في حب الجارة .قصة

24-12-2007

في حب الجارة .

                        
         كانت تقطن بالجوار ، جميلة ، هادئة ، لا تصدر صوتا أو ضجيجا ، قلما رأيتها تتذمر ، تقضي نهارها صامتة تتأمل ولربما أحببت التأمل من كثرة تأملي في آليات تأملها .
         دوام الجيرة يولد الألفة ، والمحبة ، خاصة متى ما كان الجار بالجمال والصفاء الذي تتمتع به جارتي الودودة ، وأنا أِلفت أن ألقي عليها نظرات طوال صباحا ومساءا ، وهي ساهمة لاهية ، لا تهتم ولا تلتفت الا قليلا . إنها قليلا ما ترفع رأسها وتدير عنقها الجميل لتنصت لصوت هادر أو أبواق السيارات ...جارتي تحب الهدوء وتكره الصخب ، تحب الراحة وتكره الكرب .
         قال لي الحلاق يوما : سلم لي على جارتك ، فكدت استشيط غضبا ، إذ أنني كثيرا ما كلمته عن جمال ونقاء جارتي ، وهو قلما يستمع ، وكثيرا ما يتندر على ّ، عدا أنه يطرقني دوما بلسان ناقد لوضع قائم أو غائم ، أو بوصف دقيق للمسيرة السلمية ، أو نقد ديني مستفيض لخطبة شيخ الجامع ، أو تعبير عن انزعاج من صوت جيرانه العالي ، كما للا يمل يحدثني عن نوع الخضار الصحية التي يأكلها ، وكمية الماء التي يجلبها بالبراميل لسد نقص المياه في بيته ، ونوع الأرز الأفضل لعمل المقلوبة ، وشدة الأمطار هذا العام ، ولون عيني حفيدته الرائق ... حتى وصل به الأمر في أحد الأيام لأن يشرح بالتفصيل الفرق بين اليورانيوم المنضب الذي استخدم في خرب الخليج الثانية واليورانيوم غير المنضب الذي استخدم في حرب أفغانستان وفي حرب الأمريكان على العراق كما قال.
      
         من الطبيعي أن يحلق المرء بين يدي حلاق ثرثار ، ولكنني أحب من يستمع إلىّ خاصة والفتنة بجارتي المتينة أخذت مني كل مأخذ ولا أجد من مستمعيّ إلا التندر علي والتفكه فيما أقول ... ومنهم أبو حسني الحلاق إلى أن فاجأني بالقول سلم على جارتك ... استشطت غضبا ، لأنني لم أعد احتمل سخرياته وسخريات الآخرين.
         تراجع أبو حسني عندما وجدني غاضبا مغضبا وقال لي : ما قصدت إهانة أو سخرية وإنما قصدت حقيقة أن سلم لي على جارتك ، لأنني أتوق لرؤياها من شدة ما كلمتني عنها لذلك ما قصدت إلا حقيقة شعوري دون إسفاف أو إساءة .... استعدت هدوئي وأبو حسني يرد السلام على مجموعة من الرجال وقفت أمام المحل ثم ابتسمت فربما يكون أبو حسني معيني وصديقي في التغزل المشترك بالجارة الودودة .
         كانت زوجتي في البداية تتقبل مني مديح الجارة وتأخذه على محمل الهزل ، وعندما رأت مني إغراقا في الأمر ، خاصة عندما أجلس على الشرفة في أوقات ثلاثة صباحا وعصرا ومساءا ، أتأمل في عيني الجارة الودودة وفي رقبتها وفي أذنيها وفي جسدها المتين... أصبحت ضجرة نكدة تصرخ في وجهي ، ولا تستجيب لطلباتي المستمرة وصوتي الزاعق طالبا فنجانا من القهوة اثر الفنجان ... لقد أعلنت زوجتي العصيان التام . وباتت ترى في جارتي عدوّا ، وشيطانا رجيما .
         فاجأتني زوجتي في أحد أيام الانتفاضة الطوال بالقول أن الحليب واللبن واللبنة والزبدة وكل مشتقات الألبان البقرية قد انقطعت نتيجة مئات الحواجز التي تفتح يوما وتغلق أياما ، تفتح لتنطلق رصاصات هنا ورصاصات هناك فتصيب الأطفال والرجال والنساء بين شهيد ممدد على قارعة الطريق ، أو جريح ينزف حتى يلحق بصاحبه ... فقلت لها ولماذا انقطعت فقط هذه المواد ؟؟ أجابت : بعدم العلم . ولكن هذا ما بدا من خلو كافة المحلات في القرية من هذه المواد لمدة أسبوع ... تعرف زوجتي مدى حبي للجبنة البلدية وكثيرا ما أشارت لحبي هذا وقارنته أو ربطته بحبي وتغزلي بالجارة المتينة الودودة الهادئة ، بل كثيرا ما قارنت رائحة الجبنة البلدية برائحة روث البقر وبعر الأغنام ... وأنا لا ألتفت لما تقول بل ازداد حبا للجبنة والبقرة .
         لقد تفاجأت من انقطاع الجبنة حقا بعد أيام من الخبر العاجل الذي اتحفتني به حرمنا المصون والجوهر المكنون والدردبيس الحنون ، خاصة وأنا جالس في بيت أبو الخضر جارنا الذي قدم لي في إفطارا صباحيا اعتدته كل أسبوع معه ، فيه كل ما يلذ إلا الجبنة ؟؟  فقلت : ما هذا يا أبو الخضر أين الجبنة يا أخي ؟ قال أبو الخضر : مقطوعة يا حبيبي ، ولا يوجد في السوق من منتجات الألبان شئ . قاتل الله الإسرائيليين .. . حتى علف الماشية لم نستطع  أن نجلبه لأبقار البلد ، ورغم استعاضتنا عنه بالحشيش وأوراق الشجر إلا أنه لم يثمر كثيرا في كمية الألبان التي كانت تنتجها الأغنام والأبقار في بلدنا على قلتها . قلت لأبو خضر أن هذه نكبة أبشع من نكبة ال 48 ، فهل تريدني أن أعيش بلا جبنة بلدية ؟!  استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم .
أسبوعين وأنا منقطع عن العالم حتى المذياع الذي كانت لا تفارقني أخباره لم أعد أهتم بها وحتى الشرفة وجارتي الجميلة لم أعد أرى ضرورة للتغزل فيها ، أو امتداح قوامها وأذنيها وعينيها وقدميها المكينة ... حتى لاحظ أبو حسني الحلاق فيَّ ذلك فقال : ما بك يا أخي أبو جميل لم تحدثني ولا كلمة عن جارتك الجميلة منذ زمن ؟!  قلت له : خليها على الله يا رجل أنا في كرب . قال أبو حسني : يا لطيف خير ! قلت: لقد انقطعت الجبنة ومنتجات الألبان من البلد وأنا لا استغني عنها فتكدرت . قال أبو حسني : إذن أنت في كرب وكدر معا ... تنبهت لصيغته الاستهزائية فلم أجب ، وأكملت كوب الشاي الذي أحضره لي وانطلقت نحو البيت .
         كانت رائحة الشواء اللذيذة تنبعث من حديقة الجيران حيث بيت جارتنا الجميلة وذات الجسد المكين ، فتوقفت عند الباب ليراني أصحاب البيت ، ويدعونني لتذوق الشواء ، وهذا ما حصل ... إلا أنني تعجبت من كمية اللحم والألبان التي من المفترض أنها مقطوعة في السوق ... فلم ألقي بالا لذلك لأن اللحم السمين لذيذ ، والأكل طيب . وبعد برهة و المعدة كادت تمتلئ والجسم ينحل ويخدر ، لاحظت أن الجارة الجميلة غير موجودة ، فبادرت بالسؤال عنها بعد تردد لم يطل .
ضحك الجيران طويلا ... وقالوا ألا تعلم أننا نحتفل بمولود ذكر ذبحنا له بقرتنا الجميلة... جارتك التي استطعمت لحمها !!! تفاجأت للوهلة الاولى إلا أن طعم الشواء كان مهيمنا... فقلت   : مبروك ما جاكم ، ... قاتل الله الاحتلال الذي جعل من مثلي يتلوى من فقدان الجبنة ، أو يتغزل في بقرة ... فعلا أن الاحتلال مدخل الخبـــال .

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر