موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

البعير يحارب الشمس-قصة قصيرة


البعير يحارب الشمس!

 قصة قصيرة

عندما فتح عينيه بعد نوم طويل ، أبصر نور الشمس وكأنه يراه للمرة الأولى في حياته ، نام طويلا .........طويلا جدا ، فهو لم يكن على صلة بالحياة إلا من خلال الليل والجمعات.... وكأس الخمرة التي تظل تلعب برأسة حتى يرى الدنيا أصغر من الحلقة التي يتدلى منها مفاتيح سيارته المرسيدس الفارهة.         أبصر نور الشمس وهي بازغة مضطرا لأن موعده مع سفير إحدى الدول المناضلة تقرر أن يكون صباحا، فانزعج من نور الشمس أيما انزعاج ، وقرر؟!   

     على سريره المزدوج تمدد منذ عشرين عاماً ، وكان يتقلب ذات اليمين وذات اليسار ، فلا زوجة تقاسمه الهموم ولا ولد بقى له ليتحمل صخب الليالي ورائحة الخمر التي تنتشر حيث حلّ وحيث طلّ .... لم يمر عليه يوم قبل أن تطلقه زوجته إلا وكانت صرخاتها ودعواتها عليه تتدفق كالسيل العرم : الله يكسركم ، الله يأخذكم ، الله لا يوفقكم  .... معلنة الغضب على رجل (بلا شغلة ولا عملة) ولا هم له كما كانت تقول إلا الأكل والشرب والنوم ، ويسمى نفسه قائدا..... غضبت على رجل جعل من ليله نهاره ومن نهاره ليله ، ينام طول النهار وعرضه .....ليصحو ليلاً فيعقد (الجمعات) التي يسميها اجتماعات ، للمريدين من الصيعّ والهمل ممن لا عمل لهم ولا شغل إلا الشتم والغيبة والتحشيش والتفكة على عباد الله العاملين .  

       نام أبو الفانوس عشرين عاما ، فلم يكن يزعج أحدا في تنظيمه السياسي المسمى الجبهة الثورية الموحدة للتحرير، ولا أحد يزعجه، ومن يجروء!!.... لأنه صاحب قدرات متناقصة وخبير في التزلف ويفتقد للحد الأدنى من الذكاء آثر الأمين العام للتنظيم أن يسلمه ميزانية التنظيم الثوري نيابة عن الأمة والشعب والأعضاء ، ويعطى كل ذي حق حقه حيث يتسلم الأمين العام حصته الكبرى ، وما يتبقى ينام عليه أبو الفانوس .......... عشرين عاما .     

    كانت الأموال -ما سوى الميزانية- تتدفق على أبي الفانوس على اعتبار أنه مدير مكتب الأمين العام للجبهة الثورية الموحدة للتحرير ، وكانت التبرعات من عباد الله المخدوعين تتواصل ....وبدلا من أن تأخذ طريقها للتحرير ، تتكدس في أحد البنوك الشهيرة في دوقية ( لكسمبورغ ) العظمى التي تجاور فرنسا وبلجيكا .....و تحتضن أكثر من 160 أكبر بنك في العالم ....ولا تصرف هذه الأموال ألا على ملذات ومتع أبو الفانوس .     

    في نومه كان يفتح رجليه دوما ، ويرفع يديه لتحيط برأسه ، ودوما يعبر عن سروره بهذه الطريقة التي تتيح لمجرى الهواء أن يتخلل ثوبه الواسع فتقر عيناه العسليتين ويتمتم بدعائه الشهير الحمد لله الذي جعلني ثوريا وجعلني مناضلاً .      

   في ليالي الثوار تدور أكواب الخمرة على لعبة البوكر الشهيرة وتوضع آلاف الدولارات على الطاولة الخضراء رهانا على هذه اللعبة أو تلك حتى الصباح ، حيث أن النضال والثورية تقتضي اللعب بأموال الميزانية بهدف تنميتها بالطبع ، وأن خسرها فكأنها حولت إلى بند ثائر آخر وكله لصالح هذا الأمة المعطاءة والشعب العظيم .     

    السادسة صباحا أو السابعة صباحا يضع رأسه على المخدة وينام ، فليل المناضلين طويل ، تخطيطا لعمليات البر والبحر والجو .......ضد العدو الغاضب ما بين رشفة كأس وورقة جوكر.... أو حضن دافئ لرخيصة من الرخيصات .       

  لم تطق زوجته ذرعا مما يفعله القائد الهمام : الله يكسركم، الله يأخذكم، الله لا يسامحكم..... تظل تدعو عليه إلى أن سئمت هذه الحياة.... ورفعت عليه دعوى طلاق للضرر ، ..... أما أولاده فلم  يطيقوا تحول البيت إلى ( كرخانة ) فلحقوا بأمهم ..... ولم تهتز شعرة في رأس أبي الفانوس الأصلع، و لسان حاله يحاكي الحجاج و يقول: أنا أبن جلا وطلاّع الثنايا/ متى أضع العمامة تعرفوني .     

    عندما كان يصحو يوميا تكون الشمس قد انكسرت..... إذ أنه ما كان يصحو إلا بعد الظهر بكثير وقبيل المغرب ، (فيتمغط) أو قل يتجبّد لأكثر من نصف ساعة..... ثم يهوى بيده على الزجاجة ليرتشف منها ما لذ وعُتقّ .    

     أبو الفانوس بعد عشرين عاما من الانطفاء وبعد رجاءات كثيرة وتوسلات تنظيمية.... قرر له الأمين العام أن يتسلم قيادة القوات المجحفلة العابرة للقارات ........حيث أن إلحاح أبي الفانوس أيضا بأن يتسلم مهمة عمل كأقرانه من القيادات قد أتى أُكله...... ولو بعد عشرين عاما من التثاؤب والشرب والنوم والنميمة والتزلف والدسائس.....وكان هدفه الأكبر أن يثبت لزوجته طليقته وأولاده أنهم خسروا بالابتعاد عنه فهو ما يزال قائدا لا يشق له عجاج...... في هذه الأيام المباركة التي تسلم فيها أبو الفانوس قيادة القوات المجحفلة العابرة للقارات كانت الاجتماعات تبدأ  الساعة السابعة مساء، وهذا جليّ فليل المناضلين نهار ونهارهم سبات كما هو معلوم..... ولم تكن هذه الجمعات تنتهي قبل الثانية صباحا ، حيث يبدأ موعد الاجتماعات المركزية على لعب القمار حتى الصباح .   

      ما الهدف أو النتيجة من تلك الجمعات التي يحضرها كل من هب ودب أو مرّ بمقر التنظيم الثوري العتيد...... لا شئ ، حيث لا هدف ولا يحزنون إلا قضاء الوقت والتسلي بعباد الله وخوزقتهم وتخريب عملهم فيضيع الصالح بعروى الطالح ويتسيد الأمين العام وأبو الفانوس..... أبو الفانوس فوق كل ذلك أميً جاهل لا يقرأ ولا يكتب حيث تعلم بصعوبة أن يوقع أسمه متظاهرا بخلفية معرفية واسعة في كتب الفقه وكتب النضال والسياسة الخارجية وعلم العير(جمع بعير) والذي يجمع في الخليج العربي بعارين ....وكانت تخرج التعاميم التنظيمية من مقر التنظيم لتوزع باليد حفاظا على السرية، وذلك على الأعضاء المفتونين بعظمة وبصيرة الأمين العام ومدير ملهاه الليلى.    

     لأول مرة في حياته ، منذ عشرين عاما ، يصحو الساعة السابعة صباحا ، لأنه سيقابل سفير أحدى الدول المناضلة والذي أصر على اللقاء صباحا في الثامنة .... تمغط أبو الفانوس بسريره ورفع اللحاف عن جسده وأطل من الشباك ليرى الشمس تسطع.... فانزعجت عيناه فغضب وقرر قرارا صعباً، لقد قرر محاربة الشمس؟! تلك التي تعمي العيون .    

     التقى سعادة السفير وهو شبه نائم في مقر التنظيم ، وما زالت الشمس تطارده فهي عدوه أكثر من العدو لذلك أصدر تعميما بمحاربة الشمس؟! وشكّل مجموعة من الكتائب لمهاجمة الشمس ، وفصل عددا من الكوادر لأنهم رفضوا الانصياع لأوامره السامية...... عقد الاجتماعات أو قل الجمعات المتكررة لوضع الخطة لمحاربة الشمس كما فعل ( دون كيخوت) قبله حينما قرر محاربة طواحين الهواء ، ولما قال له أحد كوادر الحزب أنك مثل (دون كيخوت ) تحارب طواحين الهواء غضب أشد الغضب قائلا : خسئت! يا عميل الأمريكان، أنا لا أقبل بعدو مثل الطواحين ! أنا أحارب عدوا أكبر فلا تقارنوا بيني وبين ذاك الأحمق .         بعد عشرين عاما من السبات والنزق..... عشرون عاما من السكر والسرقة ، عشرون عاما من لعب القمار وهتك الأعراض..... يصحو أبو الفانوس قائد القوات المجحفلة العابرة للقارات صباحاً ليكتشف أن العدو الحقيقي للأمة هو نور الشمس..... وليس الاستعماريين من معذبي البعارين ومنتهكي حقوقها الحيوانية .          يقرر الأمين العام بمشورة أبو الفانوس قائد القوات المجحفلة العابرة للقارات وجهابذة الحزب أن يتم عقد المؤتمر القادم للحزب أو التنظيم تحت عنوان: معا وسويا وجنبا إلى جنب لدحر الشمس ، وأن هذا جهاد نصر أو سهاد .    

     ما زالت الميزانية هدف أبو الفانوس الحقيقي الوحيد ، وما زالت حربه ضد نور الشمس قائمة تتبلور بتقصد وتشويه وطرد كل واع أو فهمان أو ناجح أو مبادر أو منجز في الجبهة الثورية الموحدة لتحرير العير.    

     وعلى فكرة.... ربما فاتنا أن نؤكد لكم أن الجبهة الثورية الموحدة لتحرير العير- وهذا اسمها الرسمي- هدفها الرئيس هو تحرير العير (أو البعارين – جميع بعير ) من نير الاستعمار ومن ظلم الإنسان والحفاظ على حقوقها الحيوانية ، وتحرير الأرض لتكون خالصة لها من دون الحيوانات الأخرى والبشر .

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر