حب على الحاجز !


حب على الحاجز !

        كان بائع الخضرة يحثّ الخطى للوصول ، وكان بائع الأدوات المنزلية يحمل بضاعته في صناديق كرتونية في مؤخرة سيارة الأجرة ، وكان الجزار مبكر القدوم يقطع ويفرم و"يشك" اللحمة في أسياخ ويضعها على كانون من الفحم ويجهزها للسائقين ، وكان بائع المشروبات الساخنة قد حول سيارته إلى "خان" يجهز فيه من خلال مجموعة من الأباريق ، وشعلة موقد الغاز الماء الساخن ليمزجه حسب طلب الزبائن فيتحول شايا أو قهوة عربية أو غربية "نسكافيه" ، وفي زاوية من المكان كان أحدهم يضع عربته المحملة بالموز ويدلل عليها للحشد المتكدس صائحا : ريحاوي يا موز ، ريحاوي يا موز نسبة إلى مدينة أريحا حيث الموز المشهور .

        عندما تصل إلى المكان _ هذا ان استطعت الوصول_ تجد نفسك خلف بحر زاخر من البشر الذين يقفون وظهورهم تنظر إليك ؟! لأن عيونهم شاخصة بالاتجاه الآخر . عشرات السيارات الصفراء تتناثر على جانبي الشارع المسفلت المقطوع قسرا . لا تقدر أن تترجل من السيارة إلا على بعد مئات الأمتار من الحشد فتستطيع أن تتأمل الباعة المنتشرين جميعا وبينهم قد ترى بائع المثلجات "البوظة" المتنقل الذي يجمل صندوقه ويصيح بصوت مميز : شوّبت ، شوّبت ، ليحثك في صيف رام الله اللطيف أن تبتاع منه بوظة العريس الغزاوية أو الأرز النابلسية أو رُكَبْ من رام الله .

        في المكان حيث ينتصب الظلم وتلمع عيون الفاشية سوف يعتصرك الألم ويتنامى فيك الإحساس بالظلم حتى أطراف أصابعك ، وربما يتخطاك ليغيّم في سماء المكان ويضرب بذيله طيور الدوري والبلابل والحمامات التي تصيح مقهورة فوق رأسك ورأس أهلك ورأس الحشد ورأس الجنود الذين يتحركون بصعوبة كالرجال الآليين من كثرة ما يلفون به أجسادهم من أسلحة وقنابل ومِدى ودروع وأرواح مدمرة ونظرات زجاجية وقلوب عمياء .

       قبل أن تصل إلى الحشد الذي يتراوح عدده عشرات أحيانا إلى آلاف في حين آخر أو يوم آخر ، لا بد أن تمر بالباعة من كافة الأصناف كما قلنا ، وبسيارات الأجرة بينما النسيج الأخضر يلوِّن جانبي الطريق والسماء زرقاء ، هكذا كتبت رِفقة في يومياتها التي تنقل عبر البريد الإلكتروني يوميا إليه هناك في البعيد القريب والى عدد من الصويحبات عبر الفضاء العالمي المفتوح  .

        أصل إلى حاجز سُردا العسكري الذي تحتله ثلة محصنّة من الجيش الإسرائيلي كما أصله كل يوم ، نفس الروتين ، نفس الأسلوب ، نفس المشاهد ، ولكن بصعوبات متغيرة  : اتصل بمن وصل قبلي من الأصدقاء إلى الحاجز ممن يصحون مبكرين مع أصوات الديوك أو الدجاجات ، وينطلقون كالعاصفة أو كالنور إلى الحاجز أو "المحسوم" بالعبرية المسروقة من العربية ، مستعلما منه عن طبيعة الجنود القابعين وعددهم وطريقة تعاملهم اليوم ومدى فظاظتهم وعنفهم و"غلبتهم"... فهم قد يسمحون حينا بمرور  الرجال من هم فوق الستين عاما أو الخمسين أو الخامسة والأربعين أو السادسة والأربعين بحسب مزاج الجندي أو الضابط أو رئيسه ، وكل ذلك بعد انتظارات طويلة مملة مرهقة لساعات ، وقد يتغير فيها القرار الجائر ليتم السماح بالمرور بطريقة أسوا مثل جمع البطاقات الشخصية وحجزها لفترة طويلة ثم الأمر بالمرور خمسة خمسة بعد التدقيق أو واحد واحد ، أو سبعة سبعة ، يفصل بين مرور كل مجموعة وأخرى ثلث ساعة أو ساعة أو أكثر ، وأحيانا يأمر الجندي المتثاقل المتباطئ الحاقن أحد الواقفين ليرتب له الهويات حسب تسلسل الأحرف بالعبرية ( وبالمناسبة فهي كالأبجدية العربية) أو حسب تسلسل الأرقام أو حسب تسلسل أسماء الأمهات ... وإذا أخطأ الرجل يعيد الجندي خلطها ، ويطلب نفس الأمر من شخص آخر بعد كثير من اللكمات والشتائم والصراخ . هكذا كتب باسم الشاب الموظف في سلطة النقد الفلسطينية لعدد من أصدقائه في دبي و عمّان ولوس أنجلوس عبر المجموعة التي يشتركون بها بالأحاديث والأفكار والهموم والأحلام والتواصل في الشبكة العنكبوتية العالمية " الإنترنت" .

        على مدى ساعات الانتظار ، وكلما أظهر الحشد تذمّرا ، أو بدأ يشتم الحال والاحتلال بصوت عال ، أو كلما كثر عددهم وتقدموا صوب الجنود ، يقوم أحد الجنود الأراذل بقذف قنبلة غاز أو قنبلة صوت أو قنبلة دخان تميزها الجماهير من لونها الأسود أو البرتقالي ، فيتبعثر الحشد صائحا متراكضا بكل اتجاه ، ويعود الفاشيون للتحكم بالحركة والمرور بصيغة أو أسلوب جديد قد يسمح للنساء فقط بالمرور مثلا ويمنع الأزواج ، أو يسمح بالمرور حسب الشكل وبإشارة من إصبع أحد الجنود الساديينّ المسربلين بالدروع الواقفين شرا على صدر الوطن ، هكذا كتبت رِفقة لأحد صويحباتها تكمل ما أنقطع معها من حوار عبر الحركة المسموحة من منخر الأثير .

        عندما يتصل باسم بمن سبقه إلى الحاجز من أصحابه يستعلم ، ثم يقرر أن يذهب إلى العمل أو يداوم على الحاجز أو يبقى بالبيت . وفي هذا اليوم وصل إلى الحاجز ، واشترى بوظة وسلّم على كثير من الأصحاب القادمين من قرى وبلدات مختلفة ذاهبين عبر الحاجز إلى رام الله ... تخطى الخندق الذي حفرته جرافات الاحتلال في عرض الشارع ، ووقف على التلة الرملية المصطنعة بجرافات الاحتلال أيضا ليطل مع المئات الآخرين عن قرب على الحاجز المنتصب وسط الشارع والذي تحمي جنوده ثلاث ناقلات جنود مصفحة تطل عليه من التلة الخضراء المجاورة.

        بدأ الجندي يصيح بلغة عربية ركيكة : إلى الوراء، إلى الوراء ،ارجعوا ، ارجعوا وإلا "بنطخوا" ملوّحا ببندقيته وبقنبلة غاز سرعان ما ألقاها ، وألحقها برشقات رصاص من رشاشه أصابت اثنين من (الغوييم) الذين تدافع الناس رغم الرصاص لنقلهم بالسيارات إلى الوراء ، ولوّح جندي آخر بيده إلى سيارات الأجرة أن تنصرف وبدأت الرشاشات في قذف حقدها فلم تبق سيارة ألا وكان من نصيبها زجاج مكسور أو عجل مثقوب أو جسد مخردق ، وأصبح المربض خاليا حتى من الباعة الذين تركوا بضائعهم و أطلقوا سيقانهم ترجو السلامة ... ولكن بعض من الجماهير سرعان ما عادت لتتجمع رغم الجرحى والحنق و الكراهة والرغبة في التقيؤ ، ورغم اقتراب الساعة من الواحدة ظهرا ، واستطاعت جماعات أخرى من الفتية أن تتسلق التلال البعيدة المجاورة صعودا وهبوطا بين الحجارة والأشواك والتصميم وتدخل رام الله بعيدا عن أعين جنود الدوريات المتحركة.... لقد قرر باسم هذا اليوم العودة فالدوام على الحاجز وفي سلطة النقد قد قارب على الانتهاء ، إلا أن رِفقة عبرت الحاجز بعد انتظار قاتل متجهة إلى رام الله حيث بيتها .

        وقف باسم على الحاجز بعد أن سلّم بطاقته الشخصية للجندي المفترس ، وركَن في زاوية يتحادث مع زملاء له بعد رشقات معتادة من الرصاص وقنبلة غاز وقنبلتين دخان ، والساعة قاربت الحادية عشرة صباحا ...صاح الجندي العابس التائه : باسم أخمد ، فتقدم باسم مخترقا الحشود المتجمعة أمام الحاجز ليصطدم بالطالبة رِفقة من جامعة بيرزيت التي كانت تمر أمامه في طريقها حيث أنهت محاضراتها متجهة إلى رام الله ...آسف أعذريني ، فردت عليه لا أسف ولا عذر فالحالة "نيلة" ! وتجاوزها باسم مسرعا ليأخذ هويته من الجندي المتكئ على المكعب الأسمنتي ....استوقفه و تفحصه الجندي من أعلى إلى أسفل ثم أشار له أن يمر .... فتقدم باسم بين الأسلاك الشائكة والحواجز الخرسانية المنصوبة على طول الشارع مشكلة مسربا إجباريا لشخص واحد أو شخصين فكانت أمامه رِفقة وتجاوزها وهو ينظر في هويته حيث لا أخمد و إنما أحمد ! بادرته بالحديث قائلة : إنني أعرفك ! فتعجب باسم الذي ما زال يحث الخطى ليبتعد عن الجنود قبل أن يغير أحدهم رأيه ، فنظر إلى الخلف وقال : حقا ؟! قالت : ألست باسم أحمد ذاك الخطيب المفوه الذي كان يأتي دوما ليتحدث في المهرجانات أثناء الانتخابات في الجامعة ، ويشد حديثه الطّلي آذان المستمعين ؟! فابتسم باسم إذ سمع مديحا لذيذا لم يسمعه منذ فترة ، ابتسم في عنف الحواجز ورائحة الغاز وفي إصباحات النفوس القلقة ، وإذ القلوب بالغة الحناجر ، ابتسم رغم ساعات الانتظار الطويلة ، وعرق الصيف وتمنيات الخلاص من اليهود التي تنفجر دعوات من "سكّان" الحواجز التي تفوق المائة المنتشرة في طول فلسطين وعرضها ..... أحس ببرودة لذيذة وهدوء مفاجئ وانشراح خاطر ونغمات وردية وعبير ناعم يلف كامل مسام جسده ، فأبطأ الخطو في الشارع الممتد وراء الحاجز الذي تحول إلى ممشى إجباري على مسافة تزيد عن الكيلومتر مرورا بتلال رملية وعوائق ومكعبات خرسانية وصولا للحد الآخر من الشارع حيث السيارات الصفراء تنظر ....أحس بالاخضرار وانتبه ربما للمرة الأولى كم هي السماء زرقاء وجميلة ..... أبطأ الخطو ، ونظر مليّا تجاه رفقة التي كانت تتهادى كأنثى أيل مطمئنة وتأملها برحابة ، وقال : ألستِ من صدمتها عرَضا قبل دقائق وقالت لي أن الحال أسود ، قالت : بل قلت أن الحال "نيلة" ! وعلّقت : أراك زدت ألوانها قتامة . فضحك وضحكت.

        في الأيام التي يغلق فيها الإسرائيليون الحاجز بشكل كلي ينطلق باسم إلى مقهى الإنترنت في بيرزيت ويتواصل عبره مع رِفقة ، ومع العديد من أصدقائه حيث القطع الإسرائيلي الجبري للحركة والطريق والمرور ..... لكن باسم في صبيحة كل يوم أصبح يتصل هاتفيا برِفقة ويستعلم عن وضع الحاجز لا سيما وهي تأتي من الضفة الأخرى للشارع من رام الله باتجاه بيرزيت فيتحصل على تقرير أولّي ، إلا أن دوام التواصل مع رِفقة وانبثاق الود وسرور اللقاء و الأحاديث المتبادلة ، وإن كانت في غم الواقع الأليم ، جعله يقرر التواجد يوميا ما استطاع على الحاجز البائس ليكون في استقبال رِفقة مع كثير من الكلمات الجميلة والابتسامات والبطاقات بل والورود أحيانا ، رغم قنابل الدخان ورصاصات الغِل التي تفرق ، وتجعل من الميسور شاق ومن القصير طويل ، ومن السرور رعب ، ومن البدهي عقدة .

        لم ينتظر باسم طويلا ولم تنتظر رفقة طويلا ، فخير البر عاجله .... عبر الهاتف قام والد   باسم المقيم في مدينة غزة بالاتصال بوالد ووالدة رفقة المقيمان في مدينة رام الله وخطب رِفقة لولده باسم ... وسط موجات من الدموع التي بللت لحيته البيضاء ، وبللت وجه أم باسم وأم رفقة اللتان تستمعان للبث المباشر .... قام العروسان في اليوم الموالي بالاحتفال بخطبتهما بإطلاق أبواق سيارات الأجرة المتجمعة عند حاجز سردا بوجود الأصدقاء وبحضور الجماهير المنتظرة دوما ، وأمام أنظار الجنود والضباط الصهاينة الذين يحرّمون الحياة ويتلذذون بالعنف ويشعلون الحرب .... لم يبتسم أحد منهم فهم لم يخلقوا لذلك ، بل اهتاجوا وابتأسوا وسخطوا ، و فرقوا الحشد المبتهج رغم أنف الاحتلال برشقات طويلة من الرصاص أسالت الدماء وأسقطت زوجا من الحمام الحائم فوق رؤوس المرابطين ، وكثفت الحزن ، و راكمت الألم .

        في اليوم الثالث كان باسم يكلم رِفقة من مدينة غزة ، والأشواق تعملقت والحب تنامى وقد تيبست الدموع عبر الفضاء العالمي ، حيث اعتقلته القوات الإسرائيلية على الحاجز ورحّلته ، معللة الفجور والجور والفاشية بأن مصدر بطاقته الشخصية مدينة غزة حيث لا يسمح له التواجد في "يهودا والسامرة"  ، وهي الضفة الفلسطينية منذ الأزل رغم عبث الاحتلال ؟!

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر