موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

ما بين فاس ورام الله مسافة ليست طويلة!


ما بين فاس ورام الله مسافة ليست طويلة!

       وقَفَت في أقصى الأمة في المغرب ، لربما كانت تقف عند نفس الصخرة التي وقف عليها   موسى بن نصير أو طارق بن زياد في سعيهما لنشر راية الحضارة العربية الإسلامية في بلاد الظلمات والتخلف ما وراء الماء . وقفت على نفس الصخرة التي انطلقت منها أو من جوارها الجيوش الفاتحة لتقطع البحر نحو المجهول مسلحة برسالة التوحيد والمحبة والسلام .

       لربما تكون نفس الوِقفة ، ولكن الزمن غير الزمن والحال غير الحال ....في ماذا فكر القائد العربي موسى بن نصير آنذاك ، وبماذا تفكر هي الآن ؟! كيف كان ينظم منطلقاته هو آنذاك ، وكيف تنظر هي لطبيعة الحال الآن؟! الزمان غير الزمان والحال غير الحال ، ولكن الأمل والسعي يُسقِطُ دوما المحال ويقرب البعيد ويجيب على السؤال ويحقق الأماني.

       وقفت عائشة بن محمد تصرخ في حشود المتظاهرين الكثر الغاضبين المتضامنين مع انتفاضة الأقصى في فلسطين إثر تدنيس مجرم الحرب شارون لباحات المسجد الأقصى في 28/9/2000 ، وانطلق لسانها كما لم ينطلق لسان طارق بن زياد خطبة هزت المشاعر وجذبت الآذان واستدعت الصمت ووترت القلوب وألهبت الحناجر .

       في مدينة رام الله وفي الشارع الرئيسي قرب مسجد جمال عبد الناصر ، وقفت الأم مع ابنتها الصغيرة تنظر من بعيد إلى موكب شهيد انتفاضة الأقصى ، أحد شهداء انتفاضة الأقصى ، فسألتها ابنتها الصغيرة أماني : لماذا يرفعون رجلا ملفوفا بالعلم الفلسطيني فوق الأعناق ويصرخون ؟! لماذا يصرخون بهذه الشدة ولماذا كل هذا الصخب ؟! فتأملت ابنتها الصغيرة أماني بعد أن كررت سؤالها مرتين وتعجبت ! فلم تكن لتتوقع مثل هذا السؤال من صغرى بناتها وكانت تتوقع سؤالا عن الموكب أو الشهيد او طلبا لحاجة ؟! فصمتت .

       في مدينة فاس بالمغرب الأقصى سمعت عائشة بن محمد سؤال الابنة لأمها في رام الله فصرخت : إنهم يصرخون عشقا ، ويصيحون ولعا ، ويفيضون حبا ، ويتألمون كثيرا ويفرحون ، ويتوجعون كثيرا ويضحكون ، يصبرون كثيرا وينشدون ، من عمق القسوة الفاصلة بين فاس ورام الله يصرخ الفلسطينيون عسى صرخاتهم تغشى المحيط ولعلها تلف الخليج وتنتشر ما بينهما من بلاد أمة العرب ، إنهم يصرخون انتعاشا ومحبة ، ويصيحون صمودا وطهرا  .

       نظرت أماني نحو المسيرة ثم رفعت بصرها إلى السماء ودون دهشة قالت : إني أرى امرأة تنظر إلينا من فوق !! فجذبتها أمها من يدها وقالت : أين فوق ؟! فأعادت عليها القول ونظرها مسمر على حد السماء ...نظرت الأم بعد تململ حيث ألقت ابنتها البصر ، نظرت إلى السماء فإذ بها تحتضن عائشة ومليون مغربي غاضب يرفعون أعلاما ورايات ، ويرفعون لا فتات وشعارات .... يسيرون بهدوء واتزان وتعلو وجوههم علامات الثورة ، فقالت أماني الصغيرة لأمها : لم اعد احتاج لإجابة فالآن فهمت لماذا يصرخون والشهيد مرفوع فوق الأعناق !!

       ابتسمت عائشة وهي تسير في موكب مهيب في مدينة رام الله وركضت نحو الصغيرة أماني وقبلت يدها ، وألقت التحية على أمها ، أم أماني ، وقرأت الفاتحة على روح الشهيد ، ورفعت علم العروبة علم فلسطين ، وسارت مع الحشود تنظر ما بين فاس ورام الله مسافة ليست طويلة ، إنها ليست طويلة هكذا قالت .

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر