موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

أتكلم فيكم فيما سمح لي من وقت !


أتكلم فيكم فيما سمح لي من وقت !

في وضح النهار من ظهيرة يوم 26/12/2002 قامت عصابة من الإرهابيين اليهود وهم يتخفون بزي عربي بإطلاق النار على أجساد ثلاثة من أبطال الانتفاضة في وسط مدينة رام الله فاستشهد اثنان وجرح الثالث ، ومن الشهيد الأخير وصلتني هذه الرسالة . بكر أبوبكر

       كنت أنزف دما على قارعة الطريق ، وسط المدينة في رابعة النهار ...سقطت ، لم استطع أن أرفع صوتي ، ولم تخرج من فمي آهة واحدة ، سقطت برصاصات مدوية أصابت سمعي قبل أن تمزق فيّ الفؤاد ....نعم هناك حيث يتجمع عدد من ممتهني تغيير العملة الحالمين بالثراء منذ عقود ، وحيث استقر منذ بدء الانتفاضة بائع للكعك وآخر للسحلب وأيضا عدد من باعة الملابس والأحذية والألعاب الصينية الرخيصة...كان الموت .

       هناك بالضبط سقطت ، هكذا مرة واحدة ، كحصان عليل، أو ورقة حظ تالفة ، أو خاتم ذهبي ، ولم أظن أنني سأسقط ذات يوم وبهذه الطريقة . 

       في اللحظات الحاسمة بين الحياة والموت سمعته يقول بعبرية حاقدة : خذها في صدرك في رأسك في شتى أنحاء جسدك... عدد من المسامير القصيرة المتينة الصلبة الساخنة اخترقت جسدي متتابعة ، كان إحساسي في الطلقة الأولى حادا مركزا شديدا ... وخز أليم أعاق في فمي الصرخة فلم استطع التفوه بكلمة ...لا إله إلا الله محمد رسول الله هذا أول ما قلته في نفسي ... ثم تتالت الرصاصات لتخترق الجثة بسهولة انغراس السكين الحاد في الجسد الطري .

        تجمع الألم في البداية في صدري ... ضخما صعبا كبير الحجم حتى كأنني أحمل جبلا ، حائطا ، مدينة ، ثلاث سماوات ، جملا ، قافلة ، انتفاضة ، أكداسا من العيون ، دمع أمي ، آلاف المصاحف ، أكواما من الأيادي المقطوعة .... أحسست أن زرافات من الناس تعدو فوق قفصي الصدري ...هكذا أحسست ثم سرعان ما غبت عن الدنيا .

       كنت أنظر إلي جسدي وسط الشارع المبلل بماء المطر ، أمام البنك العربي في ساحة المنارة في مدينة رام الله.... وإلى جانبها بركة من الدم يشاركني بها زميلين لم أعلم هل قضوا أم قدرت لهم حياة بعد حياة . في انغراس الطلقة افتقاد للكثير من الصور التي تجول في لمحة بصر تلخص تاريخا ابتدأ مع صرخة الولادة الداوية إلى صرخة الموت بلا صوت ...  تقولون أن الاحتلال يحرم الناس الفضاء والحياة والهناء وتشابك الأيدي والألفة والسعادة ، وأقول أنه يحرمهم حتى الصرخة ... لم استطع أن أصرخ حتى في وجه ذاك اللئيم الذي مزق جسدي وأهان سمعي . مددت يدي لا أدري لمن ؟! ولماذا؟ ولكنني مددتها... لقد داسها الإرهابي اللئيم المحقون بسم الحقد والعنصرية وأفرغ ما تبقى من مسدسه في رأسي .. لم أرتبك ولم أحزن، بينما الناس يتراكضون ويصرخون ... لقد تمنيت أن أصرخ : وا أخاه ، وا أماه ، وا أختاه، وا أمتاه ... ليس لجبن مني أو ضعف أو مهانة أبدا ، كنت أريد أن أصرخ كأمنية أخيرة للميت ، كحق لي ، فللميت أيضا حقوق ... أعبر فيها عن آخر ما سيقوله قلبي ولساني...

       ظننت أن شفتيّ قد انفرجتا قليلا وعينيّ تسمرتا في وجه طفل خالد كان يتستر داخل دكان في مدى بصري ...لقد أسقطتُ عينيّ على وجهه ، رأسه ، قميصه ، بنطاله حتى أخذ يتحسس جسده من أسفل إلى أعلى ... الناس يتراكضون فرادى وجماعات ، وطفلي العسليّ يتحسسني بصرا ساقطا وظِلا منعكسا وروحا تشربها من عيني عبر جسده الصغير النحيل المبارك .

       أصدقكم القول أن مما أزال انشداهي وألمي بعد الرصاصة الخائنة الأولى هو موتي وصورة الطفل آخر ما انطبع في بؤبؤ عيني ، ورؤيتي له وهو يمد يده محاولا إسعافي، انتشالي ، مساعدتي على الصراخ ، الدفاع عني؟! ...كادت تنفلت مني شخرة ، آهة، ابتسامة ، ولكن الرذيل اللئيم المحقون بسم الحقد والنازية ركل وجهي بقدمه وكأنه شاهد تواصلي وطفلي ذاك هناك يمد يده باتجاه جلادي على شكل مسدس ، ويحدثني دون كلام ...نظرة واحدة قبل الرحيل كانت كافية لاستجمع شطئاني وبحوري وظلالي وبصري إلا ما علق على جسد الصغير .

       جالت في خاطري والموت يسحب روحي قطرة قطرة ثم دفقة واحدة ، ملاعب الأمس وضحكات النوى، ووجهها هي، وعيون الدوري والحمامات في قصري ، وارتطام جسد ولدي بالحائط ، وصراخ ابنتي حين أبصرت النور، وأول قلم حبر أهداني إياه والدي ، وساعة كانت بيد جدي أورثنيها فبعتها لاشتري دراجة ، وعيون ساخنة وأخرى زلقة وثالثة ناتئة ورابعة مرعوبة وخامسة حاسرة وسادسة ملعونة وسابعة شفوقة وثامنة ودودة وتاسعة واسعة وعاشرة ذات حسد ، مما مر علىّ من عيون الفاتنات وعيون الرجال ... قد تقولون كل هذا في لحظة قصيرة سبقت انسحاب الروح ؟! فأقول : واكثر من ذلك مما لم أعد أذكره اللحظة لأنه رجح لدي أن من كرامات الشهداء أن يريهم الله ما يريدون قبل الرحيل ، وأن يروا - ما رغبوا- أحب ما عاصروا في الثلث الأخير من اللحظة الخاتمة للأعوام المقدرة . فتكلمت فيكم خطيبا فيما سُمح لي به من الوقت .

       على قارعة الطريق وتحت المطر في برد شتاء عاصف... لوحدي وزميلين وبركة دماء لزجة مقابل عصابة من المهووسين ، عصابة من القتلة اليهود لفظت إنسانيتها...  كنا نتعارك !! هم برصاصات الموت الغادر والسم القاتل وغطرسة الوحوش، ونحن بحب الله والناس و الطين والسماء والحرية ، والشوق إلى الشعور الطويلة واليدين المخضبتين ، وسهر الليالي وعبير الغاديات ، ولعب الأطفال ، و طعم الهندباء وأقراص السبانخ ، والزعتر ، وتنهدات المراهقين ، وضيق صدر الكهول ، واكتواء القلب بحب لم يسبق له أحد .... تخضبنا نحن بالدماء ، وسقطوا هم في امتحان الانسان . 

       قد أكون أطلت عليكم ، ولكنني الشهيد العتيد الحي المجيد الكريم الأكرم منكم جميعا كما تقولون ..أفلا تسمعونني فيما صُرّح لي بقوله قبل الغياب...وأنا ممدد هناك كانت دموع أمي تدفئني ، والبرد القارس يخرق أعضائي ، والدم يبلل وجهي و فراشي وحبات المطر .... وما ارتجفت ...

       قد أكون كذبت عليكم حين قلت أنني لم أحزن ...  أبدا! لقد حزنت ليس من أي منكم معشر الأحياء ، بل من نفسي ؟! لأنني لم أكن احتفظ بمسدس أوجهه للّص العيار الذي سرق مني الأيام والآمال والمآل دون إرادتي ، وأحسست بالقهر الشديد والضيق الفظيع لأنني قتلت غدرا ،غيلة، مداورة، دون إعلان حرب، ودون خلق، دون قدرة مني على المقاومة ودون تكافؤ ودون بصر ودون أن أنبس بكلمة ... لقد أطلق اللئيم النازي الرصاص عليّ من الخلف ثم أفرغ سمّه في شتى أنحاء جسدي الفاني، لم أحزن من فناء واقع وإنما من واقع أفضى إلى فناء دون أن أستطيع إجالة النظر الحسير فيما فاتني ، أو أن أصرخ علّ من هو جالس هناك في المحيط يرفع بصره ولو للحظة عن مائدة أو فرجة أو لهو أو شهوة أو كذبة أو حياة غير مغفورة ودنيا عابرة متمهلة.

       أنا الشهيد الأخير هذا اليوم -ربما- ، وتكلمت فيكم فيما سمح لي به الوقت لأقول دون انتظام أو بهرجة أو تزويق أو رتوش ما ظننت أنكم لم تسمعوه... فهلاّ دفنتموني جوار أخي الشهيد البطل المقاوم لطائرات و لدبابات القتلة الفاشيين حينما همت بدخول مدينة جنين فالتصق بأرضها إلى الأبد ... هذه وصيتي إليكم ، وأعذروني إن أطلت عليكم ، فهذا ما كان والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر