موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر

المراسل الثوري


المراسل الثوري

 

 بعد عشرين عاما من العمل مراسلا... بدا له ضرورة أن يترقى ؟! ولم لا فمن حق كل انسان أن يترقى، ربما أشعل هذه الفكرة في رأسه صديقه الحميم أو زوجته، الله أعلم؟! المهم أن الفكرة اختمرت في رأس أبوالعوض.

دخل إلى المدرسة التي يعمل بها في الصباح المبكر كعادته ، ولكنه هذه المرة كان يلبس بدلة ، وهو لم يلبس بدلة أبدا في حياته من قبل . إذ أنه لم يغير بنطاله الأخضر وقميصه الأصفر إلا مرة أو مرتين في الشهر، فيلبس عوضا عنهما بنطالا بنيا وقميصا أبيضا، ربما لدواعي الغسيل للطقم الاول .

  في هذا اليوم الأغر ارتدي أبو العوض بدلة خضراء وقميصا أبيض مع ربطة عنق حمراء جعلت كل تلميذ في ساحة المدرسة يراه أما يبتسم ويركض مسرعا و مبتعدا، أو يضحك عاليا .

دخل أبو العوض على المدير دون أن يقرع الباب... فأنتبه المدير الذي كان قد دخل المدرسة دون أن يفتح له أبو العوض باب مكتبه كالعادة ... رفع رأسه الكبير، وعدّل من وضع نظارته، ليهتز جسده الممتلئ مما رأى!!

 اندفع بكرسيه للخلف باسطا يديه تعبيرا عن الاستغراب والتعجب ، وبدلاً من أن يوبخ المراسل كما كان يخطط لتقصيره في فتح باب مكتبه، ومعاجلته بفنجان القهوة، وبعد أن تأمل الرجل أمامه مليا..... كتم ضحكته، وصرخ قائلا: ما هذا يا أبوالعوض ؟ هل أنت ذاهب لسهرة، ام لاجتماع مع رئيس الوزراء، أو ماذا ؟

  كان أبو العوض قد استجمع شجاعته وحدد ما سيقوله مسبقا، فلقد كان يتمرن على هذا الموقف طويلا في البيت .

قال أبو العوض بعد أن عدّل من وضع ربطة عنقه الحمراء : أريد أن أكون مدرساً، أن أترقى لمدرس ؟

المدير أبو جابر غير مصدق ما يسمع : نعم ، ماذا قلت ؟

المراسل أبو العوض بثقة : أريد أن أكون مدرساً ، كل العالم تترقى وأنا لعشرين سنة مازلت مراسلا ومن حقي أن أترقى .

المدير أبو جابر : هل أنت صاحي يا أبو العوض أم مريض ... دعني أقول لك اذهب واعمل لي فنجان قهوة، وبلاش تخاريف .

كان أبو العوض يعمل مراسلا للمدير في مدرسة صغيرة بأحدى القرى ، ولأن عدد الطلاب في المدرسة كان محدودا إذ لم يتجاوز العدد 100 طالبا في أحسن الاحوال ، فإن طاقم المدرسين تشكل من أربعة فقط وسكرتير ومدير، ومراسل كان يقوم بدور الحارس والفراش أيضا.

أبو العوض هو مراسل المدرسة يعرف التلاميذ وآباءهم وأمهاتهم فما أن يصل طالب جديد للمدرسة حتى يتعرف عليه أو يعرفه سلفا باسم أبيه أو أمه.... لذلك فإن أبا العوض كان يعكس شخصيته على التلاميذ جميعا لاسيما وهو أول من يرحب بهم عند دخولهم وآخر من يرونه في الرواح .

في القرى تمر الأيام  رتيبة..... لا يسمم أجواءها أو يخرق الصمت في ليلها إلا حادثة عارضة هنا أو موقف هناك ، لذلك كانت الأقاويل والأحاديث الفارغة والمليانة تستهلك الوقت والذهن و تنتقل مثل النار بالهشيم فتصبح الحبة قبة، وكان أبوالعوض من أصحاب هذه الثقافة لا سيما وأنه يعمل في مدرسة، أي أن لديه مخزون حديث لا ينضب كما يرى يؤهله للتقدم .

أبو العوض الشاب الثلاثيني الهاديء لم يكمل دراسته الابتدائية، لكنه يعرف كيف يقرأ ويكتب وإن بصعوبة . وفي المدرسة التي عمل بها كان يتدخل لدى المدرسين فيصلح كراريس التلاميذ خاصة في الصفوف الأولى، أو يطلب زيادة علامة لهذا أوذاك أو يتدخل في حل بعض المشاكل بينهم وبين المدرسين... وكان الأساتذة يتعاملون معه بمودة مراعين بساطته إن لم نقل جهله ، ومراعين رغبته بالتعلم كما بدا لهم ، أو في مد يد المساعدة من باب النخوة .

مدير المدرسة أبو جابر كان يمتعض من تدخلاته، فكان ينهر أبو العوض ، ويمنعه من التدخل في شؤون المدرسين وتدريسهم وعلاقاتهم بالطلاب، لأنه كان يعطله عن عمله الأساسي كمراسل للمدير مختص بفتح الباب وإعداد القهوة والرد على الهاتف ومسح المكتب وفتح الستائر.... هذا من جهة ، ومن جهة ثانية  يتدخل فيما لا يعنيه .

 وماذا بعد ؟

هكذا كلمت محدثي حاثا إياه أن يكمل قصته.

 فقال صديقي: لقد حصلت مشادة بين المدير والمراسل وارتفعت الأصوات التي اختلطت بأصوات المدرسين الذين دخلوا غرفة المدير يستطلعون الأمر الجلل، والذي انتهى بطرد أبو العوض من المدرسة .

قلت لصديقي: هذه طرفة؟! ولكن ما علاقة هذه القصة بوضعنا السياسي والتنظيمي الحالي ، لقد قلت لي أنك ستقص عليّ قصة ذات صلة، ولكني أراك ابتعدت كثيرا ، والله ان قصص كليلة ودمنة أكثر قربا لواقعنا من قصتك هذه غير ذات المغزى .

قال صديقي : اهدأ قليلا ...وجذبني من يدي خارجا ، حيث كنا نجلس في غرفة الانتظار الفارهة لقائد فلسطيني كبير، هكذا يقولون في الاعلام على الأقل قائد كبير وأنا لا أعلم كبير في ماذا أو على من!

كان في يدي ويد صاحبي أوراقا سنقدمها  للقائد الكبير ليوقعها.... أخذني صديقي معه خارج قاعة الانتظار بإتجاه باب الخروج.... فاستغربت!!!

 وقلت له : لقد جئنا لمصلحة نريد أن نقضيها من القائد الكبير، وأنت تحدثني بقصة غير ذات صلة.... ثم تريد أن نرحل دون أن نحقق ما جئنا لأجله ؟

 قال صديقي : تذكرت مدى حساسيتك واندفاعك، وأخشى إن ربطت بين قصتى والواقع تنفعل انفعالا يخرجك عن طورك ، وكأنني أخطأت بذكر هذه القصة لك.

 قلت له : لم أفهم شيئا !!

 نظر في وجهي نظرة شفقة وكأنه متردد بين أمرين.... حسم أمره ، وعاد ليجذبني من يدي عائدا باتجاه غرفة الانتظار ومكتب القائد الكبير .

استغل ذهاب المرافق الواقف كالصنم بباب القائد الكبير لإحضار كوب من القهوة لنفسه ، وأسرع ليفتح الباب بسرعة قبل عودة المرافق... وقام بإلقاء السلام على القائد الكبير في المكتب الفاره قائلا: مرحبا أخ أبو العوض !!         

إقرأ أيضا

Developed by MONGID DESIGNS الحقوق محفوظة © 2017 موقع الكاتب والأديب بكر أبوبكر