مدينة الأقدام السعيدة-قصة قصيرة

15-04-2008
مدينة الأقدام السعيدة

 قصة قصيرة

كان جمال يسير جنبا إلى جنب مع فيصل ، بهدوء وتروي ينظران إلى واجهات البنايات العالية ذات الزجاج الملون ، ويجيلان النظر بين السيارات التي تتحرك باتجاهي الشارع ، وبين المشاة الذين يملأون ساحة المدينة الرئيسية . اليوم هو يوم عطلة ، والناس من مختلف القياسات يتجولون بين المحلات والحوانيت يتبضعون ، فهذه عادة الكل في العطل وفي مواعيد الأعياد . الأرصفة نظيفة وهي هكذا دوما، فلا أحد في المدينة تحدثه نفسه أن يلقى بورقة من نافذة السيارة أو يقذف بزجاجة مشروب على قارعة الطريق أو يلقى بعقب سيجارة في أصيص نبات أخضر . من الطبيعي أن يسير جمال وفيصل في مثل هذه الحالة حفاة بلا أحذية أو شباشب أو حتى جوارب ، وليس في ذلك أي مدعاة للإستغراب فعائلة كل من جمال وفيصل من أمهات وآباء وأخوة وزوجات وأولاد يفعلون نفس الأمر أي أنهم يمشون حفاة . في مدينة الأقدام السعيدة هكذا هو اسم مدينتهم لا تجد محلاً للأحذية أبدا ، ولا تكاد تجد حانوتا لبيع الجوارب إلى أن غزا المدينة مجموعة من المتطفلين الذين تسببوا شيئا فشيئا بأحذيتهم الثقيلة في تلويث المدينة ، وبأفعالهم المشينة بتخريب البيئة لقد تسببوا بامتلاء المدينة بالحجارة والحصى والزجاجات المكسورة على جانبي كل شارع وزقاق . تدارس أهل مدينة الأقدام السعيدة الأمر.... فمنهم من كان رأيه أن يتم اتخاذ إجراء بحق هؤلاء المتطفلين الذين تكاثروا في المدينة فزادوها تلويثا وبؤسا، ومنهم من رأي أن يتم التسامح معهم. في ذاك اليوم كان الصديقان يمشيان حفاة الأقدام كعادة المواطنين الأصلاء، الا أن إنتشار الحصى والزجاج المكسور والنفايات في الشارع الخامس الذي وصلوه قد تسبب في إعاقة حرية الأقدام بالتنقل ، وفي هذا اليوم أصيبت قدم جمال بجرح تم التأريخ له ، لأنه لأول مرة يصاب شخص بالمدينة منذ 20 عاما بجرح في قدمه فأصبح أهل مدينة الأقدام السعيدة يقولون: والله، كنت أشتري الملابس لعيد الأضحى يوم جرحت قدم جمال ، والسيدة تقول: يا اختي، أتذكر يوم ما كنت أساوم على سعرعربة لإبنتي الرضيعة يوم جرحت القدم اليسرى لجمال ، وأصبحت طالبة الجامعة تقول: أخذت بالامتحان علامة منخفضة في يوم جرحت قدم جمال (الله لا يقيمه) وهكذا . منذ تاريخ جولة جمال وفيصل في المدينة للتسوق بزغ فجر جديد ، وانقسم أهل المدينة قسمان ، قسم مع المتطفلين وحريتهم وضرورة ارشادهم رغم مآسيهم منهم ، وقسم مع طردهم خارج حدود المدينة . كما أنقسمت المدينة إلى رأيين بشأن لبس الأحذية فقسم أقترح على مجلس المدينة أن تفتح محلات للأحذية وتترك حرية لبسها من عدمها للناس ، وقسم أصرّ على التمسك بعادة الأقدام الحافية . ومع هذا الإختلاف وإنتشار المخلفات مثل الزجاج المكسور والأحجار وبقايا البزر  اللب والفستق الحلبي والجوز وأعقاب السجائر تحولت المدينة من الشارع الخامس الى معظم الشوارع من مدينة الأقدام السعيدة إلى مدينة الأقدام الجريحة حيث بدأت تتزايد أعداد المصابين بجروح وكسور مع تراكم النفايات وعدم التزام المتطفلين بقوانين وعادات أهل المدينة المنضبطة للقيم البيئية والاجتماعية . فيصل صديق جمال الذي حمله للمستشفى عندما جرحت قدمه لأول مرة من 20 عاما في المدينة كان يدرس الطب العام ، ومنذ تلك الحادثة التعيسة تحول فيصل إلى تخصص أقدام واكتسب خبرة زادت على خبرة ( د . شول ) الشهير بالعناية بالأقدام حيث أن قشرة الجوز الصلبة التي أعطبت رجل جمال كانت وبالاً عليه صحيا ، ومنطلق للانتشار والشهرة له ، و لصديقه فيصل طبيبا . ربّ ضارة نافعة هكذا يقول المثل العربي الأصيل فلأول مرة في المدينة يتم خفض معدل البطالة نتيجة ظهور أشكال جديدة من العمل مثل مصانع الأحذية، ومحلات الأحذية، ومصلحي الأحذية، كما ظهر لأول مرة أيضا عربات مخصصة كبيرة ومتوسطة وصغيرة لجمع القمامة بعد أن كان كل صاحب محل أو شخص يتكفل من تلقاء نفسه بالقاء قمامة في المكان المخصص لها خارج المدينة . فيصل صديق جمال ، جمال ما غيره الذي نزفت قدمه على درج المحكمة حيث كانا يتمشيان، أصبح أي فيصل طبيب الأقدام الأول في المدينة ، أماجمال الجريح فلقد أقيم لقدمه تمثال ضخم على الجانب الأيمن لدرج المحكمة ، فأصبح كل منهما نار على علم . بعد 20 عاما من تلك الحادثة لم يعد أحد في المدينة يمشى حافيا بل أصبح يلبس ( الجزمة ) الطويلة العنق في الشتاء والحذاء قاسي النعل في الصيف، لماذا برأيكم؟ لأن مجلس المدينة استولى عليه و حكمه المتطفلون فأسقطوا القيم والعادات البالية التي تحث على النظافة وطهارة الأقدام واستبدلوها بلوبيات مصانع الأحذية ولوبيات جامعي القمامة التي غزت البلد حتى أصبح جامعي القمامة في كل حي وكل شارع وكل بناية تاركين للناس حرية رمي مخلفاتهم في أي مكان اتباعا لحرية القذارة أو لحرية إلقاء النفايات في كل مكان صحراء ام بستان ، والتي تم إعتمادها كمبدأ سامي من مبادئ حقوق الانسان بطبعتها الخامسة .

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر