الصوف والحرير وأثداء البقر!-قصة قصيرة

01-05-2008

الصوف والحرير وأثداء البقر!

 قصة قصيرة

تعتبر النجارة فناً قائما بذاته،هكذا قال حامد لصديقه سائق الحافلة، الا أن رائد أصر أن الفن الحقيقي هو في قيادة الحافلة بين الدروب الملتوية ، وفي جدالهما اليومي حول نفس الموضوع يبرز كل منهما مزايا مهنته، وهما يجلسان على قارعة الطريق ساعة الغداء في الشارع الرئيسي وسط البلد .

 حامد مدخن شره ورائد لا يطيق رائحة الدخان إلا إنهما يتشاركان مساحة صغيرة مجاورة لبائع القهوة في الرصيف ليتحاورا .

يوميا وفي نفس المكان يلتقيان ويتحدثان بضحكات صافية، ويجلسان ينظران للناس التي تذهب وتجئ ، وقد يتصادف خروج تظاهرة لحركة الحرير الإسلامي أو أخرى مناهضة للحكومة من ترتيب حركة الصوف الوطني .

 وهما على جلستهما وحوارهما المتكرر حول النجارة وقيادة الحافلة ومتابعة الضحكات والناس والمظاهرات ، كانا وفي مرات قليلة يلاحظان خروج مجموعات قليلة رافعة رايات أخرى مثل راية جبهة العناد الصافي أو حزب النغمات أيضا .

المئات الذين يخرجون في المسيرات أو المظاهرات يتحركون كالقطيع حيث أن الهتافات في مختلف المسيرات أو المهرجانات تكاد تكون متشابهة مع تغييرات شكلية ، ولا همّ لكل من حامد ورائد إلا التفكة على المظاهرات والمتظاهرين ، وهما جالسان على الرصيف يتحاوران في النجارة وقيادة الحافلات، فماذا يعني شعار لا حل إلا مع القائد أبو الحسوّن ، أو الهتاف القائل (يا جالس قوم قوم إحنا بدنا نعوم) ولا بحر لدينا.

 السياسة داء قاتل هكذا قال حامد وهو ينفث دخان سيجارته ، فرد عليه رائد: الأجدر أن تقول أنها حب قاتل ، التفت إليه حامد وهو يخرج نفسا طويلا من لفافته وكيف ذلك ؟ نظر إليه رائد منتفخا وقال :لأن من الحب ما قتل !  فرد صاحبه: وماذا يعني ذلك ؟ قال رائد: أن السلطة بغية المتصارعين من السياسيين يبدأون بالوعود الوردية للجماهير وينتهون بتفضيل الكرسي على الأمة جمعاء لا نستثني أحدا لا من حركة الحرير الإسلامي ولا من حركة الصوف الوطني أو حتى المنظمات الأخرى الصغيرة، فأجاب حامد: هكذا فهمت وأظنك تفهم السياسة والسياسيين لشدة إختلاطك بالناس وسماعك لما يقولون في حافلتك ليلا نهارا ، قالها بتهكم، فأجابه صديقه : وهل النجارة توسع مدارك عقلك أم تجعلك لا ترى الناس الا أدني من ال 45 ألف نوع خشب المعروفة عالميا. وكان هذا ردا دفاعيا ليدرك حامد أنه قد تمادى فتراجع ، ليقول لصاحبه: دعنا من ذلك وهيا بنا إلى مطعم السعادة لنتناول طعامنا .

 في الطريق من المدينة الى القرى المجاورة ضمن المحافظة كان رائد يقود حافلته ويستمع إلى أغاني أم كلثوم، هكذا دوما... إلى أن صرخ فيه أحد الركاب هذا اليوم قائلاً : هيه ، يا أبو الشباب إفتح لنا على الأخبار نريد أن نسمع أخبار الدنيا ، قالها وكأنه زعيم سياسي كبير لا تفوته شاردة أو واردة لا سيما وأن جواله لم يتوقف عن الرنين من كم الرسائل الأخبارية التي تصله .

نظر رائد في المرآة إلى الرجل فتعجب من شاب ضئيل الجسم وبهيئة لا يستدل منها على زعيم أو حتى فراش ويطلب بكل عنجهية أن يدير مؤشر المذياع ليسمع الأخبار وكأنه سيفوّت نصف عمره إن لم يستمع لها. تعلم رائد أن يختصر ولا يناقش الركاب فأمزجة الناس حادة في هذا الزمن وهذا البلد خاصة ، ولا داعي لاختبارها فغيّر الأغاني وفتح على الأخبار.

جاءنا الآن ما يلي :

قدمت كتلة حركة الصوف الوطني استدعاء لوزير الرفاه والسعادة للتحقيق معه في صفقة حَمالات الصدر . وأفاد مراسلنا البرلماني أن رئيس كتلة حركة الحرير الإسلامي قد رفض استدعاء الوزير المنتمي لكتلته كما رفض الإتهامات للوزير بشأن فضيحة حمَالات الصدر .

صرخ الراكب نفسه : ما هذا ، كل يوم يزعجوننا بمشكلة حمَالات الصدرهذه في البرلمان . فقال زميله الراكب إلى جواره : ماذا تعنى حمَالات الصدر، قال الأول: بالعامية (السوتيانات ) يعنى  .

       فرد مع صرخة فرح: آه فهمت تلك التي تلبسها النسوة ، فرد الأول : لا يا سيدي ، غير صحيح .

رد الثاني : إذن عن أي حمالات تتكلم الأخبار ؟ أجاب الأول: عن حمالات أثداء البقر، البقر يا حبيبي. سكت الثاني ظانا أن الأول يهزأ به لا سيما وأن عدد ممن يستمعون للحديث عالي الصوت في الحافلة انفجروا بالضحك .

في الموعد المحدد حيث يرتاح كل من حامد النجار ، ورائد سائق الحافلة على الرصيف في منتصف البلد أي المدينة الكبيرة التفت رائد الى صديقه وقال: هل سمعت خبر حمالات الصدر؟! فقال حامد ماذا تقول ؟ فكرر عليه السؤال ، ولما ظهر منه عدم المتابعة السياسية لشؤون البلد ، أبلغة أنه بغير إرادة منه سمع الخبر والتعليق عليه وهو الذي طلق القنوات الأخبارية منذ يوم الجمعة الفستقي الذي توفى فيه ولده وعدد من اصدقائة غرقا في أحد برك السباحة وحينها قامت المذيعة في  المحطة المحلية بإعلان النبأ وهي تبتسم فطلق القنوات الأخبارية .

أما النجار حامد فكان ضيقه من الصراعات الحزبية والقضايا السياسية السخيفة التي يتعاطونها قد جعل منه شخصاعاديا يأكل ويشرب ويصرخ ويمرح ويجلس على المقاهي ولا يلتفت لدعاوي التكفير والردة والقتل التي بدأت تعالى من حزب الإنتقال المريح إلى الجنة أو حزب الموت المضمون ، رغم أنها من الأحزاب التي لم تدخل الإنتخابات ولكنها المؤثرة في الهوى الشعبي ، ولدى المتعصبين .

قال حامد : هات ما عندك ، ما هذه الأخبار عن حمالات الصدر. قال رائد: يا سيدي، هناك أزمة برلمانية وإستدعاء وزير. قال رائد : وما لنا نحن بذلك ؟ وما علاقته بالموضوع؟

قال حامد : رويدك ، فقط استمع ، فطأطأ حامد رأسه وبدأ يفتش في جيوبه عن علبة السجائر وأنصت، قال رائد : وهذه الأزمة تتمحور حول حمالات صدر البقر.......... نعم البقر لا النساء .

ابتسم حامد مشدوها ، وتابع رائد كلامه بعد أن رأى أنه أثار صديقه .

 طلبا فنجانين قهوة بالسكر من كشك القهوة المجاور ، وأكمل رائد سائق الحافلة حديثه : اختلف مجلس الشعب حول حمالات صدر البقر، فقال حامد وهو يشعل سيجارته: وهل للبقر حمالات صدر أصلاً ؟.

قال رائد : إذن لابد مما ليس منه بد ، سأبدأ لك القصة من أولها، ما دمت لا تعلم، يا صديقي العزيز، لقد أفتى عدد من الأحزاب في بلدنا بحرمة عري البقر ، حيث قرروا أنه يجب أن تخفي الأبقار اثداءها ولا تعرضها للعامة لا سيما وان البقر عندنا يشكل ثروة قومية ولذا علينا الحفاظ عليها وعلى عفتها .

 فرفع حامد حاجبيه عاليا وأخذ نفسا وقال: يعني بدأ فرض الحجاب على البقر !

تابع رائد قائلا: انقسم المجلس حسب الأحزاب أو التنظيمات إلى موافق أو رافض لمشروع قانون تغطية أثداء البقر ، الرافضون بحجة أن البقر ليست  كالبشر ، والقابلون بحجة أن حقوق البقر تتساوى مع حقوق البشر .

قال حامد : أكمل ، ما شاء الله .

قال رائد : وبعد حوارات وجدالات طويلة وافق البرلمان بالأغلبية على إقرار مشروع قانون الحمالات .

قال حامد : إذن انتهينا .

قال رائد : بل بدأنا ، وسّع صدرك ، وانتقل الخلاف بين الأحزاب ليس على مشروعيه لبس الحمالة ، فالمعظم وافق عليها، وانما على لونها فمثلا أصرت حركة الصوف الوطني على أن يكون لون حمالة الصدر هو اللون الأسود لأنه شعارها ولأنه لون غالبية البقر، أما حركة الحرير الإسلامي فأصرت على اللون القرمزي و الفستقي معا لأنه اللونين يشكلان لون علمها ، وطالبت جبهة العناد الصافي بدعم حركة الحرير الإسلامي في إنتخابات الجامعات ، أما حزب النغمات فبقى على الحياد    .

قال حامد : وهل هذه مشكلة أيضا ؟

قال رائد : اسكت كي لا يسمعك أحد ويتهمك بالجهل السياسي.

في اليوم التالي وعلى صفحات الجرائد وبالخط العريض ظهرخبر مفاده : مجلس الشعب يوافق على تقسيم الوطن جغرافيا وإلباس البقر حمالات للأثداء باللون الحزبي بحسب سيطرة كل تنظيم على البقعة الجغرافية وذلك تكريسا للديمقراطية .

كان صاحب كشك القهوة الواقف قربهما يقرأ الخبر بصوت عال ليُسمِع كلا من رائد وحامد.   

قال حامد :  ها هي المشكلة حلت، وخلصنا من هذه المعركة .

رائد   : لا أظن .

حامد :  لماذا

رائد : لأنه على حد قول المذياع برزت مشكلة جديدة وخطيرة .

حامد : ياساتر ، وما هي ؟

رائد : المجلس يناقش اليوم هل يجوز وضع اطار حول صورة الشهيد أم لا ، وهل يجوز وضع خط أسود على صورة المتوفي العادي أم لا ، وما حجم الاطار الشرعي.

حامد : ألم أقل لك أن الحديث في النجارة أفضل يا حبيب الشعب !   


 

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر