دموع في الرمال-قصة قصيرة

26-03-2008

دموع في الرمال   

قصة قصيرة 
كانت تعاني من آلام لا تحتمل في الظهر ، فإذا نامت على جنبها اليمين تألمت وإن نامت على جنبها اليسار تألمت، فتدمع عينيها.... وإن أراحت ظهرها على السرير هبطت عليها الهموم كالصاعقة لأن آلام الظهر كانت عندها لا تحتمل .
هي من النوع الذي أعتاد النوم ظهرا ليس لأنهم قالوا أن القيلولة تطيل العمر ولو لربع ساعة بل لأنها اعتادت ذلك عندما كانت تعمل في أحد دول الخليج الفارسي أم العربي لا فرق  ... حيث الجو الحار يضعف الجسد ويجعله في شوق متصل للراحة .
        هي من العائدين إلى أرض الوطن مع السلطة الفلسطينية، عادت وزوجها الذي دخل برقم وطني على مرتب جيش التحرير الفلسطيني الذي تحول إلى الأمن الوطني في فلسطين، قال لها أنه قرر ترك عمله في السعودية والعودة للوطن لأن الواجب يناديه بصوت عالِ ، وهي كزوجة مخلصة تحب الوطن لم يكن لها من رأي، بل استجابت له وللنداء مضحية بحياة مريحة ماديا ونفسيا بل واجتماعيا حيث أن عائلتها تقطن في الرياض منذ زمن بعيد .
عندما استقرت في غزة شعرت أنها اتخذت القرار الصائب فسرعان ما التحقت بالشرطة النسائية وهي تبكي فرحا، وكانت من كادر الحلم الفلسطيني الذي سيجعل من غزة سنغافورة العرب كما قال الرئيس الراحل ياسر عرفات .
        كانت تزهو ببزتها الزرقاء وتتفاخر أن الله منّ عليها بنعمة العودة إلى غزة وبالتحديد في منطقة الرمال الجنوبي حيث سكنت وأنجبت .
ثلاثة من الأولاد أنجبت ، ورعتهم حتى دخلوا المدرسة الابتدائية ، وما زالت تتفاخر بأنها في وطنها...... ناهدة.... وهذا كان اسمها لم تنتمي لتنظيم فلسطيني رغم انتماء زوجها لأحد التنظيمات الصغيرة ، فكثيرا ما قالت له في حواراتهما الليلية أن الوطن يحتاج الجميع وما هذه التنظيمات إلا وسائل وقد تفشل الوسائل إلا أن الوطن لا يقبل إلا النجاح وأصرت على ذلك فلم ينفع معها المغريات من هذا التنظيم أو ذاك .
في غزة حيث تعاظم دور التيارات الدينية المعتدلة منها والمتطرفة.... بدأت مجموعة من المنقبات يغزون بيتها ويهددنها بالويل والثبور وعظائم الأمور إن لم تتحجب وهي محجبة أصلا ! وإن لم تصلي وهي تصلي؟! تصلي قبل أن ترى المنقبات الشابات نور الشمس ... فكيف يستقيم ذلك؟! لم تفهم ناهدة الوطنية المسلمة المحافظة هذه المعادلة البغيضة!! فطفقت دموعها تسبق كلماتها، تبلل وجهها والمخدة.
كانت تتجنب هؤلاء البنات المنقبات حتى بعد أن اتهمنها بالفسوق والفجور لأنها تعمل مع السلطة تارة أو لأنها لا تصلي معهم أو تحضر ندواتهم الدينية تارة أخرى ، وناهدة تقول في سرها، وحين كل صلاة: الله يهديهن .
في فلسطين هجمت الأمراض على ناهدة كوحش كاسر من ضغط وسكري وبواسير وأخيرا آلام الظهر القاتلة التي لم ينفع معها تغيير المخدة... ثم الفراش ثم السرير ثم النوم على الأرض فعودة للسرير لتكتشف أن نصف أسباب هذه الأمراض منشأه نفسي مرتبط بالضغوط الشديدة نتيجة قسوة الحياة من جهة ونتيجة الضغوط التي مورست عليها من تلك النسوة الوصيات على الإسلام اللواتي شوهن سمعتها لمجرد رفض ناهدة الانتماء لتنظيمهن .
 جلست ناهدة على حافة السرير تبكي ، وتركت زوجها ممدداً إلى جانبها محاولة أن تتخطى آلامها ببعض التمارين كما تفعل كل ليلة ذهابا وإيابا من الحمام الذي تدخله لثلاث أو أربع مرات لتتخلص من الماء الزائد في مثانتها.
لكن في هذا اليوم كان القلق شديد.... فلم تنم الليل بطوله من آلام الظهر، و حيث استولت مليشيات الانقلاب الدموي على غزة ، وأصبحت المنقبات اللواتي كن يترددن على بيتها شرطيات في السلطة التي طالما اتهمنها بالفسوق لانتمائها إليها..... فانقلبت الآية الآن وناهدة تجلس في بيتها لرفضها التعامل مع الانقلاب..... وأولئك المنقبات يوزعن الفتاوى بالقتل ، ويحرضن ويعتقلن ويعذبن كل من كفرّ أو اتهم بالردة من عباد الله المسلمين في غزة.
آلام الظهر تشتد على ناهدة، والدموع تنهمر...  صكت أسنانها وهي خارجة من الحمّام، فمر في مخيلتها شريط طويل من الأيام الحلوة والأيام المرة من السعودية فمصر فغزة.... ومن لقائها بزوجها لأول مرة في دار خالها في الرياض إلى الزواج فقرار العودة.... وبدأت تتذكر تفاصيل ولادتها لأطفالها الثلاثة، وكيف كانوا متميزين في مدارسهم في العلم والأدب، وتبسمت عندما استحضرت علاماتهم ومنظرهم الجميل وهم يركضون عائدين بعيونهم الخضر وشعورهم السوداء وأجسادهم الغضة وأحلامهم الوردية .
ذهبت إلى الصالون ويدها تلامس منتصف ظهرها من الألم، حيث سمعت جلبة عند الباب وأصوات صراخ مرعب وصوت: أفتحوا الباب ، افتحوا وإلا؟! صحا زوجها وصحا الأبناء مع علو الأصوات...... وبدأوا يبكون .
لم تدرى ماذا تفعل ، فإذ بالمهاجمين من المقنّعين يكسرون الباب ويقومون بتفتيش     البيت ليقلبوه رأسا على عقب بحثاً عن السلاح وعن مطاردين ؟؟! من حركة فتح ، كما قالوا لها ولزوجها بلهجة فظة وشتائم على الله والآباء ليس فيها رائحة تربية أو أدب أو قيم .
ولما لم يجدوا شيئا اصطحبوا طفلين من أطفالها قسرا بين صرخاتها وبكائها وعويلها.... وركبوا الجيب المسروق، لينطلقوا بسرعة جنونية وكأنهم اعتقلوا أرئيل شارون..... وذهبوا باتجاه ( السرايا ) مقر السلطة في مدينة غزة .
لم ينفعها عشقها لفلسطين ولا تضحياتها ولا تدينها ولا توسلاتها ولا دموعها ....من منع المقنعين أن يقتلوا أكبر أبنائها بإلقائه من على سطح احد أعلى الأبراج في مدينة غزة..... ورغم أنهم أطلقوا سراح الثاني إلا أنهم قالوا له: روح احكي ما رأيت.... وقل لامك أن الشيخات يسلمن عليها .
عندما انطلق الفلسطينيون باتجاه معبر رفح...يكسرون الحائط الإسمنتي، ويلقون بالحجارة في وجه من يمنعهم.... ويصرخون ويهرولون في كل اتجاه خارج القطاع، أو يجرون أرجلهم جرا ....لم يكونوا يبحثون عن الغذاء فقط بل كانوا يبحثون عن الحرية من حصار مزدوج صهيوني ووطني اسلاموي ..... ركضت ناهدة ذات الدمع السخي منذ استشهاد ولدها على يد العصابات الدموية، ركضت وركض زوجها وولديها كقطيع شريد....شرد من عذاب طويل وألم ذوي القربى... تبحث... كما غيرهم... عن شيء آخر هو الأمان.... حاملة ذكرى ولدها الشهيد الذي ألقي من سطح أعلى البنايات وحاملة ذكرى سنوات الحب والحرب في حي الرمال الجنوبي....الوجهة معروفة مسبقا... إلى قرية الشيخ زويد في سيناء كمحطة أولى...حيث يقطن بعض أقرباء زوجها الذين تستروا عليهم عدة أيام، إلى أن هربوهم إلى القاهرة.
في مطار ستوكهولم بمجرد أن حطت أقدامها المتعبة أرض المطار... مزقت ناهدة جواز سفرها وسال الدمع البارد على الوجه الصبوح .... مزق زوجها وولديها جوازات سفرهم أيضا..... وسلموا أنفسهم للشرطة السويدية....... رغم آلام الظهر والدموع وكثير من الحرقة والآهات ...... كانوا بعد الانقلاب الدموي وممارسات المليشيات السوداء الوحشية، وبعد مقتل ابنها الجميل ، كانوا قد قرروا الالتحاق بالآلاف الذين هاجروا من قطاع غزة إلى أوروبا.  

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر