موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

عجيـن رقيــة


عجيـن رقيــة

 

           كانت تجلس على الأرض في المطبخ الفسيح ، لقد كان المطبخ بمساحة غرفة من غرف البيت هكذا أرادت هي عندما بدأ التخطيط لبناء البيت . لقد قالت له حينها وهي تجلس على الأرض في المطبخ الأول في البيت القديم ، وتشبّر بيديها يمينا ويسارا صائحة : أريد مساحة واسعة فسيحة ، ملعبا... لأجلس فيه و أرق وأعجن على مزاجي .

       لذلك كانت رقية تجلس صباحا كل يوم تقريبا على الأرض ، في المطبخ الفسيح لتمارس شغفها ، فهي تتقن فن الخبز وطالما أتحفت جيرانها بأنواع الخبز والكعك والمعجنات ، خبز طابون وخبز رقاق وخبز مشروح وخبز فرنجي ( كماج ) وأنواع الكعك ... كانت تتمنى أن تفتح مخبزا لتحول متعتها في العجن والخبز إلى مهنة ، ولكن انعدام الفرصة  وضيق ذات اليد وضيق الحال خاصة مع سوء الأوضاع الاقتصادية التي رافقت انتفاضة الأقصى جعلت من أحلامها سرابا ، وجعلت من ( قعدتها ) لتعجن وتخبز وهي طرِبةً مبسوطة لا تطول ، محدودة وزائلة .

       في البداية تقلص حجم القعود نتيجة انقطاع الطحين عن القرى بسبب الحواجز العسكرية الكثيرة ، فكان يتوفر بكميات تتخاطفها المخابز وتعربن عليها مسبقا مما جعل المحلات تخلو من الطحين في كثير من الأحيان ، إلا أن رقية كانت تتنقل من قرية إلى أخرى بحثا عن الدقيق فهو متعتها وهو وهوايتها وكثيرا ما تجده فتهش وتبش ويرتوي قلبها الظامئ للرق والعجن .

       ومع تقدم الأيام واحتدام الأزمة لم تعد المشكلة فقط في الانقطاع المتذبذب للطحين في الأسواق أو عدم التمكن من الانتقال لجلبه بسبب انتشار الحواجز ، وإنما أصبح السبب الرئيس تغير عمل زوجها وانخفاض دخله ، لقد كان أبو حسان عاملا من عمال أحد المطاعم داخل الخط الأخضر أي في أراضي 48 أو ما أصبح ( إسرائيل ) ، وبعد اندلاع المواجهات واشتداد العمليات ضد الأهداف الصهيونية طُرد من عمله ، ولم يستطع الدخول عبر المنافذ الترابية نتيجة انتشار الجنود والدوريات والدبابات وناقلات الجنود والأسلاك ، والسور الذي بدأ الإسرائيليون العمل به ليفصل الضفة الفلسطينية عن الداخل مع قضم آلاف الدونمات بالطبع ، إلا أن أبو حسان استعاض عن عمله هذا بالعمل في مطعم قريب من بلدته في مدينة طولكرم فانخفض مدخوله المادي إلى النصف .

       رغم أن أبو حسان تسلم مسؤولية الفول والحمص التي يتقنها نتيجة عمله في المطعم  اليهودي إلا أن أذواق الفلسطينيين تختلف بالطبع عن أذواق أولئك القادمين من روسيا وأوكرانيا وبولندا باعتبارهم أصحاب الذوق الرفيع ؟! في الحمص والفول ؟! لقد أهمل أبو حسان إغراق الفول بالزيت والإكثار من الشطة ، كما أهمل طريقة صنع الحمص الفلسطينية الأصلية فعاف الزبائن المطعم فكان حظه أن يُركَل قفاه  و يجلس مع زوجته في المطبخ الفسيح دون عمل ولا يحزنون ، لقد سرحوه من عمله هذا في طولكرم ليس فقط لسوء طبخه وإنما في الحقيقة نتيجة اقتحام القوات الإسرائيلية للمدينة واستقرارها فيها وبالتالي إغلاق جميع المحلات التي مع تواصل شهور القتل والحصار والإغلاق ومنع التجول كانت تعود لتفتح بحسب ما يقرره ( راديو إسرائيل ) أي أحيانا من السادسة صباحا إلى العاشرة صباحا أو من التاسعة صباحا حتى الواحدة ظهرا أو من السادسة صباحا إلى الخامسة مساءا وهكذا ، مما جعل إمكانية عمل أبو حسان القادم من قريته إلى طولكرم في وضع شبه مستحيل فتم تسريحه ، لاسيما أن صاحب المطعم فوق كل ذلك قد منى بخسائر فادحة نتيجة استمرار العدوان  مما أدى به للتخلص من الجميع وبقى لوحده يعد الطعام الذي اقتصر فقط على الحمص والفلافل ويقدمه لمن تيسر من الزبائن الخائفين المرعوبين الذين لا يجلسون أو ينتظرون خوفا من مرور دورية أو دبابة تطلق النار عشوائيا أو تقوم بحملة مداهمات و اعتقالات في المحلات مما حصل عشرات المرات . أي أن زبائن المطعم أصبحوا زبائن( سفري ) لا يستقرون حتى يطيرون .

       إذاً قعد أبو حسان عن العمل فلم يعد هناك إمكانية للشراء الشّرِه للدقيق الذي كانت زوجته تصنع منه أنواعا متعددة من الخبز والكعك و المعجنات فأصيبت رقية بالانقباض ثم الأرق والقلق الذي تعاظم ليتحول إلى الاكتئاب .... لم تكتئب عندما استشهد ابن أخيها ، ولم تكتئب عندما أعتقل زوج أختها ولم تكتئب عندما هدموا بيت خالتها ، ولم تكتئب عندما أصابوا أخاها في عينه ففقأوها ولم تكتئب عندما فرض على قريتهم حظر التجول لأيام طويلة أشاعوا فيها الرعب والدمار، ولم تكتئب عندما حرقوا زيتونهم .....لأنها كما كانت تقول امرأة مؤمنة والمؤمن صابر مثابر .... ولكن أن تنقطع عن حياتها والعجين فألف لا.... إنها تحب تلطيخ يديها يوميا بالماء والطحين وتقعد لتغني لفيروز التي لو سمعت صوتها لألقت بنفسها من برج العرب في دبي ، على كل لم يكن يسمعها إلا الجيران وهم يتحملون صوتها مقابل كرمها بالمنتجات التي تقدمها لهم تلك المصنوعة من الدقيق.

       وقف أو حسان يصرخ في وجه رقية إننا لن نشتري من الآن فصاعدا إلا ما يقوتنا من طحين لصناعة خبزنا اليومي فقط وهو عدة أرغفة ، بل أن " أبو حسان " تمادى وقال أنه سيشتري ما يريد من المخبز المجاور فذلك أرخص كثيرا فوقع هذا الكلام على رأس رقية كالمطرقة قائلة : ألا يكفيك أنني أصنع بيدي ما يقوتك وعيالك ، دون أي طلبات كأي امرأة أخرى تسعى للجديد من الملابس والحلي ، ألا يكفيك أنني أوفر عليك الكثير ولا أطلب زيارة لأمي هناك في البعيد في الخليل ، إنني غريبة هنا رغم جيراني فلا أم ولا خالة ولا عمة وأنت تريد قتل إرادتي ومتعتي الوحيدة في صناعة الخبز والكعك وتريد أن تراكم فوق اكتئابي اكتئاب . قال أو حسان : إن وضعنا المادي لم يعد يتحمل حتى صنع الخبز ، لأن شراءه أصبح أرخص بكثير مع احتساب المحروقات والبحث المضني عن الدقيق وما تتصرفين به أو تهدينه للجيران وكأننا نجلس على بنك ..؟

       لم يعجب هذا الكلام رقية فهي وإن كانت مسرفة أحيانا إلا أن إسرافها كان يجلب للبيت تبادلا للبضائع حيث كان الجيران يزودونها بالزيت أو الزيتون أو المربى أو المخلل أو الأجبان مقابل الكثير من المعجنات أو الخبز بأنواعه التي كانت  تهديهم إياه ... فقعدت في المطبخ الفسيح لأربعة أيام وهي تبكي  وأبو حسان يكاد يتفتت من الغيظ ، وفي اليوم الخامس ذهبت رقية إلى مخبز البلد وأجر مع صاحبه حوارا  ومفاوضات مكثفة انتهت باتفاق مرضٍ وهو أن تصنع في بيتها خبز الرقاق وبعض الفطائر التي تم تحديدها وأنواع الكعك وأن يتكفل المخبز في توفير الدقيق لها مجانا ويعطيها نسبة من الأموال لقاء المواد الأخرى والبيع .

       عادت رقية لتجلس واضعة رجلها اليسرى تحت إليتها ومادّة اليمنى فرحة في المطبخ الواسع وترق وتعجن وتغنى رغم الفاقة والاحتلال ورغم بطالة زوجها المغتاظ .

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر