أريج الجبالي في عمان .

21-12-2007
أريج الجبالي في عمان .
من كتابنا: في الزمن الواقع بإمكانكم أن تطيروا، دار الشروق، عمان، 2003
       اصطحبت أطفالها الأربعة وزوجها الى أحد المطاعم ، ففي المدينة مطاعم كثيرة ، وعروض مغرية ... والاختيار بينها يخضع لما تعرضه من نوعية تنشد الجودة وأسعار تتلاءم مع مختلف طبقات المجتمع إضافة لما تقدمه من محفزات عبر الدعاية كالهدايا والألعاب ، او حديثا خصم قرش او قرشين لصالح الانتفاضة المباركة !
       على باب المطعم الضخم الذي غطى زجاج واجهته رسومات وألوان وأشكال ونصوص دعائية تقول  : اشترِ شطيرة (همبرجر) وخذ االثانية مجانا ، اشترِ شطيرتين و(الكولا) مجانا ! حينها ابتسمت الزوجة فهي من أكلة اللحوم المدمنين ، ...  وانطلقت الى داخل المطعم ...بينما وقف الأطفال الأربعة جامدين ثم عابسين!.. نظرت الأم جوارها ثم خلفها فلم تجد أحدا من أطفالها ...لمحتهم من خلف زجاج المطعم ...إنهم ما زالوا واقفين خارج المطعم ؟! فأشارت لهم بيدها أن أدخلوا ...لم يتحرك منهم أحد ؟ استغربت فخرجت غاضبة وصاحت : ما لكم لا تدخلون والمطعم هذا ما اعتدنا التردد عليه دوما ؟! ألم تعجبكم العروض ؟ أم ان (الهمبرجر) أصبحت (كخة) ؟!
        كان والدهم قد ركن سيارته في الساحة القريبة وجاء ينظر الحدث والحديث ... تحدث الأول   وقال : إن هذا المطعم وأمثاله لم تعد تعجبنا ؟
 وقالت الثانية : ولن نعود للأكل فيها أبدا بعد ذلك ؟
وقالت الثالثة : أصلا نحن لا نحب اللحوم المبردة هذه ؟
 وقال الأصغر : دعونا نعود لمطعم العم أبو احمد الذي يقدم الحمص والفلافل والشاورما العربية ؟
نظرت أمهم بحنق وقالت : ما هذا أهو إضراب أم مظاهرة أم ماذا ؟
قال الأول : نعم هو إضراب ؟
قالت الأم بعصبية : ولماذا يا فصيح ماذا حصل ؟
قال أصغرهم :إن هذا المطعم أمريكي ؟
قالت بنفاد صبر : وماذا في ذلك ؟
قالت الثانية : وبدعم صهيوني ؟!
ثم أضافت : وله فروع في المستعمرات المنغرسة في قلب ورئة وطننا فلسطين حيث يسوم اليهود شعبا هناك سوء العذاب ؟
قالت الأم : هالله هالله حولتم الأكل الى سياسة ، ما شاء الله ؟
قالت الثالثة :إنه بأكلنا في هذا المطعم كأننا نأكل لحوم إخواننا في فلسطين ؟؟
       أدار الأصغر ظهره وسار باتجاه والده والسيارة ، كادت أمهم تصفعهم في الشارع ...إلا أنها آثرت أن تؤدبهم بشكل مبتكر وعلى طريقتها فاشترت لنفسها شطيرتين ؟؟! وعادت بهم وزوجها الصامت الى البيت جوعى ...فرح الاطفال كثيرا ، واعتبروا أنهم حققوا نصرا ولو جزئيا ، وضاقت أمهم ذرعا من كثرة رفضهم الذي بدا يظهر عليهم منذ بداية الانتفاضة ... يرفضون اللباس والأطعمة والمشروبات والأقلام ...الخ التي يشكون أن لإسرائيل علاقة بها من قريب أو بعيد .
       أريج الجبالي فتاة في ريعان الصبا كانت تجلس في بيتها المكون من أربع طبقات ...قدمت ابنة عمتها أحلام وكلمتها فصعدتا معا الى سطح البناية يتناجين ويبثان بعضهما قليلا من الاشواق والأحلام الصغيرة ، وقمن معا بلم الغسيل المنشور ...أنه عمل روتيني وليس عملا حربيا ، إنه عمل تقوم به النسوة في بلادنا كل يوم ! وهل في ذلك مشكلة ! نعم إنه كذلك في هذه الأيام وغيره من الأعمال الصغيرة المعتادة ، إنه وإنها مشاكل للعيون الذئبية والقلوب الحجرية والأيادي الدموية ، إنها مشكلة كبيرة أن يعيش الناس حياتهم العادية في فلسطين يفرحون ويحزنون ويحبون ويتألمون  ويرسمون الأمل بعرض المحيط وعلو السماء ، لأن العدو ينكمش بفرح الأطفال ويسودَ وجهه  حين تستبشر الصبايا ...
        في الخليل حيث تقطن عائلتا أريج وأحلام يقع المنزل ويقع السطح وينتثر الأريج والأحلام على بعد ثلاثين مترا هوائيا من ما يسمى ب (مستعمرة حجاي ) اليهودية المليئة بالقوم الإرهابيين اعداء الفرح والعشق والمستقبل .
       في الساعة الخامسة إلا ربعا صعدت الفتاتان الى السطح بينما انشغل أفراد الأسرة بإعداد وجبة الإفطار من صيام النوافل ...قامت قوات الغدر والاحتلال الإسرائيلي بإطلاق الرصاص من رشاشات عيار 500 ملم باتجاه المنزل ... احتضنت أحلام ابنة عمها ، وحاولتا الهرب من سيل الرصاص المنهمر باتجاه مطلع الدرج ، ولكن الإرهاب لا يفرق بين طفل وعجوز شاب وفتاة ...اخترقت رصاصة واحدة قلبا نقيا فتيا أبيضا قلب أريج وشطرته نصفين ...نصف بقي في الخليل ونصف انتقل معها حيث المعراج الى سدرة المنتهى!
       في عمان جلست مع أبنائها الأربعة ...تأكل شطائر (الهمبورجر) التي جلبتها لها وحدها دون اطفالها المنتفضين كعقاب على عصيانهم ...وخبر الشهيدة أريج الجبالي يطرق أسماع الأسرة المقيمة في عمان ...رب الأسرة المرهق الصامت وزوجته ، وأطفالهما الأربعة المنتفضين ...حاولت الأم أن تدير مؤشر المذياع بعيدا عن الخبر... إلا أن تجهم وجوه الأطفال الأربعة وهمهمتهم وهم الذين ما فتئوا يتابعون أخبار الانتفاضة بلهفة ، ونشرة إثر نشرة في المرئي والمسموع ، جعلها تغير رأيها ...وتنقض على ما بين يديها من طعام ...
       كانت أريج قد قفزت في قلوب الأطفال وفي عين أصغرهم سنا التي فاضت دمعا ... قام أكبرهم وصلى ركعتين ، وقرأت أختيه الفاتحة جهرا على روح الشهيدة ...وصرخت الأم في وجه زوجها : أين الفستان الجديد الذي وعدتني به ؟! 
 

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر