موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

أبو العامود والمدير العام - قصة قصيرة


أبو العامود والمدير العام
قصة قصيرة- بكر أبو بكر
       أبو العامود رجل طويل كالطود إلى الدرجة التي تظن أن رأسه يناطح السحاب، وهو ببزته الرمادية التي يلبسها دائما وربطة العنق المقلمة تظنه واحدا من أولئك الإرستقراطيين أصحاب القصور والقلاع المنتشرة في المدن الأوربية الساحلية ، وربما تظنه واحدا من قيادات الجيش الإنكشاري التركي ببنيته الصلبة  وإرتفاع كتفيه( وكشرته ) التي لا يماثلها كشرة الشهير( جميل البديري ) في البرنامج التلفزي للإعلامي ( شريف العلمي ) ، وقد أسمى ابنه عامود بغية أن يكون صلبا كالعامود لا خداجا كما خلق.
       أبو العامود قنبلة التزلف واعصار (مسح الجوخ) كان يجعل كشرته ترتسم في وجهه غالب الأمر ليعطي إنطباعا بالجدية والعظمة ، ولكنه كان يتخلى عنها أحيانا ليرسم بدلا منها إبتسامة أو إبتسامات يوزعها على الغادي والرايح متى ما كان له عندهم حاجة ما .
       أما عن الإبتسامات أمام المدير العام فحدث ولا حرج لمن جاء وخرج أو دخل من الباب مستقيما بلا عرج .
قال مزعل : أنظر إليه وهو يأكل وكأنه سفينة تغرق !
قال  فرهود : ماذا تقول؟ وماذا تقصد بالسفينة، لم أفهم ؟
قال مزعل : أنظر وتعرف أنه يغرق في المرق حتى قمة أنفه ، ألا ترى أنفه وفمه وذقنه يشاركونه الأكل وكأنه يأكل للمرة الأخيرة .
قال فرهود ( ضاحكا ، ومتاملا مليا بأبي العامود) : الله يجازيك، والله لم أنتبه لذلك سابقا ، بل الآن ( ازيدك من الشعر بيت ) فها هو يجعل من كفّيه ومعصميه وكوعيه شركاء في الغرق أيضا.
قال مزعل مبتسما : أراك دخلت على الخط بقوة .
قال فرهود : المرء على دين خليله .
       كانت العزومة التي دعى لها المدير العام تشتمل على الوجبه الرئيسية في الخليج العربي وهي الرز والمرق واللحم وهذه المكونات الثلاث كانت بالنسبة لابي العامود ورهط كثير تمثل القواعد الرئيسية المحركة لعمله .
       فلا يكاد أبو العامود أو صديقة الوحيد الأوحد خليل فرفر يقدم عملا أو خدمة الا واشترط لادائه أن يبتلع خاروفا إن أمكن أو عزومة على ( البرياني ) أو (الكبسة) وفي أسوأ الأحوال كيلو مشاوي .
       ما زال أبو العامود يأكل أو يغرق كما وصفه مزعل وهو بطريقة ابتلاعه للّقمه له فنون ، حيث لا يترك لها فرصة الحركة في الفم بل يدعها تنزلق سريعا إلى معدته ليلحقها بالثانية والثالثة والعاشرة وهكذا ، بقطعة من صدر الخاروف أو مصمصة للعظام بصوت يجعل من جميع المتحلقين على ( السدر ) ينتفضون ويتلفتون يمنه ويسرة .
قال مزعل : أنظر إليه يخنفر وهو يأكل وكأنه محكوم بالإعدام يطلب وجبته الأخيرة لا يريد أن يبقى شيئا .
قال فرهود ، وهو يمد يده  ليتقط شيئا من اللحم : دعنا نأكل قبل أن يصلنا طوفان أبو العامود ، أعاذنا الله واياك منه.
 قال مزعل وهو يشمر كمّيه والله صدقت .
       القوم من رؤساء الأقسام والدوائر والموظفين متحلقين يأكلون بأيديهم من دسم الطعام ، ولا تسمع إلا صوت الصحون والملاعق لمن يستخدم الملاعق، أو صوت أبي العامود الذي يشبه الشخير والنخير بين الفينة والأخرى .
       دخل المدير العام متأخرا ، وسلم عليهم.... فتوقف الجميع عن الأكل يرحبون به الا أبو العامود بالطبع حيث وجد في ذلك فرصته للفوز في السباق .
       أفسح الرهط المكان للمدير العام ، بجانب أبي العامود فأنزعج جدا لأنه سيضطر لخدمة مدير الشركة في وقت كان الأولى فيه خدمة بطنه هو .
         قام أبو العامود بنزع جاكيته وربطة العنق وألقاهما جانبا وأخذ يفتت قطع اللحم الكثير الذي نثر فوق الأرز مع حضور المدير العام ، وبدأ يقذف بالقطع بل قل الكتل لمدير الشركة .
قال أبو العامود : كل ياسيدي، فإن هذا اللحم بلدي .
 قال المدير العام : شكرا يا أبو العامود ، اتركني -الله يرحم والديك- آكل بطريقتي .
قال أبو العامود : أعرفك تخجل يا سيدي ، خذ هذه القطعة أنها من الكتف ومستوية.
 فأخذها المدير العام ووضعها جانبا ، ولم تمض ثوان حتى قذف له بقطعة أخرى كانت أكبر حجما من رأس أبي العامود شخصيا فقطب المدير العام جبينه ودفع القطعة جانبا .
       نظر مزعل وفرهود إلى وجه المدير العام ضعيف البنية، وكادا ينفجران ضحكا، فالمدير العام غاضب أشد الغضب لأن أبا العامود بعد أن يئس من إطعام المدير العام بالحسنى أخذ يضع اللقم في فمه قسرا وبشكل متتالي.
قال مزعل ، وهو يجلس على مبعدة من الحلقة التي تجمع المدير العام وأبا العامود: أنظر يا فرهود أن المدير العام يكاد يختنق .
قال فرهود : فعلا أنه يتحسس بطنه وحلقه ، وأبو العامود لا يأبه، ويكاد يقضى عليه.
 قال مزعل : لنلحق به قبل أن يموت .
       كان المدير العام وهو رجل شديد الشفافيه والأدب قد بدأ يتعرق من كثرة الأكل، وأحمّر وجهه وحجظت عيناه فوق جحوظها الطبيعي بشكل لافت دعا     أحد المدعوين لأن يضرب على يد أبي العامود ليوقف تدفق سيل الطعام المقذوف من يده إلى فم المدير العام .
       انقلب المديرالعام على ظهره فاضطرب المدعوون، وتوقفوا عن الأكل  فقام طبيب الشركة الذي كان بين المدعوين مهرولا وأجرى للرجل الإسعافات اللازمة.
         أبوالعامود ما زال يأكل ، ويحمل قطعة هبرة من الفخد كان يريد أن يدفعها في فم المدير العام ، فلما رأى انقلاب المديرعلى ظهرة ، أسرع بابتلاعها وهجم يقبل رأس المدير العام الذي كادت روحه تطلع .
       نظر الجميع إلى أبي العامود نظرات إتهام واحتقار. فقال أبو العامود والمرق ينقط من مرفقيه ودقنه : ماذا بكم ياجماعة ، قولوا للمدير العام الحمد لله على السلامة ألا ترون أن الله ستر .
       العزومة المقامة في ديوانية المدير العام الفسيحة كادت تتحول الى مأتم    لسبب حُمق أبي العامود .
       وبينما الجميع يهنئون المدير العام بالسلامة ، وقف مزعل وتقدم خطوات قصيرة من بعيد حيث كان يجلس إلى أبي العامود وجذبه من كم يده المشمر الى أعلى وقال له:أخرج قبل أن تُطرد .
صرخ أبو العامود: الله أكبر، الله اكبر، هل تريد أن تحرمني شرف خدمة المدير العام، والله لا أفعل ولا أخرج .
       سمع المدير العام حوار الرجلين الواقفين بقربة وهو ما زال مضطجعا يتنفس بصعوبة من أثار الألم والتخمة وبعد اسعافه ، وأشار بيده إلى فرهود وهمس بأذنه ببضع كلمات إتجه بعدها فرهود إلى أبو العامود وصفعة صفعة وصل صوتها الجانب الشرقي من المحيط العربي .  



Baker AbuBaker
بكر أبوبكر
Palestine-Ramallah
tel:0097222987619 
الموقع الشخصي
www.bakerabubaker. com

موقعنا التدريبي الهام
www.fatah-training. org
سجل في الموقع ثم ادخله وشارك في زاوية دروس مباشرة

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر