موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

كيف تصنع قائداً فاشلاً ؟-قصة قصيرة


كيف تصنع قائداً فاشلاً ؟
 قصة قصيرة- بكر أبو بكر
        التقى جورج مع زبداء في أحد (الكافتيريات) في مدينة بيت لحم، وذلك في فسحة الغداء التي حددتها الشركة ( شركة الحديد الحليبي ) بين الساعة الواحدة والثانية ظهرا ، وكثيراً ما كانا يلتقيان لا سيما وإنهما يعملان في نفس الشركة وان كان كل منهما في قسم آخر ، واعتادا أن يتبادلا الأحاديث و الشكوى عن الرئيس المباشر في العمل ، وكثيراً ما أطلقا النكات عليه..... لدرجة أنه بمجرد أن يمر بالأقسام يقوم الموظفون بكتم ضحكاتهم بأيديهم ويشيحون بوجوههم عنه كي لا يراهم كذلك .
قال جورج   : ماذا تطلبين للغداء  ؟
قالت زبداء : كالعادة .
طلبوا الغداء المتكون من فطائر متنوعة باللحم والجبن والزعتر والسبانخ ، وبدءوا مع حضور عدد آخر من الموظفين الذين توافدوا يأكلون الفطائر، ويتشاركون في الهم اليومي وهو ماذا فعل رئيسهم المباشر السيد عنفش ؟ هكذا أسموه رغم أن عنفش اسم عربي صميم وليس سخرية ؟! وما هي القرارات المجحفة التي أصدرها والتي لا تمت للمصلحة أو لعلم الإدارة أو للفهم بصلة؟!
          على الطاولة الكبيرة التي ضمت عشرة من الموظفين ، دفع أحدهم كرسيه إلى الوراء، ووضع رجليه عليه، وصعد منه ليقف على سطح الطاولة.... في حركة مفاجئة وغريبة، وقام يقلد المدير عنفش بحركات جسده المكتنز ، وشفته المتهدلة وعنقه القصير…وكرشه المنتفخ… يترنح كالراقص فوق الجراح .
 بدأ يقلده بحركات يديه وصوته النسائي يقول: أنتم لا تفهمون شيئا أنتم طناجر، أنا ولا غيري أنا الفهمان الأكبر، وبدأ يحرك ربطة عنقه و يترنح بتثاقل مقلدا تأنق السيد عنفش المصطنع حتى كاد يطيح بالصحون…… وأخذ الحضور بالضحك....وهو يكمل وصلته، إلى أن نزل أو أنزل .
          أنه أحد ضحايا السيد عنفش والذي -أي الضحية- إن قال : أسود رد عليه السيد عنفش أبيض ، وإن قال ثور يرد عليه المدير احلبوه ، في معاكسات أضرت بالشركة ماليا أيما إضرار، وهي مشاكسات لا طائل منها إلا إثبات عنفش لذاته بين مدراء الشركة وهو القائد السياسي السابق المعروف... هكذا يعتبر نفسه، ويفترض بالناس أن تعامله .
قال جورج : أنتم تعلمون يا جماعة أن السيد عنفش ( وكتم ضحكته حيث كان مجرد لفظ الاسم يثير فيه الضحك ) كان أحد القادة الهامين في تنظيم سياسي فلسطيني اندثر، لذلك يجب ألا تؤاخذوه فيما يتصرف بعد تقاعده المبكر، وعمله معنا .....فالطبع فيه يغلب التطبع .
فرد عليه الراقص على الطاولة : والله ، وخبرة يعنى !؟ أن هذه التنظيمات التي لم تحقق شيئا للوطن ، استسهلت تعذيب المواطن واستغلاله عشرات السنين وأدمنت الكذب عليه تارة باسم الله وتارة باسم القومية أو الاشتراكية إلى أن انقسم الوطن والحمد لله لوطنين .
قالت زبداء السمينة البيضاء وهي تتلمظ بعد أكل خمس فطائر : بل ثلاثة .
قال جورج : لا نريد كلام في السياسة رجاء ، ولكن أرحموا عزيز قوم ذل ، فلا تآخذوه ، وخذوا بالاعتبار أنه قريب المدير العام ،وزوج ابنته كما تعلمون .
فرد الراقص على الطاولة : إن الرجل بلا وعي أو فهم ، لا دراسة ولا خبرة ، ولا يتحمل الآخرين ويفترض أنه الصواب وحده...... بل ويشتمنا بلا خجل رغم أنه يلدغ بأكثر من ثلاثة حروف.... ويخالفنا في كل شيء يفهم به أو لا يفهم ، إنه رجال حشاش.... ويسخف عملنا..... فهل نسكت عليه، أجيبوني ؟!
ردت زبداء وهي تمسح فمها : أنه قائد فاشل .
قال الراقص : وهل يجدر أن نسميه قائدا أصلا !
قالت زبداء وهي تتخذ وضع الأستاذ : أن القائد من يشغّل الآخرين ، وهو قائد لأنه مسؤول عن جماعة ، ولكن أقصد أن أسلوب إدارته فاشل لذا فهو قائد فاشل .
قال جورج : ( مبتسما ) على ما يبدو أن التنظيم الذي ينتمي إليه أو كان ينتمي إليه لديه شهادة خبرة وجودة في صناعة القادة الفاشلين .
قالت عمرّطة ذات الحاجبين الهلاليين: يا ست زبداء أنا أخالفك الرأي فليس أن يكون السيد عنفش رجل منخزل وطمطماني !! يعني أنه فاشل .
قالت زبداء : يا ست عمرّطه رغم إنني حتى الآن لا أعرف معنى اسمك العظيم أو من أين أتيت به؟! فأنا أحترم رأيك ولكن ماذا تعنين بكلمة رجل منخزل وطمطماني….. ارحمينا .
تجاوزت عمرّطة التعريض باسمها وقالت : الرجل المنخزل أي الذي يمشى بتثاقل يا عدوة اللغة العربية ، وطمطماني أو طمطم أي في لسانه عجمة .
 يرفع جورج كف يده اليمنى ليقترب من فكه الأيمن واضعا إبهامه وراء أذنه كمن يتأهب للتكبير، ويصدح مغنيا : والله طمطم زماني يا زماني طمطم..... ورددها الحضور وراءه مع اللحن التراثي المحوّر من أغنية مرمر زماني للمطرب صباح فخري…… حتى ضج رواد المطعم .
خرج الجميع من المطعم إلى الشركة، حيث أن وقت الغداء كان قد انتهى والتزم كل منهم بمكتبه إلا عمرّطة التي عرّجت على الدكان المجاور لتحضر الشوربة الصينية الجاهزة ( النودلز ) التي كان يحبها رئيسهم في العمل السيد عنفش وتوجهت مباشرة إلى مكتبه، وقدمتها له ، فأبتسم وطلب منها الالتحاق بمكتبها حالا…..ثم قام وطلب من الفرّاش أن يأتي بماء ساخن ليصبّه فوق أعواد (النودلز) الملتوية ويضع له في صحن قليل منها ليأكل ،أولا ...... فهو شكاك أشر، منذ عهد قيادته في التنظيم السياسي المندثر .
كانت تمر الأيام في شركة الحديد الحليبي من سيئ إلى أسوأ لا سيما وأن السيد عنفش رئيس إدارة التسويق ، والتسويق بالطبع يحتاج لفن وعلم وحلم وحنكة وهو لا يمتلك من هذه المواصفات شيئا إلا أنه زوج بنت المدير العام….. ما أدى لتراجع مبيعات الشركة وهبوطها إلى الحضيض .
          دعا المدير العام لاجتماع أثر مشكله كبرى بل وفضيحة حصلت في الشركة مفادها أن موظف أو موظفه أو عدد منهم قد علقوا على باب المدير عنفش ما غيره ورقة كتب عليها التالي: 
                                                          كيف تصنع قائدا فاشلا !؟                
  1. دعه يستعرض ليثبت ذاته .

  2. اختر قائدا محدود القدرات، لا يفهم ولا يحزنون .

  3. أقنعه أن العمل بدأ من يوم استلامه السامي لمنصبه فقط .

  4. يتميز بشخصية متبرمة لا تتحمل حرية الآخرين أو نقدهم له ، وببساطة لا يتحمل الآخرين .

  5. عشوائي فوضوي مزاجي بلا قوانين ولا قيم .

  6. يعقد اجتماعات مفتوحة بلا ضوابط أو أهداف .

  7. يتدخل فيما لا يعنيه وبتفاصيل لا تغنيه .

  8. متحامل على النجاح والناجحين .

  9. حشاش، لا يثق بنفسه ولا بالآخرين .

   10. كن مصرا على أن يكون بلا شهادة جامعية، ولا يلم بأبسط قواعد الإدارة .

11.شرشوح ، لذا دعه يهين الناس ويقمعهم .

12.اختره ممن يركعون للنساء والمشروب والمال فتستولي عليه .

13.لا يوالي المبدأ أو الحق بل ولي النعمة فقط .

          حاول المدير العام أن يستشف من الاجتماع من كتب هذه الورقة الرسحاء ( أي القبيحة ) وهي كلمة علمته إياها السيدة عمرّطة فقيهة اللغة العربية الفصحى في الشركة….. رغم عدم وجود علاقة بين الحديد الحليبي وفصاحة اللسان، إلا أن عمرطة دائمة المزج حبا في لغتها العربية .
على الغداء قام كل من جورج وزبداء التي ترتبط بقرابة معه بعزومة المدير العام على الكافتريا  المجاورة ، وبينما هم يأكلون ويسترقون النظر إلى بعضهم البعض وجوههم منخفضة….. والمدير العام منشغل التفكير مهموم بأحوال الشركة، وبكاء ابنته المتواصل من انزعاج زوجها السيد عنفش نتيجة تأثره الشديد من ورقة كيف تصنع قائدا فاشلا ، ما جعله يحنق أشد الحنق ويبدأ في تكسير ما تيسر منذ دخوله البيت حتى خروجه مرفوقا بعشرات الشتائم واللعنات..... حتى فرت الزوجة لبيت أبيها.
 قالت له زبداء هل سمعت أخر نكته ؟!
صحا من سرحانه وتقطيبة جبينه وتأمله في ورقة كيف تصنع قائدا فاشلا...... التي علقت على باب مدير التسويق في بيت لحم ورفع رأسه وتبسم وقال : هاتي ما عندك!
 فضحك جورج مسبقا لأنه من ألف النكتة ، فقالت : يقال أن ثلاثة مدراء محششين استقلوا سيارة أجرة فلما رآهم السائق بهذه الحالة شغل السيارة ثم أطفأ المحرك ، وقال: لقد وصلنا ، والسيارة لم تتزحزح من مكانها . فقام المدير الأول وأعطاه الأجرة ، وخرج الثاني من السيارة دون أن يدفع قائلا للسائق: شكرا، أما السيد عنفش  فخرج من المقعد الخلفي ودار من أمام السيارة ليواجه السائق في مقعده.... ارتعب السائق بمجرد أن واجهه ظاناً أنه كشف الملعوب..... ألا أنه أي السيد عنفش نظر طويلا في وجه السائق المرعوب وارجع جذعه للخلف ثم تقدم وبصق في وجهه قائلا له: مرة ثانية لا تسرع ؟!
فهم المدير العام الرسالة ووضع رأسه بين يديه وطفق يبكي ابنته وأولادها .



Baker AbuBaker
بكر أبوبكر
Palestine-Ramallah
tel:0097222987619 
الموقع الشخصي
www.bakerabubaker. com

موقعنا التدريبي الهام
www.fatah-training. org
سجل في الموقع ثم ادخله وشارك في زاوية دروس مباشرة

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر