موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

كليوباترا على سور المدرسة


كليوباترا على سور المدرسة

     وقفت وسط ساحة المدرسة و صرخت أنا الملكة كليوباترا!؟ كانت الطالبات يتوزعن بين الساحات و الممرات و الصفوف. يتجاذبن الأحاديث و يتحاورن. يراجعن بعض الدروس. و منهن من جلست على العشب الأخضر تدير مناقشة حول برنامج في التلفزة لليوم الفائت. و تجمع عدد منهن حول مدرسة العلوم المحبوبة و هي تشرح في الساحة عن نظرية جديدة عن الأجسام أو الجسيمات متناهية الصغر بأسلوب شيق جعل من الطالبات يحببنها أثناء الدرس و بعده....إلا كليوباترا.

      في وسط باحة المدرسة رفعت صوتها ثانية ، علّ بعض البنات لم يسمعنها و رددت أنا الحاكمة  المطلقة و الفكر المستنير، أنا صاحبة الجلالة و العقل الكبير، أنا كليوباترا بنت الأمراء و الملوك و صاحبة العرش و الصولجان و السر الكبير... التفت إليها مجموعة صغيرة بدأت تقترب منها و هي تخطب مطلقة يديها تعبر عنها شمالا و يمينا، تتأمل تكاثر الحشود بشعور طاغ بالنشوة و القوة.

     انفضت الطالبات عن أحاديثهن الجانبية، في الساحة و الممرات و على العشب الأخضر و أخذن يتحلقن حول كليوباترا التي أدارت عرضا مسرحيا فنيا صالت فيه و جالت و تحركت و أومأت و قالت حتى أنها أطلقت أحكاما مخففة و أخرى قاسية على عدد من الطالبات من زميلاتها ما لقي من الجموع نظرات من التعجب و ابتسامات تحولت لضحكات ثم لتصفيق؟! كل البنات نظرن للموضوع- إثر انتهاء الفرصة- كنكتة أو مسرحية أو محاولة لجذب الانتباه

      فمنهن من تقبلها و اعتبر كليوباترا جريئة قوية مسيطرة مقدامة، و منهن من هزت كتفيها و لم تعلق على الأمر و اعتبرته شيئا عابرا، و أخريات جعلن من الحدث مجالا للسخرية و التعليقات اللاذعة. و مر اليوم و انقضى.

        في اليوم التالي وقفت كليوباترا في منتصف جمع من الطالبات أثناء الفسحة حيث كن يلعبن و قررت- هكذا قالت- منع اللعبة لأنها غير راقية و لا تروق لها. فرضت سيطرتها على الموقف إلى حد خنق حرية الأخريات، تصدت لها إحداهن، إلا أن قوة ردة الفعل من كليوباترا و علو صوتها ، و رفضها الاحتجاج جعل من التراجع سيد الموقف، فضت اللعبة مع صوت الجرس.

       في اليوم الثالث وقفت كليوباترا على سور المدرسة في مواجهة الطالبات و قالت: إني قد عفوت عنكن، أنا كليوباترا ملكة الحكمة و حكيمة الملكات، فاذهبن لا ملامة عليكن...؟! تعالت الضحكات من كل صوب...  كان منظر وقوفها على السور المرتفع قد أثار الآذنة التي استدعت المديرة على عجل و التي قامت بإنزال كليوباترا عن عرشها و طلبت منها إحضار ولي أمرها.

        في اليوم التالي حضرت أم كليوباترا إلى المدرسة و قابلت المديرة و ما هي إلا دقائق حتى بدأ العرض. صعدت كليوباترا على سطح المدرسة و قامت بقذف مئات الأوراق المرسوم عليها صورتها و تحتها كلمات: "الملكة كليوباترا ملكة الشمال و الجنوب"... جن جنون المديرة و صاحت بها أن تتوقف و تآزرت مع أمها على إقناعها بالنزول الذي رفضت الانصياع له إلا بعد أن أخذت إقرارا من المديرة بتعليق صورتها في غرفة المديرة و الاعتراف بها ملكة للشمال والجنوب  .

      أعادت الأم ابنتها إلى الفصل مع كثير من الاحتضان و المحبة و مع كثير من الدموع و التأوهات... كانت كليوباترا تضحك ممتلئة نشوة و سطوة و قوة. عادت الأم إلى غرفة المديرة التي لم تفارقها، و ما أن استقرت المديرة على مقعدها حتى سمعت جلبة و ضوضاء و صراخ فقامت مسرعة لتجد أن الطالبات في حالة هياج حيث خرجت كليوباترا من الفصل ... قفزت عن السور مخلفة وراءها إعلانا مكتوبا قالت فيه أنها ذاهبة في جولة ميدانية لتفقد أحوال الرعية.

      لم تكن الأم رغم ألمها و دموعها جزعة ما أثار عجب و استغراب المدرسات و المديرة. فقطعت الأم حالة العجب بالقول: إن ابنتي سارة منذ حوالي الشهر و هي في حالة اضطراب نفسي عميقة، ترفض و تصر على الصيام على الماء و الخبز لأيام، و أحيانا ترفض مشاهدة التلفزة و تهدد بكسر الجهاز، و أحيانا ما تصرخ عبر النوافذ مطالبة أهل الحي بمساعدتها على استرجاع (ملكها) باعتبارها ملكة الشمال و الجنوب، و في أحيان أخرى تجمع أخواتها و تلقي عليهم أوامر بالوقوف أو الأكل أو الانبطاح و آخر مرة قذفت بالكراسي من الشرفة و قررت أن القعدة العربية أفضل... و قبل أن تسترسل قاطعتها المديرة- و المدرسات حاضرات- و لماذا كل هذا؟ إنه مرض نفسي! ألم تعرضوها على طبيب؟ قالت الأم بل عرضناها على الكثير و هي تتلقى العلاج منذ خروجها من السجن الذي قضت فيه ما يزيد على العام، و اضطررنا لنقلها بعد الخروج من السجن إلى هذه المدرسة لأنها ما عادت تتلاءم مع زميلاتها السابقات.

قالت إحدى المدرسات: و لماذا سجنت؟ أجابت الأم: بتهمة شرب الماء.

       ما بين عجب و تبسم من الحضور، رددت الأم: نعم بتهمة شرب الماء و أردفت أنها كانت تقف على أحد الحواجز الإسرائيلية، و قبل أن يصل دور التدقيق اللاإنساني في الهوية و الحقيبة و الجسد عطشت فخرجت من الصف و اشترت زجاجة ماء من أحد الباعة ... شاهدها أحد الجنود وركض باتجاهها و ألقى بالزجاجة من يدها.... و دخلت السجن، هكذا ببساطة؟! وعندما خرجت بعد عذاب طويل لم تفهم معه حقيقة ما حدث معها أصبحت تخاف الماء أحيانا،و في أحيان أخرى لا تشرب شيئا سوى الماء و قال لنا بعض الأطباء أن ممارسات التعذيب و الإذلال في السجن لطفلة في الخامسة عشرة قد محت شخصيتها و دمرتها فأخذت تتفحص أدوارا كان آخرها دور كليوباترا ملكة الشمال و الجنوب... و كانت أحيانا بدور عبلة و أحيانا بدور الملكة فكتوريا، و كانت كليوباترا آخر الأدوار.

       انزعج الحضور من المدرسات و المديرة و أسفن على هذه الفتاة الجميلة المريضة لا سيما و أنها حين الصفاء تبدي –أو كانت- نباهة و ذكاء كبيرين. عادت الأم تجرجر قدميها إلى البيت بانتظار عودة كليوباترا من جولتها متفقدة أحوال الرعية .... حتى الآن.

رام الله 18/1/2005

قبيل عيد الأضحى بيومين

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر