سكين الروح !


سكين الروح !

 

          عندما أمسك السكين كانت حياته قد تكبسلت في مخيلته بلحظة التماع فكرة القتل مع ارتفاع الأداة فوق مستوى الروح ، لم يكن يظن أن للسكين قوة هائلة ، قوة رهيبة ... لقد امتلأ بتلال من التصميم وجبال من العزيمة وكتل متراصة من الاندفاع للقتل ، وكانت لحظة التماع الفكرة لحظة اشتعال فجئية في ظل خبو النفس وفتور العزيمة ، ومظنة الانهيار .

         سقط يقبل الجبين والرأس والخد واليدين والقدمين ، تسبقه آهات حزينة ، ودموع مخروطية انسابت حتى تساقطت على جسد أخيه المسجي أمامه كغيمة فاترة أو طيف حربة ...كيف يستطيع الإحاطة بهذا الكم الهائل من الألم المتصاعد الذي تجاوز فيه الجسد والقلب إلى الروح ، و إلى الهواء ومخارج الأنفاس ، حتى أصبحْتَ تشتمُ رائحةَ الألم في أرجاء الغرفة وعلى الحوائط ، وتشاهد بأم عينيك لون الدموع المتفجرة ولون الصرخة المكفهرة  ولون البكاء النازف ... سقط يقبل في أخيه اليدين والرجلين ، وسقطت منه قطع روحه المجتاحة ... شاهدها كل من في الغرفة بعيون واجفة وحزن صاخب ، لقد كان محمد قطعة كبيرة من روح أخيه ، فسقطت نتفا مع دموعه وألمه وقلبه المعتصر ... تقدم أحد الحضور والتقط قطعة ومسح بها جبينه ، وكلما التقط أحدهم قطعة تتناثر من عيني وفم وجبين ويدي نبيل قطعا أخرى ، حتى ظن الجمع المحتشد حول الجسد الملفوف بالعلم أن روحه كلها قد تفتت وتناثرت مع موت محمد .

        كان الشهيد محمد مسجي في مستشفى الشفاء في مدينة غزة ، وكان الأخوة والأحبة والأهل والأصحاب قد تقاطروا إلى المستشفى ممنين النفس بنظرة لوجه محمد المكرم المنير ، أو للمسة من جسده قد تشفع لهم يوم العرض الأكبر ، فاغترفوا قطعا من روحه .

          أمسك نبيل السكين وبدأ يقطع البصل والبندورة والخيار في المطبخ ، ويجهز طعام العشاء لأبناء أخيه أيتام الأم والأب ، فالأم قد ماتت منذ أربع سنوات والأب عاجلته رصاصات الغدر والقهر والعذاب والنذالة في عملية اغتيال طالته باعتباره أحد قادة كتائب شهداء الأقصى في انتفاضة الأقصى المباركة ... ما إن أمسك السكين حتى تحولت حياته إلى ذكريات محفوظة ، مكبسلة ، مشرنقة ، وبان منها  للحظات ما يخص العلاقة المميزة بينه وأخيه الأكبر وخطيبته ... كان نبيل سيتزوج خلال عام بمشروع من أخيه وجاءت الانتفاضة لتمتد الخطبة قسرا إلى الدرجة التي تراجعت فيها عائلة الخطيبة ، رغم توسلات محمد ، وفسخت الارتباط ...... فانخراط الأخوين في المقاومة كان همسا تناقلته الألسن ، وتحدثت فيه العيون ، وخافته خطيبته فارتبطت بقدر أخر .

        كان للسكين المرفوعة قوة هائلة ، قوة رهيبة أعادت له جزء من روحه التي تناثرت وذرفت على جسد أخيه ، والتقطها الحضور وامتصوها عبر خلايا جلودهم ... كانوا يعرفون أن الروح حياة جديدة و إرادة جديدة  تزين درب المقاومين بعدد أكبر من الرجال بل والنساء اللواتي كان لهن في نموذج محمد وروح نبيل نبع صمود ، وبئر ارتواء نضالي .

        التمعت في ذهنه فكرة القتل ردا على استشهاد أخيه ، رغم مروره بلحظات كانت نفسه فيها قد خبت وعزيمته قد فترت وروحه قد ذبلت بمقتل محمد ... التمعت في ذهنه الفكرة ، وكان رغم انخراطه في خلايا العمل السري يتجنب القتل غير المبرر أو مشاعر الحقد اللامتناهي ، ويحاول  أن يجد طريقا للمقاومة دون هذا أو ذاك ، ولكنهم قتلوا أخاه دون أن يتيحوا له أي فرصة للمقاومة بمنطق الفرسان أو الشرفاء ..... لقد كانت عملية نذلة ، قاموا فيها بقتل محمد وخمسة من الأطفال كانوا بجواره صدفة .

         حاول أن يتكهن بشعور الآخر حين مقتل عزيز لديه ، فلم يجد سببا يمنعه من تجريده من المشاعر ، حاول أن يضع نفسه مكان أي يهودي قتيل فامتلأ حقدا وغِّلا ... لكنه عاد وأنار ذاكرته ، فالمتطرفين اليهود لا يعترفون بالآخر ( بنا ) بل ويعتبروننا أغراب ( غوييم  ) يجب طردهم أو قتلهم وبأوامر من شريعة موسى كما يدعون ، يجب اجتياح أرضهم وأجسادهم وأرواحهم ... لا فرق في المشاعر ربما بين الطرفين ، ولكن الفرق في عدم القدرة على تجاوز الألم ربما ، أو السعي لتهميش و إنكار الآخر ، الفرق بعدم الرغبة بتفهم مشاعر الآخر ، ورغبة الأخر ( نحن ) بالأمان والاستقرار والاستقلال مقابل أنانية العدوان وغطرسته وقيم الإخضاع الفاسدة التي يحملها ضدنا ، إن المعادلة عندنا بسيطة زوال الاحتلال مجلبة للأمن .

         ما أن أعد طعام العشاء لأبناء أخيه الثلاثة في بيت العائلة الكبير ، حتى التصقت السكين بكتفه ولم تبارحه ، فكان يسير في الشوارع والسكين قد أصبحت دون إرادة منه جزأ من جسده لا تبارحه ولا تتركه ، فأشار إليه الجيران والناس جميعا والأطفال في الشوارع باسم "أبو سكين الكتف" ودارت حوله في الأيام التالية شائعات كثيرة حول جنونه أو اتصاله بالجن ، أو أنه رجل مبروك أومن أولياء الله الصالحين ، فكان "أبو سكين الكتف" يعمل جاهدا على تغطية كتفه بالكوفية كي لا تبرز السكين من فوق القميص أو تحته ليتخلص من نظرات الآخرين وتعليقاتهم ... يخوض معركة كل صباح مع السكين التي ترفض الخروج من جلده وجسده أو الاختباء به عن الناس .

       على أحد الحواجز المقامة في الطريق الأسود إلى خانيونس شاهده ضباط وجنود الحاجز بعد أن تجاوزهم فشهروا السلاح ، واختبئوا كالضباع وراء متاريسهم ، وفي شهقات عشيقاتهم ، وبين أكوام الحجارة الفلسطينية التي تنبذهم ، وبطول أسرّتهم ، وثقل الدرع الذي يرتدونه ، وبعرض دنياهم ... لقد خافوا من سكين ساكنة تشن حربا على انسان بروح مجتهدة ، وتلتصق بجسده علها تعانق فيه الروح فتتحول إلى راجمة صواريخ أو قذيفة مدفع أو قنبلة حارقة أو رصاصات رشاش ......وكلها استخدمت لقتل محمد الذي تحول إلى طيف في سكين ، أو جرح في سقف الذكريات ، أو إلى دموع مخروطية تفتّت إلى قطع من روح ... لم يستمع نبيل لصرخات العيون المرعوبة والصرخات العبرية والأيادي الراجفة ، والأجساد الراسفة في الحديد وراء الحاجز إلى أن انطلقت رصاصات كثيرة ....... تكومت ، تجمعت الرصاصات ولم تصب في انطلاقها إلا السكين المتوسد كتف صاحبه الأيمن ، سار نبيل مبتعدا دون وجل ومحمد يحميه .

      لم تستطع مشاعر القتل والقوة الجبارة في نبيل أن تتحول إلى أداة تفجير ، و إنما تحولت إلى أداة دفاع وآلة رد العدوان في صورة من صور تقرير المصير للروح المجتاحة .

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر