موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

لا فرق! قصة قصيرة


لا فرق!
قصة قصيرة- بكر أبو بكر
 خطر لأبي العامود أن يكتب مذكراته ، كما فعل الرئيس الامريكي السابق  بيل كلنتون على سبيل المثال، او كما فعل رئيس الوزراء البريطاني في الحرب العالمية الثانية ونستون تشرشل أو دنيس روس، أوحتى تلك التي لا اسم لها في عالم السياسة ، الفنانة كما تدعي التي كتبت مذكرات قحبة ، فإذا كانت القحاب تكتب مذكراتها فلم لا يكتب أبو العامود ذو التاريخ الفريد والنهج السديد والطول المشدود مذكراته!!
  خط أبو العامود بقلمه الذهبي السطر الأول ثم توقف، وللعلم فقلم (أبوالعامود) ليس ككل الأقلام فهو من نوع فاخر ودوما لماع كما هو حال حذاء وذقن أبو العامود.
 كتب أبو العامود بعد بسم الله الرحمن الرحيم:( ولدت في الخامس عشر من شهر إبريل من عام الفيل ) عام الفيل؟! يا لطيف ، وهل أنا أبرهة الحبشي؟! هكذا حدث أبو العامود نفسه، ورمى القلم جانبا ، فلم يستطيع أن يكمل فهو لم يكتب في حياته ما مجمله ورقة واحدة إذا استثنينا واجباتة المنزلية حتى الصف السادس الذي خرج منه طرداً .
 في الصف السادس وقبل أن تحل العطلة الصيفية، وفي يوم ليس به ضوء شمس وضع مدير المدرسة رجله في ظهر أبي العامود وألقاه خارج بوابة المدرسة بين ضحكات الطلبة وتشفي المدرسين الغاضبين من شغبه الذي لم يكن ينتهي ليعود إلى والده العامل في مصنع الشوكولاته الوحيد في بلدهم دامع العينين فيناله من عقاب الأب مالم يقم به المدير .
عدا عن أنه لم يكن كاتبا أصلا، فهل يكتب أبو العامود عن سنوات البهدلة التي عمل فيها بائع بسطة الخضرة ومنادي التاكسي وفراش الشركة ومرمطون (السوبرماركت) ، أم يكتب عن أيام الجوع والغضب وأيام النفور منه والعجب.
 وكيف له أن كتب ألا يكتب أنه عمل مرافقاً هماما لأحد قيادات تنظيم سياسي فلسطيني يخلط بين الدين والقداسة الفردية وبين عبادة الذات والسياسة ليكتشف كم كان حماراً حينما ظن أنه بالعمل مرافقاً في هذا التنظيم سيكون الوضع مختلفا عن سواه لو عمل في التنظيم المتهتك الآخر الذي هيمن وساد وتنفذ وقاد .
قام أبو العامود في بداية إنبعاثه الثوري باطلاق لحيته حتى طالت وتكورت وأحاطت مما جعل منظره يبعث على الرزانة والوقار المكذوب، تيمنا بالقائد الذي يقوم بحراسته، وكان محركه الأساس للعمل مرافقا تطليق الفقر وفق بيت الشعر للجاهلي عروة بن الورد القائل:
    دعيني للغنى أسعى فإني/رأيت الناس شرهم الفقير
 فالمرافق سر معلمه وقفل بيت نزواته كما علم من زملاء له في المهنة، إضافة للمثل الشهير (كلب الشيخ شيخ) فأن يكون كلبا بهذا المعنى خير من أن يكون حمارا، حيث سيرى العز والرز والغنى والخز .
في عهد المرافقة رأى العجب العجاب إبتزاز وسرقات ...إتاوات باسم الله أو باسم الخراج والصدقات، وميزانيات تبعثر على العائلة والاولاد وعلى العشيقات والأحباب... ، وقصور وشقق مفروشة من نصيب القادة دون سواهم ، وسيارات وغانيات وفواحش كلها بإسم الإسلام العظيم.
 تماماً كما كان يروى له زملاؤه المرافقين الآخرين في التنظيمات الأخرى الذين يقودون-نعم هم الذين يقودون- القائد الكبير أبو اللبالب الهوجل (والهوجل باللغة العربية أي الاحمق وكان أبو اللبالب هذا يحب أن يتسمى بالهوجل رغم علمه بمعنى الكلمة) والقائد العظيم أبو الإندفاع والقائد المنبعج أبو الأغصان والقائد أبو الخشرم.
   أنهم سواسية كأسنان المشط لا فرق بينهم إلا في الزي والهيئة ومفردات الجُمل التي ينطقون بها على الفضائيات التي استغلتهم ليدمنوا صورهم وفتحة أفواههم ونهيقهم وهيئاتهم ، كما أستغلوا الامة فتجرعت من أيديهم السم والانحطاط والغمة .
قال له صديقه المقرّب يومها: نعيما الآن اكتشفت ذلك؟ صح النوم.
نحن -أي جماعة أبو العامود، جماعة المؤمنين- ننطق بلغة لا تخلو من ذكر متكررلآيات القرآن والأحاديث الشريفة سواء في مواضعها أو في غير مواضعها غالبا، يتلوها ضحكات رقيعة وعزائم من العامة الذين لا يرون في هؤلاء القادة الا الظاهر ، وكانت العزائم تتكون من الثلاثي الاثير( الأرز واللحم والمرق ) ، وكان حينها من ألزم واجبات أبو العامود أن يضع جدولا شهريا ويوميا بالعزائم سواء على الغداء أو العشاء واحيانا على الإفطار، ويتلو العزيمة غفوة أو عناق طويل يظهر من مأثور أن المؤمن أكول نكوح بين أحضان الغانيات، وقليل منه يصلح المعدة.
 أما جماعتهم هم فينطقون -كما تعلم أبو العامود- بلغة العلمانية والكفر والردّة  والعمالة ، يتلوها ضحكات رقيعة وعزائم مجدولة أيضا تتكون من الثلاثي الاثير ( الأرز واللحم والمرق ) ، ثم غفوة أوعناق طويل يظهر ضرورة أن تعيش دنياك بين أحضان الغانيات، وقليل منه يصلح المعدة .
لا فرق !
هكذا تحدث أبو العامود مع نفسه ... وضع القلم جانبا ، وأسند ظهره إلى الكرسي وسط صالونه المرفه الفسيح، محاولا أن يستعيد ثقته بنفسه ويكتب لا سيما وأنه الآن قد طلق العمل الثوري أو قل طرد لا فرق ويعمل في شركة .
       الشركة التي يعمل فيها أبو العامود مدعومة من قبل الحزب الذي كان مرافقاً لأحد قادته المجاهدين البواسل ، ولكنها مستقلة –كما يقولون- لذلك حاول بكثير من التكشير في وجه الموظفين ، وبتوزيع الإبتسامات على المدراء أن يفتك له مقعداً من مقاعدها الأولى ، وبخبرته في الكذب والتدليس والتزلف و(التفنيص) من عهد المرافقة تموضع في أحد الأقسام الهامة بالشركة .
هل يكتب عن جلسات النميمة والشتائم ولعب الورق وشرب المدام التي كان يديرها مع القائد الهمام القادم على بساط الريح من فوق الغمام ، أم يكتب عن أضاحي العيد التي كان يتبرع بها أعضاء الحزب وتذهب إلى بيوت القادة وعشيقاتهم أو زوجاتهم وإخوان زوجاتهم وأخوال زوجاتهم وأعمامهن .
 وهل يكتب عن العمليات العسكرية الوهمية أو تلك التي يستغل فيها الشبان الأبطال ليلقوا بأنفسهم الى التهلكة فداء لله والوطن هكذا يعلمون ، ولكنها في حقيقة الامر فداء لأغراض أبواللبالب وأبو الخشرم وأبو الاندفاع الذي يزداد بها قوة وجاها وسطوة داخل تنظيمه وأمام الامة.
 نظر أبو العامود إلى القلم غضبانا ، وقال في سره: لقد كدت تهلكني أيها القلم، ابتعد عني ولا تنظر الىّ.
   أمسك بيده اليسرى كوب العصير، وتجرعه دفعة واحدة ، وقام من كرسيه إلى المطبخ ليأكل شيئا من مأدبة يوم انقضى وما زال يفكر.... ليعود مسرعا.
 توقف فجاة.... في وسط الصالون الفسيح ...تقدم خطوات ، ومد يده ليمسك بالقلم الذهبي اللامع بيديه الاثنتين، بدأ يتأمل القلم مليا، يهمس ويتمتم ...يشيح بوجهه عنه ثم يعود لينظر اليه ثانية وثالثة.... تحرك ببطء وفتح الشباك على بعد خطوات منه وبكل ما جمع من عزيمة قام بإلقاء القلم الذهبي من الدور السابع.



Baker AbuBaker
بكر أبوبكر
Palestine-Ramallah
tel:0097222987619 
الموقع الشخصي
www.bakerabubaker. com

موقعنا التدريبي الهام
www.fatah-training. org
سجل في الموقع ثم ادخله وشارك في زاوية دروس مباشرة

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر