهار شبح ابتسامة.

        كان عبد الجواد يفكر _ وربما أسقطنا ما نتمناه نحن الأحياء الأموات على عقله الصغير_ يفكر بالفرص الضائعة والقرارات الخاطئة وعمى الألوان السائد في محيط العروبة الساكن ،وبحر القومية الداكن ،وأقطار المليار البائس، ومجال الأخوة الضيق إلى حد الفتق؟! وربما لم يفعل ذلك!

        إنه في الحقيقة ودون فلسفة وكثر كلام ، لم تكن لعبد الجواد أحلام كبيرة ،أو طموحات عظيمة ،أو قرارات عديدة ، أو ألوان كثيرة ، أو قلق دائم ، فلقد عاش ولم يتخطَّ العشرين من عمره وهو يبتسم ، ولم يقلقه أبدا فقر حياته وضيق مساحة بيتهم و شظف عيشهم وصخب أخوته ، وألم أمه المتواتر،  لأنه قدَّم يديه الصغيرتين وقلبه الأخضر لخدمة عائلته الكبيرة ، حيث ارتبط مع الخشب في رحلة حب أوصلته القبر قبل اكتمال القمر ؟! وإنما كان قلقه الأثير أنه لم يستطع امتلاك سرير حديدي أو خشبي خاص به.

        عمل عبد الجواد منذ الصغر في منجرة عم محمد أو الحاج محمد القريبة من بيتهم ، فتعلم البناء ولذلك كره الاحتلال صنو الهدم ، فصنع الكرسي والطاولة والخزانة وكان يهم بتحقيق حلمه الخاص بسرير خشبي ، إلى أن طغى صوت الحديد المصفح الهادر على صوت الأذان في الحارة فانتصبت الدبابات المعادية في الشوارع وأمام البيوت ، في الأزقة وأمام المسجد ، في الزوايا وعند رأس جده العجوز ، في المقابر وعند عتبة الروح ، في غرف النوم وفوق الأجساد الذابلة ، وداخل المنجرة ، بكل بساطة انتشرت الدبابات تلفظ حممها في كل مكان.

        مازال في لحده يتأمل ، فلقد فاته أن يطعم الدجاجات المتراكضة أمام بيتهم فمن سيطعمها من بعده؟! ولقد فاته أن يجدّ الزيتون في أرض جده الذي سيبكيه طويلا ، وسيفوته بالطبع إكمال الطاولة التي وعد بها دار أبو امجد ، وسيتأخر عن توصيل الخزانة التي للتو أصلحها لجيرانه ، ولقد فاته أن يسدد ثمن دلو حليب اشتراه من راعية غنم ، وسيفوته أن يغسل أعضاء أخيه المُقْعَد ، ونسي أن يتأمل فرِحا سرب الحمام الذي يحط في شقوق كثيرة في بيوت الحارة ، ونسي أن يطلب من أخته الكبرى أن تطبخ له السماقيّة ، وسيفوته أن يشترى خاتما لخطيبته ، وأزعجه أن لم يستطع الرد على استشهاد أخيه واعتقال ابن عمه ، ونفي صديقه ، وضرب معلمه الحاج محمد من قبل جنود الاحتلال ، وفاته بالتأكيد متابعة مونديال كرة القدم ، ونسي أن يقبّل جبين أمه ويبتسم ، ونسي _أو لم يمكنوه_ أن يتوضأ فيموت طاهرا.  

        مازال في لحده يتأمل أو يفكر ولما يمضي عليه سويعات قليلة . لا لم يكن يتحسر، ولم يكن يندب أيامه القليلة السالفة ، ولم يكن نادما ، ولم يكن آسفا ، فعلى الأقل للمرة الأولى في حياتة أو بعد حياته يودع القلق و يمتلك سريرا له وحده ولكن من تراب

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر